الاسئلة و الأجوبة » الإسلام والمسلمين » قتل المرتدّ هل يخالف حرّية الاختيار


علي عباس / البحرين
السؤال: قتل المرتدّ هل يخالف حرّية الاختيار
هناك من يوصم الإسلام بأنّه لا يعطي الإنسان حرّية اختيار العقيدة؛ إذ أنّه يحكم على من يغيّر عقيدته من الإسلام إلى غيره (الارتداد) بالإعدام، فهو يسلب منه حرّية الاختيار مسبقاً؟
الجواب:

الأخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من الواضح أنّ الحرّية يقابلها: التقيّد، كما تقابلها: العبودية.
وبهذا يقال: الإنسان إمّا أن يكون حرّاً، أو يكون عبداً ورقّاً، والأصل في الإنسان أن يكون حرّاً، كما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصيته للإمام الحسن(عليه السلام): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً)(1)، إلاّ أنّ العبودية تارة لله سبحانه بأن يكون الإنسان عبداً لله، وهذا من الحرّية؛ إذ بعبودية الله يتحرّر الإنسان من عبودية غيره (من عبودية الهوى والأصنام والطغاة والمال وغير ذلك)، فيصل إلى كماله المنشود، وإنّا نشهد في الشهادة الثانية لنبيّنا الأعظم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالعبودية لله أولاً ثمّ بالرسالة في قولنا: ((أشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله))، وهذا يدلّ على عظمة مقام العبودية لله.

وبعبارة أُخرى: الحرّية تارة مطلقة، وأُخرى مقيّدة، وفي الإنسان ليست حرّيته مطلقة، بل هناك قيود، إمّا دينية، أو اجتماعية، أو مدنـية، أو ما شابه ذلك، فإذا خرج من نطاقها ودائرتها فإنّه يدخل في دائرة (الحرية الحيوانية)؛ فإنّ الحيوان لعدم عقله وشعوره عنده الحرّية الحيوانية، فهو يأكل بحرّيته، ويقترب من أُنثاه بحريّته أمام الملأ؛ لأنّه حيوان، فالإنسان إذا خرج من حدود العفّة الإنسانية والدينية، فإنّه يخرج عن الحرّية الإنسانية ويدخل في الحرّية الحيوانية، فيكون كالأنعام بل أضلّ سبيلاً، فالإنسان ليس حرّاً على الإطلاق، بل في عين أنّه حرّ من جهات هو مقيّد من جهات أُخرى.

وأمّا بالنسبة إلى اختيار دين من الأديان، فالعبد قبل أن يختار أعطاه الله حرّية الانتخاب، وإنّه (( لاَ إِكرَاهَ فِي الدِّينِ )) ، لأنّه (( قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ )) ، فأرسل الله الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب وهدى الإنسان لنجد الخير ولنجد الشرّ، والانسان مختار في انتخاب أي الطريقين: (( وَهَدَينَاهُ النَّجدَينِ )) (البلد:9)، إمّا شاكراً وإمّا كفوراً، فأعطاه الاختيار ابتداءً، ولكن بعث إليه الأنبياء وورثتهم من العلماء الصالحين في كلّ عصر ومصر، حتّى يُعرف الحقّ من الباطل ويختار ما هو الصحيح.
وهذا كلّه من الرشد، ومن لطف الله وعدله؛ فإنّ اللّطف بمعنى ما يقرّب العبد للطاعة ويبعّده عن المعصية، فقال للانسان: أنت مختار، إلاّ أنّه انتخب الدين الصحيح الذي ارتضيته لك؛ لأنّ الدين دين الله فلا بدّ أن نرى أي دين يطالبنا به، وقد ثبت أنّ النبوّة قد ختمت بنبيّنا الأكرم محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ معجزته الخالدة هي القرآن الكريم.
وجاء في قوله تعالى: (( وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلاَمِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ )) (آل عمران:85)، (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلاَمَ دِيناً )) (المائدة:3)، فالدين المختار والمرضي لله هو الإسلام الحنيف، فقبل الانتخاب كان الإنسان مختاراً، ولكن الله لا يرضى لعبده ديناً إلاّ الإسلام، فطلب من الإنسان أن يختار الإسلام، وهذا من الحرّية الإنسانية والعدالة الإلهيّة، وبعد اختيار الإسلام المرضيّ لا يحقّ له أن يخرج منه؛ لأنّ صاحب الإسلام وهو الله سبحانه أراد ذلك..
وأمر أنّه من يرتدّ عن دينه فإنّه يُقتل، لأنّه يخلّ بالمجتمع التوحيدي الإسلامي، فيكون بحكم الجرثومة المضرّة لا بدّ من القضاء عليها وإلاّ تفسد الشيء ويفسد المجتمع، والله المولى لا يريد فساد دينه ومجتمعه، ولا أن يكون دينه بيد عبده يوماً يختاره ويوماً يردّه.
فالمجتمع الحاكم عليه حكومة الإسلام من ارتدّ عنه فإنّه يُطرد منه ويُقتل؛ لأنّه يصبح خطراً على المجتمع، والعقل وكذلك الوحي يأمران بإزاحة الخطر وقتل الجراثيم.

ولتوضيح هذا الاختيار قبل الانتخاب وعدم الاختيار بعده نذكر لك مثالاً:
لو كان لنا طريق الخطّ السريع فإنّه قبل دخول بوابته أنت حرّ في الدخول وعدمه، ولكن بعد الدخول (قانوناً) لا يحقّ لك الرجوع؛ لأنّ برجوعك ستسبّب أضراراً للآخرين، لأنّ السيارات كلّها سريعة السير وباتّجاه واحد، فلو دخلت الطريق السريع لا يحقّ لك الرجوع، بل لا بدّ أن تكمل الشارع أو تخرج من طريق أعدّه شرطة المرور لك، وهذا من الأمر الفطري البديهي المعقول، ودين الإسلام دين الفطرة السليمة، وحكم القتل لمن ارتدّ عنه سيكون حكماً فطرياً عقلياً، كما أنّه حكم شرعي ديني وعقلائي.
ودمتم في رعاية الله

(1) نهج البلاغة لمحمّد عبده 3: 51 [31] من وصية له للحسن بن عليّ(عليهما السلام).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال