الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(العدل الإلهي) » اختلافات الخلقة هل يعد خلافاً للعدل؟


كمال الدين / افغانستان
السؤال: اختلافات الخلقة هل يعد خلافاً للعدل؟
خُلق البشر على أشكال مختلفة، فمنهم: الأعمى والبصير, والقبيح والجميل, والأسود والأبيض, والعاقل والمجنون, أفلا يعدّ ذلك خلافاً للعدل؟
إذ الأعمى والقبيح مثلاً لا يستطيعان أن يستمتعان بالكثير من مباهج الدنيا, ولا يقدران على تحقيق أُمنياتهما, بل وتحدّ أوضاعهما من قدرتهما على عمل الخير..
والسؤال بشقّين: هل يعوّضهم الله على محروميتهم هذه في الآخرة؟
وإذا مات أحدهم كافراً، هل يعذّب في الآخرة, ويكون مصداقاً لمن ليس له الدنيا والآخرة؟
الجواب:

الاخ كمال الدين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ الاختلاف في خلقة البشر من حيث التفاوت في القبح والجمال, وتمام الخلقة أو نقصها, وسائر العوارض الأُخرى من قبيل الفقر والغنى, والصحّة والسلامة والمرض, إنّما تخضع كلّ واحدةٍ منها لحكمة خاصّة, وبشكلٍ عام نستطيع أن نشير إلى جوانب معيّنة من الحكمة المبتغاة في ذلك, من خلال النقاط الآتية:
أوّلاً: طالما أنّ الأشياء تعرف بأضدادها، فلا مجال إذاً لظهور الجمال بدون القبح, ولا لتجلّي الكمال دون وجود النقص، وهكذا.

ثانياً: إنّ التفاوت المذكور يكون ضروريّاً لظهور وتجلّي القدرة الإلهية المطلقة, ولكي يُعرف سبحانه بأنّه على كلّ شيء قدير، أمّا بعض موارد التفاوت الموجودة، فهي مفيدة بما تظهره من صفتي اللطف والقهر الإلهي.

ثالثاً: إنّ صلاح بعض أفراد البشر يكمن في القبح، أو العمى، أو الابتلاء بالفقر والمرض، وغير ذلك, ولو دقّقنا في بعض الحالات لوجدنا أنّ الصلاح يكمن فعلاً في ما اختاره الله تعالى.

رابعاً: ومن حكمة الاختلافات بين البشر, أن يكونوا في معرض الاختبار الإلهي ليتميّز مسلك السعادة عن مسلك الشقاء, ويُفرز بين أصحاب المسلكين..
فأصحاب الابتلاء يُمتحنون بالصبر والتسليم, فينال الصابر منهم مقام الصابرين.

أمّا الأصحّاء المعافون فيُمتحنون بالشكر وأداء ما عليهم من التكاليف الإلهية إزاء إخوانهم المبتلين, وفي ذلك يقول تعالى: (( وَجَعَلنَا بَعضَكُم لِبَعضٍ فِتنَةً أَتَصبِرُونَ )) (الفرقان:20).
أمّا عن تعويض هذه المحروميّة, فليس ثمّة شكّ في ذلك؛ فالله هو الجابر, والجابر هو أحد أسماءه الحسنى تبارك وتعالى.

ومن جهة ثانية؛ فقد ثبت في أبحاث علم الكلام أنّ الله سبحانه يعوّض العباد عمّا عانوه وواجهوه من ألوان الآلام والمصائب والحرمان, بمقدار يساوي رضا العبد بالبلاء, وذلك في الأشياء المتعلّقة بالله, كالقبح والحسن وتشويهات الخلقة, وغير ذلك ممّا لا يكون للإنسان اختيار فيه.
وفي (الكافي) عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: ((شكوت إلى أبي عبد الله(عليه السلام) ما ألقى من الأوجاع, وكان مسقاماً, فقال لي: (يا عبد الله! لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أنّه قرّض بالمقاريض) ))(1).
وفيه أيضاً، تقرأ أنّ أبا بصير جاء إلى الإمام الصادق(عليه السلام), وكان أعمى, فطلب منه أن يفتح له عن بصره بإذن الله تعالى, فطلب الإمام أن يقترب منه, ثمّ مسح بيده الكريمة على عينيه فأبصر, فقال له الإمام(عليه السلام): (أتحبّ أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنّة خالصاً)؟ فاختار أبو بصير الصبر على العمى مع الجنّة, فعاد إلى حالته الأُولى(2).
والذي نستفيده من هذا الحديث, أنّ الله يعوّض ما يتحمّله الأعمى في هذه الدنيا, بأن يجعله في أمان من مشقّة موقف الحساب.
ونجد في الأحاديث والروايات بأنّ الله سبحانه يجزل عطاياه ومننه في يوم القيامة على من كان مبتلياً في هذه الدنيا ويعوّضه عن حرمانه, وكذلك يفعل بمن أخّر عنه إجابة دعائه وحاجاته لمصلحة معيّنة, فيعطيه ويجزل عليه العطاء حتّى ليتمنّى المؤمن أنّه لم تستجب له دعوة في الدنيا.
جاء في الحديث المشهور عن الإمام الصادق, قال(عليه السلام): (إنّ المؤمن ليدعو الله عزّ وجلّ: في حاجته, فيقول الله عزّ وجلّ أخّروا إجابته, شوقاً إلى صوته ودعائه, فإذا كان يوم القيامة قال الله عزّ وجلّ: عبدي! دعوتني فأخّرت إجابتك, وثوابك كذا وكذا، ودعوتني في كذا وكذا فأخّرت إجابتك, وثوابك كذا وكذا, قال: فيتمنّى المؤمن أنّه لم يستجب له دعوة في الدنيا ممّا يرى من حسن الثواب)(3).

أمّا ما جاء في سؤال السائل من أنّ فئة من الناس ابتُليت في الدنيا ببلاءات خاصّة لمصالح ترتبط بنظام العالم، أو بمصالح معيّنة, وأنّها تكون مصداقاً لمن فقد الدنيا والآخرة, طالما كانت قد خرجت من الدنيا دون إيمان.
ففي الجواب نقول: إنّ هذا المصير بالنسبة لأفراد هذه الفئة يرتبط بسوء اختيارهم, فهؤلاء رغم محروميتهم في الدنيا, كانوا قد اختاروا بملء إرادتهم طريق الكفر وعدم الإيمان, لذلك فلن يكون لهم نصيب من الرحمة الإلهية في الآخرة.
ودمتم في رعاية الله

(1) أُصول الكافي 2: 255 حديث (15) كتاب الإيمان والكفر، باب (شدّة ابتلاء المؤمن).
(2) الكافي 1: 470 حديث (3) أبواب التاريخ، باب (مولد أبي جعفر محمّد بن عليّ(عليه السلام)).
(3) الكافي 2: 490 - 491 حديث (9) كتاب الدعاء، باب (من أبطأت عليه الإجابة).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال