الاسئلة و الأجوبة » أصول الدين » كيف أصبح عدد الأصول خمسة؟


مايكل
السؤال: كيف أصبح عدد الأصول خمسة؟
ما عندنا دليل من رواية الأئمّة(عليهم السلام) إلاّ من تقسيم علمائنا إلى الأُصول الخمسة، كما مشهور بيننا، فلم لم نأخذ هذه الآية: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبلُ وَمَن يَكفُر بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَقَد ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً )) (النساء:136)، حتّى تكون عقيدتنا (الشيعة) مطابقة للقرآن الكريم؟
ومن أوّل الذي قسّم عقيدتنا إلى الأُصول الخمسة؟
الجواب:

الأخ مايكل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: لقد ذكرنا في إحدى أجوبتنا المتقدّمة: أنّ مصطلح (أُصول الدين) وكذلك عددها - من خمسة أو أربعة أو ثلاثة أو إرجاعها إلى واحد؛ إذ أنّها ترجع في النهاية إلى التوحيد - هو من مواضعات العلماء واصطلاحهم عند علماء المذاهب الإسلامية كافّة، ولكن اشتهر مصطلح أُصول الدين من بينها، مع أنّ أبا حنيفة كان يطلق عليها: الفقه الأكبر(1).
واختلف علماء المذاهب بينهم في عددها، وما هذا ليس إلاّ لقبولهم أو رفضهم للأدلّة الدالّة على كون هذا الأمر أو ذاك أصلاً، أو لا.
وبالتالي فلا معنى لأن يأتِ مدّعٍ ليطالب بوجود آية أو رواية مذكور فيها الأُصول الخمسة بعد أن توضّح أنّها وضعت بالمواضعة، ولم يكن الاسم أو العدد منصوص عليه من الشارع.

ثانياً: الأمر كلّ الأمر ليس في الاصطلاح أو في العدد، وإنّما في الدليل الدال عليها، أي: الدليل أو الأدلّة القطعية التي تثبت أنّ هذه المسألة يجب الاعتقاد بها، وأنّ المكلّف سوف يُسأل عنها يوم القيامة، وأنّها تمثّل الأُسس الحقّة للدين الحقّ، التي يجب معرفتها والاعتقاد بها، وهذه المسائل المبثوثة أدلّتها في القرآن والسُنّة حُصرت في الجملة بالاستقراء من قبل علماء المسلمين بعشرات المسائل، أو ربّما قُل بالمئات، وقولنا: بالاستقراء، أي: ليس عددها محصوراً بالحصر العقلي، فربّما يجد العلماء مسائل جديدة يستنبطونها من القرآن والسُنّة يجب علينا الإيمان بها.

نعم، هي محصورة قطعاً في الكتاب والسُنّة، ولكن ربّما تكون هناك مسائل مجهولة لنا لم نستنبطها لحدّ الآن.
وربّما وصل الاستقراء إلى نهايته، وأحصى العلماء كلّ المسائل الداخلة في العقيدة، ولكن يبقى الخلاف بينهم في أيّها يدخل وأيّها يخرج حسب ما يقيمون من الأدلّة.
وإذا عرفت أنّ هذه المسائل عديدة، كالإيمان بأنّ الله واحد، وأنّه عالم وحيّ وقادر، وأنّه خالق ورازق، وأنّه حكيم، وأنّه يبعث الأنبياء، وأنّهم يجب أن يكونوا معصومون، ويأتيهم الوحي، ومؤيّدين بالمعجزة، وأنّ لهم أوصياء، وأنّ هناك حساب وجنّة ونار، وأنّ الله عادل لا يجور، وأنّه خلق الملائكة وجعل لهم وظائف، وخلق الأرض والسماوات، وخلق خلقاً أخرين، وأنّهم كلّهم سوف يموتون، إلى غيرها من عشرات المسائل التي يجب أن نؤمن بها، ويصعب حصرها إلاّ بتصنيف يجمع ما تشابه منها ويختص بعنوان واحد، لذا عمد العلماء إلى تصنيفها ضمن ما يناسبها من المواضيع، وجعلوا لكلّ موضوع عنواناً، كالتوحيد، والنبوّة، والعدل، والإمامة، والمعاد..

ثمّ بعد ذلك صنّفوا المسائل وأدلّتها المستقاة من الكتاب والسُنّة والعقل ضمن هذه العناوين، فأصبح لدينا عناوين رئيسية اصطلحوا عليها بـ(الأُصول)، واختلفوا في عددها بين مخرج للإمامة مثلاً، ومدخل للمنزلة بين المنزلين، أو الوعد والوعيد أُخرى، فأصل البحث ليس في ما هو الدليل على هذا التصنيف، بقدر ما هو في الدليل على كلّ هذه المسائل، حتّى يوجب على المكلّف الإيمان بها.
فالسائل الذي يسأل عن وجود آية أو رواية لأصل التصنيف والعدد ما هو إلاّ غافل غير منتبه لأصل المسألة، أو مستغفلاً من آخرين يريدون الإشكال فقط لبعدهم عن دراسة أو فهم علم الكلام، كالوهابية.

ثالثاً: إذاً فالسؤال الصحيح يجب أن يكون: هل عندكم أدلّة من الكتاب والسُنّة على ما تدّعونه من أُصول الدين؟
والجواب يأتي: بنعم، وألف نعم.
بل لا نقبل في المسائل المنضوية تحت ما نصطلح عليه بـ(الأُصول الخمسة) إلاّ بأدلّة قطعية يقينية وهي مبثوثة في القرآن والسُنّة، بل أوّل ما نستدلّ عليها نبدأ بالأدلّة العقلية؛ فلاحظ!

ومن السذاجة المطالبة بآية أو رواية تحصر العدد المعيّن للأُصول؛ إذ لا موضوعية لذلك، فضلاً عن الخلاف بين علماء المسلمين وعلماء المذهب بالعدد؛ فإنّهم يرجعون الإمامة إلى أصل النبوّة، والنبوّة إلى أصل التوحيد، والعدل أحد صفات الواحد فيرجع إلى التوحيد أيضاً، فيكون العدد اثنين: التوحيد، والمعاد، ثمّ يرجعون المعاد إلى التوحيد، فيكون الأصل أصلاً واحداً وهو: التوحيد، فهل يأتي أحد بعد ذلك مطالباً بآية أو رواية تحصر الأُصول في واحد فقط؟!
مع أنّه لم يقل أحد من المسلمين بحجّية آية أو رواية واحدة فقط، وإنّها إذا دلّت على شيء فيجب أن نلغي ونعرض عن كلّ الآيات والروايات الأُخرى، بل الحجّية لكلّ الآيات والروايات، وبالتالي استنباط المراد منها كلّها بعد جمعها بالجمع العرفي، وفهم المراد منها كلّها، فالقرآن كلّه حجّة، وكذلك السُنّة، ولا يجوز لنا الأخذ ببعض وترك البعض، فهذا دأب المنافقين والذين في قلوبهم زيغ، ودأب الزنادقة؛ فافهم.

رابعاً: ومنه تعرف أنّه إذا وجدنا آيات وروايات تدلّ على المسائل التي تنضوي تحت عناوين الأُصول الخمسة، فيجب الإيمان بها، وتكون عقيدتنا مطابقة للقرآن والسُنّة، وليس لأيّ متصنّع متعالم أن يدّعي على الله أن يحصرها في آية واحدة، أو على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية واحدة، أو أن يدّعي بأنّ هذه الآية أو الرواية هي التي تحصر أُصول العقيدة فقط وفقط، بل يحتاج إلى دليل، وأنّى له الدليل بعد أن قام على حجّية كلّ القرآن وكلّ السُنّة؟!

خامساً: ولذا فنحن ندّعي وجود آيات كثيرة تدلّ على أُصولنا، فضلاً عن الروايات المتواترة التي تنص عليها، فقولك إذاً: ((ما عندنا دليل من رواية الأئمّة(عليهم السلام) إلاّ من تقسيم علمائنا إلى الأُصول الخمسة)) خطأ من أوّله؛ إذ عندنا روايات متواترة تدلّ على الأُصول الخمسة، وصحيح في آخره بالنسبة إلى حصرها بالعناوين الخمسة، وعند غيرنا بحصرها بالستّة أو الأربعة أو الثلاثة، أو غيرها حسب المذاهب والفرق؛ فراجع!

سادساً: ثمّ إنّ الآية المذكورة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ... )) لا تنطبق بحسب الظاهر وبحسب مدّعى المستشكل على أي عدد حاصر للأُصول من أي مذهب من المذاهب الإسلامية، وكذلك عناوين الأُصول، فإنّا لا نجد من عنون أصلاً بعنوان أصل الكتاب، أو أصل الملائكة، ولا الكتب التي أُنزلت من قبل مثلاً، ولم يكن تعدادها عند أي مذهب بـ(التوحيد، والرسالة والكتاب، والكتب التي أُنزلت من قبل والملائكة واليوم الآخر)، مثلاً.

وإذا قال القائل: إنّ بعضها يدلّ على بعض في الآية؛ فإنّ الكتاب والكتب التي أُنزلت من قبل معنى واحد، ويرجع إلى مسألة الوحي، وهي من مسائل (أصل النبوّة)، وأنّ الملائكة ترجع إلى (أصل التوحيد) مثلاً، واليوم الآخر هو (أصل المعاد)، فالأُصول ثلاثة.
قلنا:
1- هذا ما نقوله؛ فانّا نرجع الإمامة إلى أصل النبوّة، بما أنّهم أوصياء وخلفاء وامتداد للنبوّة، ونرجع أصل العدل إلى التوحيد؛ لأنّه من صفات الله سبحانه وتعالى.
2- من أين لكم بإدخال الملائكة في (أصل التوحيد)؟ إذ لو كان التصنيف بهذا الشكل لكان الأولى أن يجعل أصل واحد وهو: التوحيد، كما يقول به بعضهم؛ لأنّ الله هو الأصل لكلّ شيء.
3- من أين لكم المدعى بأنّ هذه الآية حاصرة، وهي فقط الدالّة على الأُصول، ولا يوجد غيرها في القرآن والسُنّة؟

نعم، إنّ من لم يؤمن بهذه فقد ضلّ ضلالاً بعيداً، ولكن ليس في الآية مفهوم أنّ من آمن بها ولم يؤمن بغيرها فإنّه لم يضل؛ فلاحظ!
وفي النهاية اتّضح أنّ من يلوك لسانه بهذه الآية لا يريد الإشكال، وما هو إلاّ متنطّع لم يفهم ما هو المراد بـ(الأُصول) وكيف تثبت، ومن أين نأخذ بأدلّتها، وما هو المناط في جعلها من الأُصول!
وتعرف أنّ عقيدة الشيعة لا تخالف القرآن ولا السُنّة، وأمّا تفاصيل الاستدلال على كلّ أصل أصل بمسائله الكثيرة فإنّك تجد بعضها على صفحتنا وبعضها في كتبنا الكلامية، فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: كشف الظنون 2: 1287.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال