الاسئلة و الأجوبة » آية الولاية » جواب على ما قاله الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)


مجيد / امريكا
السؤال: جواب على ما قاله الآلوسي في تفسيره (روح المعاني)

قال محمود الآلوسي (ت1270هـ) في تفسيره (روح المعاني) في تفسير قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )):

*************************

ثمّ إنّه سبحانه لمّا قال: (( لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاءَ )) (المائدة:51) وعلّله بما علّله، ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق القصر، فقال عزّ وجلّ: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ))، فكأنّه قيل: لا تتّخذوا أولئك أولياء لأنّ بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم، إنّما أولياؤكم الله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وسلّم) والمؤمنون، فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطّوهم إلى الغير..
وأفرد الوليّ مع تعدّده ليفيد كما قيل: أنّ الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع؛ فيكون التقدير: إنّما وليّكم الله سبحانه، وكذلك رسوله(صلّى الله عليه وسلّم) والذين آمنوا، فيكون في الكلام أصل وتبع، لا أنّ (وليّكم) مفرد استعمل استعمال الجمع، كما ظنّ صاحب (الفرائد)؛ فاعترض بأنّ ما ذكر بعيد عن قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعاً، ثمّ قال: ويمكن أن يقال: التقدير: إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم، فحذف الخبر لدلالة السابق عليه، وفائدة الفصل في الخبر هي: التنبيه على أنّ كونهم أولياء بعد كونه سبحانه وليّاً، ثمّ بجعله إيّاهم أولياء، ففي الحقيقة هو الوليّ. انتهى.

ولا يخفى على المتأمّل أنّ المآل متّحد والمورد واحد، وممّا تقرر يعلم أنّ قول الحلبـي: ويحتمل وجهاً آخر، وهو: أنّ وليّاً زنة فعيل، وقد نصّ أهل اللسان أنّه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد، كـ(صديق)، غير واقع موقعه؛ لأنّ الكلام فيه سرّ بياني، وهو: نكتة العدول من لفظ إلى لفظ..
ولا يرد على ما قدّمنا أنّه: لو كان التقدير كذلك لنافى حصر الولاية في الله تعالى ثمّ إثباتها للرسول(صلّى الله عليه وسلّم) وللمؤمنين؛ لأنّ الحصر باعتبار أنّه سبحانه الوليّ أصالة وحقيقة، وولاية غيره إنّما هي بالإسناد إليه عزّ شأنه.
(( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ )) بدل من الموصول الأوّل، أو صفة له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء؛ لأنّ الموصول وصلَة إلى وصف المعارف بالجمل، والوصف لا يوصف إلاّ بالتأويل، ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح، ومرفوعاً عليه أيضاً، وفي قراءة عبد الله: (( و - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ )) بالواو.
(( وَهُم رَاكِعُونَ )): حال من فاعل الفعلين، أي: يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى.
وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة، والركوع ركوع الصلاة، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه.
وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه؛ فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متّصل، قال: (( أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) فقالوا: يا رسول الله! إنّ منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدّث دون هذا المجلس، وإنّ قومنا لمّا رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وسلّم) وصدّقناه رفضونا، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا، ولا يناكحونا، ولا يكلّمونا، فشقّ ذلك علينا.
فقال لهم النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم): إنّما وليّكم الله ورسوله.
ثمّ إنّه (صلّى الله عليه وسلّم) خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع، فبصر بسائل، فقال: هل أعطاك أحد شيئاً؟ فقال: نعم، خاتم من فضّة. فقال: من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم. وأومأ إلى عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال النبـيّ (صلّى الله عليه وسلّم): على أيّ حال أعطاك؟ فقال: وهو راكع. فكبر النبـيّ (صلّى الله عليه وسلّم) ثمّ تلا هذه الآية ))، فأنشأ حسان رضي الله تعالى عنه يقول:

أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي ***** وكلّ بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مديحك المحبّر ضائعاً ***** وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً ***** زكاة فدتك النفس يا خير راكــع
فأنزل فيك الله خير ولايــــة ***** وأثبتها أثنا كتاب الشرائـــع

واستدلّ الشيعة بها على إمامته كرّم الله تعالى وجهه، ووجه الاستدلال بها عندهم أنّها بالإجماع أنّها نزلت فيه كرّم الله تعالى وجهه، وكلمة (إِنَّمَا) تفيد الحصر، ولفظ الوليّ بمعنى المتولّي للأمور والمستحقّ للتصرّف فيها، وظاهر أنّ المراد هنا: التصرّف العام المساوي للإمامة، بقرينة ضم ولايته كرّم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وسلّم)، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلاّ لبطل الحصر، ولا إشكال في التعبير عن الواحد بالجمع؛ فقد جاء في غير ما موضع، وذكر علماء العربية أنّه يكون لفائدتين: تعظيم الفاعل، وأنّ من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن بمنزلة جماعة، كقوله تعالى: (( إِنَّ إِبراهِيمَ كَانَ أُمَّةً )) (النحل:12)، ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله، وتعظيم الفعل أيضاً حتى أنّ فعله سجية لكلّ مؤمن، وهذه نكتة سرية (سارية) تعتبر في كلّ مكان بما يليق به.

وقد أجاب أهل السُنّة عن ذلك بوجوه:
الأوّل: النقض، بأنّ هذا الدليل كما يدلّ بزعمهم على نفي إمامة الأئمّة المتقدّمين كذلك يدلّ على سلب الإمامة عن الأئمّة المتأخّرين، كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير، فالدليل يضر الشيعة أكثر ممّا يضر أهل السُنّة كما لا يخفى.
ولا يمكن أن يقال: الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدّمه؛ لأنّا نقول: إنّ حصر ولاية من استجمع تلك الصفات لا يفيد إلاّ إذا كان حقيقياً، بل لا يصحّ لعدم استجماعها فيمن تأخّر عنه كرّم الله تعالى وجهه.
وإن أجابوا عن النقض بأنّ المراد حصر الولاية في الأمير كرّم الله تعالى وجهه في بعض الأوقات، أعني: وقت إِمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم، قلنا: فمرحباً بالوفاق؛ إذ مذهبنا أيضاً أنّ الولاية العامّة كانت له وقت كونه إماماً، لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة، ولا بعده، وهو زمان خلافة من ذكر.
فإن قالوا: إنّ الأمير كرّم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولاية عامّة في عهد الخلفاء يلزمه نقص بخلاف وقت خلافة أشباله الكرام رضي الله تعالى عنهم، فإنّه لمّا لم يكن حيّاً لم تصر إمامة غيره موجبة لنقص شرفه الكامل؛ لأنّ الموت رافع لجميع الأحكام الدنيوية.
يقال: هذا فرار وانتقال إلى استدلال آخر ليس مفهوماً من الآية؛ إذ مبناه على مقدّمتين: الأولى: إنّ كون صاحب الولاية العامّة في ولاية الآخر -. ولو في وقت من الأوقات -. غير مستقلّ بالولاية نقص له، والثانية: إنّ صاحب الولاية العامّة لا يلحقه نقص مّا بأي وجه وأي وقت كان، وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلاً كما لا يخفى على ذي فهم..
على أنّ هذا الاستدلال منقوض بالسبطين زمن ولاية الأمير كرّم الله تعالى وجهه، بل وبالأمير أيضاً في عهد النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم).

والثاني: إنّا لا نسلّم الإجماع على نزولها في الأمير كرّم الله تعالى وجهه؛ فقد اختلف علماء التفسير في ذلك، فروى أبو بكر النقّاش صاحب التفسير المشهور عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه: أنّها نزلت في المهاجرين والأنصار، وقال قائل: نحن سمعنا أنّها نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه، فقال: هو منهم، يعني أنّه كرّم الله تعالى وجهه داخل أيضاً في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم.
وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن عبد الملك بن أبـي سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن الباقر رضي الله تعالى عنه أيضاً نحو ذلك، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية.
وروى جمع من المفسّرين عن عكرمة أنّها نزلت في شأن أبـي بكر رضي الله تعالى عنه.

والثالث: أنّا لا نسلّم أنّ المراد بالوليّ: المتولّي للأمور والمستحقّ للتصرّف فيها تصرّفاً عامّاً، بل المراد به: الناصر، لأنّ الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدّين، وهو أقوى قرينة على ما ذكره، ولا يأباه الضم، كما لا يخفى على من فتح الله تعالى عين بصيرته.
ومن أنصف نفسه علم أنّ قوله تعالى في ما بعد: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُواً وَلَعِباً مّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَـابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفَّارَ أَولِيَاء )) (المائدة:57) آبٍ عن حمل الوليّ على ما يساوي الإمام الأعظم؛ لأنّ أحداً لم يتّخذ اليهود والنصارى والكفّار أئمّة لنفسه، وهم أيضاً لم يتّخذ بعضهم بعضاً إماماً، وإنّما اتّخذوا أنصاراً وأحباباً.
وكلمة (إِنَّمَا) المفيدة للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضاً؛ لأنّ الحصر يكون في ما يحتمل اعتقاد الشركة والتردّد والنزاع، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردّد ونزاع في الإمامة وولاية التصرّف، بل كان في النصرة والمحبّة.

والرابع: أنّه لو سلم أنّ المراد ما ذكروه، فلفظ الجمع عام، أو مساوٍ له - كما ذكره المرتضى في (الذريعة)، وابن المطهّر في (النهاية) - والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، كما اتّفق عليه الفريقان، فمفاد الآية حينئذٍ حصر الولاية العامّة لرجال متعدّدين يدخل فيهم الأمير كرّم الله تعالى وجهه، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل، لا يصحّ ارتكابه بغير ضرورة ولا ضرورة.
فإن قالوا: الضرورة متحقّقة هاهنا إذ التصدّق على السائل في حال الركوع لم يقع من أحد غير الأمير كرّم الله تعالى وجهه، قلنا: ليست الآية نصّاً في كون التصدّق واقعاً في حال ركوع الصلاة؛ لجواز أن يكون الركوع بمعنى التخشّع والتذلّل لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع، كما في قوله:

لا تهين الفقير علّك أن ***** (تركع) يوماً والدهر قد رفعه

وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً، كما قيل في قوله سبحانه: (( وَاركَعِي مَعَ الراكِعِينَ )) (آل عمران:43)؛ إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع، وكذا في قوله تعالى: (( وَخَرَّ رَاكِعاً )) (ص:24)، وقوله عزّ وجلّ: (( وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركَعُوا لاَ يَركَعُونَ )) (المرسلات:48) على ما بيّنه بعض الفضلاء، وليس حمل الركوع في الآية على غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك التصدّق، وهو لازم على مدّعى الإمامية قطعاً.

وقال بعض منّا أهل السُنّة: إنّ حمل الركوع على معناه الشرعي وجعل الجملة حالاً من فاعل (( يُؤتُونَ )) يوجب قصوراً بيّناً في مفهوم (( يُقِيمُونَ الصَّلَواةَ ))؛ إذ المدح والفضيلة في الصلاة كونها خالية عمّا لا يتعلّق بها من الحركات سواءً كانت كثيرة أم قليلة، غاية الأمر أنّ الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة، ولكن تؤثّر قصوراً في معنى إقامة الصلاة ألبتة، فلا ينبغي حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك، انتهى.
وبلغني أنّه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى: كيف تَصَدَّقَ عليّ كرّم الله تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة، والظنّ فيه -. بل العلم الجازم - أنّ له كرّم الله تعالى وجهه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها، وقد حكي ممّا يؤيد ذلك كثير؟ فأنشأ يقول:

يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته ***** عن النديم ولا يلهو عن الناس
أطاعه سكره حتى تمكّن من ***** فعل الصحاة فهذا واحد الناس

وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي قدس سره عن أصل الاستدلال، بأنّ: الدليل قائم في غير محلّ النزاع، وهو كون عليّ كرّم الله تعالى وجهه إماماً بعد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) من غير فصل؛ لأنّ ولاية الذين آمنوا على زعم الإمامية غير مرادة في زمان الخطاب، لأنّ ذلك عهد النبوّة، والإمامة نيابة، فلا تتصوّر إلاّ بعد انتقال النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً، تعيّن أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال ولا حدّ للتأخير، فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرّم الله تعالى وجهه بعد مضي زمان الأئمّة الثلاثة، فلم يحصل مدّعى الإمامية.

ومن العجائب أنّ صاحب (إظهار الحقّ) قد بلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح الاستدلال بزعمه، ولم يأت بأكثر ممّا يضحك الثكلى، وتفزع من سماعه الموتى؛ فقال: إنّ الأمر بمحبّة الله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وسلّم) يكون بطريق الوجوب لا محالة، فالأمر بمحبّة المؤمنين المتّصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضاً كذلك، إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متّحداً أو متعدّداً أو متعاطفاً، لا يمكن أن يكون بعضه واجباً وبعضه مندوباً، وإلاّ لزم استعمال اللفظ بمعنيين، فإذا كانت محبّة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبّة الله تعالى ورسوله (صلّى الله عليه وسلّم) امتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكلّ الأمّة، باعتبار أنّ من شأنّهم الاتّصاف بتلك الصفات؛ لأنّ معرفة كلّ منهم ليحبّ ويوالي ممّا لا يمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه، وأيضاً قد تكون معاداة المؤمنين لسبب من الأسباب مباحة بل واجبة، فتعين أن يراد منهم البعض، وهو عليّ المرتضى كرّم الله تعالى وجهه. انتهى.

ويرد عليه: أنّه مع تسليم المقدّمات أين اللزوم بين الدليل والمدّعى؟ وكيف استنتاج المتعين من المطلق؟
وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة، وترجع إلى موالاة إيمانهم في الحقيقة، والبغض لسبب غير ضار فيها.
وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَـاتُ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ... )) (التوبة:71) الآية؟
وأيضاً ماذا يجاب عن معاداة الكفّار، وكيف الأمر فيها وهم أضعاف المؤمنين؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت تعلم أنّ ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة ممّا لا شك في وقوعها، فضلاً عن إمكانها.
والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك، والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس، إذ الأولى: أصل. والثانية: تبع. والثالثة: تبع التبع، فالمحمول مختلف، ومثله الموضوع؛ إذ الموالاة من الأمور العامّة، وكالعوارض المشكّكة، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهته، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أنّ نسبة الوجود إلى كلّ غير نسبته إلى الآخر، والجهة مختلفة بلا ريب، وهذا قوله سبحانه: (( قل هَـذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي )) (يوسف:108)، مع أنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلّى الله عليه وسلّم) مندوبة في غيره، ولهذا قال الأُصوليون: القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم، وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة.

ثمّ إنّه أجاب عن حديث عدم وقوع التردد مع اقتضاء (إِنَّمَا) له بأنّه: يظهر من بعض أحاديث أهل السُنّة أنّ بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم) الاستخلاف؛ فقد روى الترمذي عن حذيفة (( أنّهم قالوا: يا رسول الله لو استخلفت؟ قال: (لو استخلفت عليكم فعصيتموه عُذّبتم، ولكن ما حدّثكم حذيفة فصدّقوه، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه ) )).
وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمّن يكون إماماً بعده(صلّى الله عليه وسلّم)؛ فقد أخرج أحمد عن عليّ كرّم الله تعالى وجهه، قال: (( قيل: يا رسول الله من نؤمّر بعدك؟ قال: (إن تؤمروا أبا بكر رضي الله تعالى عنه تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة، وإن تؤمّروا عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمّروا عليّاً -. ولا أراكم فاعلين -. تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم ) ))، وهذا الإلتماس والاستفسار يقتضي كلّ منهما وقوع التردد في حضوره(صلّى الله عليه وسلّم) عند نزول الآية، فلم يبطل مدلول (إِنَّمَا). انتهى.

وفيه أنّ محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر ونازع بعضهم بعضاً بعدما سمعوا من النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم) جواب ما سألوه لتحقّق المدلول، وليس فليس، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض لـ(إنّما) ولا من مقاماته، بل هو من مقامات (إنّ)، والفرق مثل الصبح ظاهر، وأيضاً لو سلّمنا التردد، ولكن كيف العلم بأنّه بعد الآية أو قبلها، منفصلاً أو متّصلاً، سبباً للنزول أو اتّفاقياً، ولا بدّ من إثبات القبلية والاتّصال والسببية، وأين ذلك؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال.
وبعد هذا كلّه الحديث الثاني ينافي الحصر صريحاً؛ لأنّه(صلّى الله عليه وسلّم) في مقام السؤال عن المستحقّ للخلافة ذكر الشيخين، فإن كانت الآية متقدّمة لزم مخالفة الرسول(صلّى الله عليه وسلّم) القرآن، أو بالعكس لزم التكذيب، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما قرر، ومع ذا تقدم كلّ على الآخر مجهول فسقط العمل.
فإن قالوا: الحديث خبر الواحد، وهو غير مقبول في باب الإمامة.
قلنا: وكذلك لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف عليه التمسّك بالآية، والحديث الأوّل يفيد أنّ ترك الاستخلاف أصلح فتركه -. كما تفهمه الآية بزعمهم -. تركه، وهم لا يجوّزونه؛ فتأمّل!
وذكر الطبرسي في (مجمع البيان) وجهاً آخر غير ما ذكره صاحب (إظهار الحقّ) في أنّ الولاية مختصّة، وهو: (( أنّه سبحانه قال: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ))، فخاطب جميع المؤمنين، ودخل في الخطاب النبـيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وغيره، ثمّ قال تعالى: (( وَرَسُولُهُ )) فأخرج نبيّه عليه الصلاة والسلام من جملتهم؛ لكونهم مضافين إلى ولايته، ثمّ قال جلّ وعلا: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا )) فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية، وإلاّ لزم أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه، وأن يكون كلّ واحد من المؤمنين وليّ نفسه وذلك محال )). انتهى.
وأنت تعلم أنّ المراد ولاية بعض المؤمنين بعضاً، لا أن يكون كلّ واحد منهم وليّ نفسه، وكيف يتوهّم من قولك مثلاً: أيّها الناس لا تغتابوا الناس، أنّه نهي لكلّ واحد من الناس أن يغتاب نفسه؟
وفي الخبر أيضاً: (صوموا يوم يصوم الناس)، ولا يختلج في القلب أنّه أمر لكلّ أحد أن يصوم يوم يصوم الناس، ومثل ذلك كثير في كلامهم.
وما قدّمناه في سبب النزول ظاهر في أنّ المخاطب بذلك: ابن سلام وأصحابه.
وعليه لا إشكال إلاّ أنّ ذلك لا يعّد مخصّصاً، كما لا يخفى، فالآية على كلّ حال لا تدلّ على خلافة الأمير كرّم الله تعالى وجهه على الوجه الذي تزعمه الإمامية، وهو ظاهر لمن تولّى الله تعالى حفظ ذهنه عن غبار العصبية.

*************************

ما جواب هذا التفسير؟

الجواب:

الأخ مجيد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: قال: (( ثمّ إنّه سبحانه لمّا قال: (( لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء )) وعلّله بما علّله... إلى قوله: فاختصّوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير )).. وقد حاول فيه أن يدّعي وحدة السياق وإن لم يصرّح به، ولكن ظاهر عبارته ذلك، من خلال ربطه بين هذه الآية وبين الآيات التي سبقتها، الناهية عن ولاية اليهود والنصارى، وهو هنا لم يفسّر الولاية في هذه الآية وإنّما أورد نفس معناها في الآية السابقة عليها، وقد ذكر هناك أنّ المراد: النهي عن ولاية النصرة لليهود والنصارى، وما فعل ذلك إلاّ لكي لا يلزم بما سوف يرد عليه ممّا سنذكره! محاولاً - بهذه التعمية في العبارة - التخلّص من القصر الظاهر من لفظة (( إِنَّمَا ))، المنافي لولاية النصرة.
ومحاولة الاستدلال بوحدة السياق ذكرها قبله كثير من علماء أهل السُنّة، منهم التفتازاني في (شرح المقاصد)(1)، وابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة)(2)، وأشار إليها أكثر من فسّر هذه الآية منهم.
وقد أجاب علماؤنا عن ذلك قديماً، ولكن الآلوسي غضّ الطرف عن أجوبتهم لما يريد من غاية، وإلاّ لو كان من أهل التحقيق لأوردها ثمّ ذكر ما يمكن أن يجيب عنها، لا أن يطرح كلامه - تبعاً وتقليداً لسلفه - كأنّه آخر ما قيل ولا معقّب عليه!
وأمّا ما يرد على إدّعاهم بوحدة السياق، فأُمور:
1- إنّ سبب النزول كما هو الصحيح يردّ وحدة السياق.
2- عدم وجود وحدة السياق بين الآية المقصودة وهذه الآية؛ لبعدها أوّلاً، ولفصلها بآية الارتداد ثانياً. وهذا ظاهر واضح لمن قرأ الآيات من قوله: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )), إلى الآيات الثلاث بعدها؛ فإنّها مترابطة المعنى، مفصولة عمّا بعدها.
3- وجود كثير من الآيات في القرآن أوّلها في شيء ووسطها في شيء وآخرها في شيء، بل مجيء آية لها معنى خاص في وسط آيات متّحدة المعنى لا علاقة لها بهنّ.
فإذا تعارض الدليل مع السياق قُدّم الدليل؛ لاتّفاق الجميع على أنّ الآيات لم تترتّب على ترتيب النزول.
4- إنّ الولاية في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء )), ليست بمعنى: النصرة؛ لأنّ هذا المعنى إن فرض صدقه بالنسبة لليهود في المدينة لا يمكن أن يصدق بالنسبة للنصارى؛ لأنّه لم يكن لهم وجود معتد به فيها..
وكذلك لا يلائم قوله تعالى: (( بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ ))؛ لأنّها تدلّ على ولاية المحبّة والاتّحاد من جهة وحدة القومية والدين عند اليهود والنصارى، ومن دون حاجة إلى وقوع تحالف بينهم على النصرة. بل لم يكن هناك تحالف بين اليهود والنصارى سوى اجتماعهم على معاداة الإسلام.
ولا يلائم قوله: (( وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم ))؛ لأنّ موالاة النصرة لآخرين لا تجعله منهم، وإنّما موالاة المحبّة والألفة هي التي تجعله كأنّه منهم، فلا يتم معناهما إلاّ إذا كانت الولاية فيهما بمعنى: المحبّة؛ فإنّ ولاية المحبّة هي التي تجعل اليهود أولياء بعضهم لبعض لا النصرة، وهي التي تجعل من يحبّهم كأنّه منهم وجداناً لا ولاية الحلف والنصرة، وقد قال الله تعالى في كتابه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ تُلقُونَ إِلَيهِم بِالمَوَدَّةِ )) (الممتحنة:1)، كيف؟! وقد كان بين رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين اليهود عهود ومواثيق(3).
5- لا يصحّ جعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليّاً للمؤمنين كما في الآية بمعنى: النصرة، بل إمّا أن يكون النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين جميعاً ينصرون دين الله، أو أنّ الناس ينصرون رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنّه المبلّغ بالدين والرسول عن الله، أو أنّ الله ينصر رسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين..
وأمّا أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون ناصراً للمؤمنين فليس يصح، ولم يرد فيه آية من القرآن، ومنه يظهر أنّ الولاية هنا ولاية التصرّف لا ولاية النصرة(4).
6- إنّ القول: بأنّ الولاية في الآية هي ولاية النصرة تبعاً للسياق المفترض من أنّ النهي في الآية الأولى منصبّ على ولاية النصرة لليهود والنصارى، لا يجتمع مع أداة الحصر (إنّما)، ولا مع الضمير (كم) في (( وَلِيُّكُمُ ))؛ لأنّ ولاية النصرة عامّة لا تنحصر بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وقوله: (( وَلِيُّكُمُ )) يحتاج إلى آخرين مخاطبين غير من ثبتت له الولاية، ولا يمكن أن يخاطب المؤمنون كلّهم بلفظة (( وَلِيُّكُمُ ))، فثبت أنّ من ثبتت له الولاية بعض المؤمنين لا كلّهم.
7- إنّ القول: بأنّ الولاية في الآية تعني: الأولى بالأمر، لا ينافي السياق، ولا يتعارض مع المناسبة المدّعاة بين الآيات؛ لأنّ ولاية الأمر تشمل ولاية النصرة والمحبّة وغيرها، فثبتت المناسبة.
8- إنّ جعل المقصود من قوله: (( الَّذِينَ آمَنُوا )): عموم المسلمين، وبالتالي جعل الحصر المستفاد من (إنّما) خاصّاً بالله ورسوله والمؤمنين جميعاً دون اليهود والنصارى والمنافقين والذين في قلوبهم مرض، ويكون المعنى، كما قال الآلوسي: (( لا تتّخذوا أولئك أولياء؛ لأنّ بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنّما أولياؤكم الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنون فاختصوهم بالمولاة ولا تتخطّوهم إلى الغير... ))، منافٍ ومعارَض بالجملة الحالية في قوله تعالى: (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )), وسيأتي بيانه.

ثانياً: قوله: (( وأفرد الوليّ مع تعدّده ليفيد كما قيل: أنّ الولاية لله تعالى بالأصالة... (إلى قوله? لأنّ الحصر باعتبار أنّه سبحانه الوليّ أصالة وحقيقة، وولاية غيره إنّما هي بالإسناد إليه عزّ شأنه )).
والجواب عليه:
1- انتقل الآلوسي هنا إلى تعليل الإفراد في لفظة (( وَلِيُّكُمُ )) وكأنّه قد فرغ من معناها، في ما حاول الإشارة إليه بأنّها بمعنى الولاية الواردة في آية النهي عن ولاية اليهود، مع أنّه لم يورد لفظاً صريحاً على معناها هنا!
والتحقيق: انّ معنى الولاية في الآية: (الأولى بالأمر)؛ لما ثبت في اللغة من أنّ الوليّ: من كان أولى بالأمر في كلّ شيء، ولا يمكن أن يراد بها هنا: النصرة أو المحبّة؛ لمكان أداة الحصر (إنّما)، فلو كان المراد بها: النصرة والمحبّة لناقض الحصر، لأنّهما ثابتتان لجميع المسلمين، فلا مورد لمجيء (إنّما) هنا، ومن هنا حاولوا تفسير: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) بأنّها تشمل جميع المؤمنين. وسيأتي بيان الخطل في ذلك.
2- إنّ لفظة (( وَلِيُّكُمُ )) جاءت في الآية مفردة، وأثبتها الله لنفسه أوّلاً، ثمّ أثبتها لرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالعطف ثانياً، ثمّ للذين آمنوا الموصوفون بالصفة المذكورة ثالثاً، فدلّ على أنّ ما ثبت للذين آمنوا هو نظير ما ثبت لله ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ المعنى المراد الثابت للجميع واحد، هذا هو الظاهر من اللفظ.
نعم، يثبت من دليلين عقليين: الأوّل: أنّ الولاية لله بالأصالة، والثاني: أنّه لا يجتمع وليّان عرضاً في وقت واحد، أنّ الولاية الثابتة هنا طولية، وأنّها بالأصالة لله، ثمّ لرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ لمن صفته كذا من المؤمنين بالتبع.
3- إنّ إفراد لفظة (( وَلِيُّكُمُ )) فيها إشارة إلى أنّ المراد من (( الَّذِينَ آمَنُوا )) واحد في كلّ عصر، وهذه وسابقتها نكتة بيانية مهمّة يحتاجها بيان المعنى الزائد في الآية.
وأمّا ما نقله من أنّ النكتة في إفراد الولاية هي: لبيان أنّها بالأصالة لله ثمّ للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا بالتبع، ليس على استقامته، إذ أنّ استفادة ذلك، كما قدّمنا، من دليل خارج من الآية، ويتم حتى لو جاءت الولاية بالجمع، مع ما في قوله (( وأفرد الوليّ مع تعدّده )) من مصادرة على المطلوب؛ فإنّ إفراد الوليّ في (( وَلِيُّكُمُ )) يشير إلى أنّه واحد، كما قدمنا، وقوله (( مع تعدّده )) أوّل الكلام! ويحتاج إلى إثبات، كما سيأتي.
ومن هذا يظهر أنّه لا يحتاج إلى تقدير في الكلام، كما نقله عن صاحب (الفرائد)؛ لأنّ المعنى، على ما قدّمنا، تام بدون تقدير، ولكنّهم اضطرّوا إليه لمّا صرفوا المعنى إلى الجميع؛ فلاحظ!
ويظهر أيضاً صحّة المنافاة المدّعاة لو كان التقدير على الجمع - أي: أوليائكم - لأداة الحصر (إنّما)؛ فإنّه لا يظهر من الأداة حصر الولاية في الله أصالة، ثمّ إنّها للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا بالتبع، وإنّما يظهر منها الحصر بالله وبمن عطف عليه، وهو النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا بالتساوي..
نعم، قلنا يظهر من دليل خارج أنّها بالأصالة لله وبالتبع لغيره، فالتقدير اللغوي بأنّ الولاية للجميع ينافي وضع (إنّما) للحصر لغةً؛ فلاحظ!
4- قد تقدّم أنّ الولاية في الآية ثابتة بمعنى واحد للكلّ، وقد ذكر الله في القرآن لنفسه نوعين من الولاية: الولاية التكوينية كما في قوله تعالى: (( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الوَلِيُّ )) (الشورى:9)، وهي عامّة شاملة لولاية النصرة. والولاية التشريعية كما في قوله تعالى: (( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ )) (البقرة:257)..
وأثبت لنبيّه الولاية التشريعية، كما في قوله تعالى: (( النَّبِيُّ أَولَى بِالمُؤمِنِينَ مِن أَنفُسِهِم )) (البقرة:257)، وقوله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤمِنٍ وَلَا مُؤمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أَمرِهِم )) (الأحزاب:6)، وقد مضى عدم صحّة كون الولاية للرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمعنى النصرة.
فبالتالي لو كان المراد من (( الَّذِينَ آمَنُوا )) جميع المؤمنين، كان معنى الولاية الثابتة في حقّهم غير معناها بالنسبة لله؛ إذ لا تخرج الولاية بالنسبة إليهم عن معنى النصرة أو المحبّة وهي غير ولاية الله وولاية رسوله، كما قدّمنا، مع أنّا نلاحظ من السياق إشراك الجميع بالعطف على هذا المعنى الواحد من الولاية، الذي جاء على المفرد، فلو كانت الولاية تثبت للجميع وهي بمعنى آخر لاحتاج إلى أن تذكر ولاية أُخرى في المقام؛ رفعاً للإلتباس، كما قال تعالى: (( قُل أُذُنُ خَيرٍ لَّكُم يُؤمِنُ بِاللّهِ وَيُؤمِنُ لِلمُؤمِنِينَ )) (الأحزاب:36)، فكرر الإيمان وفرقه بين الله تعالى بتعديته بالباء، وبين المؤمنين بتعديته باللام(5).

ثالثاً: قوله: (( ((الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ )) بدل من الموصول الأوّل... إلى قوله: وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى. وقيل: هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة والركوع ركوع الصلاة، والمراد: بيان كمال رغبتهم في الإحسان، ومسارعتهم إليه )).
والجواب عليه:
 1- إنّ إعراب الجملة: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ )) في الآية على أنّها بدل أو صفة لا يؤثّر في الاستدلال، والتعبير عنها في رواياتنا بأنّ الله سبحانه وصفه بكذا(6)، أو قول علمائنا وبعض علماء السُنّة بأنّ الله وصف الذين آمنوا بكذا(7)، قد يراد به النعت المعروف في النحو، وقد يراد به البيان والتفسير، فلا ينافي أن يكون بدلاً(8). وعلى كلّ حال فإنّ المعنى يكون: إنّ الذين آمنوا من صفتهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في حال الركوع.
2- لقد اعترف الآلوسي هنا، منتحلاً كلام الزمخشري(9) أنّ جملة: (( وَهُم رَاكِعُونَ )) حال، ولكنّه قال:
إنّها حال من فاعل الفعلين، أي: من جملة (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ ))، ليصحّ له ما ادّعاه من أنّ الركوع بمعنى: الخشوع، ولكن قوله: (( وَهُم رَاكِعُونَ )) حال للجملة الأقرب، وهي: (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ ))، ولا دليل على أنّها حال للجملتين، فيكون المعنى: ويؤتون الزكاة وهم في حال الركوع، لا كما فعل معظم أسلافه(10)، في محاولة لصرفها عن عليّ(عليه السلام)، بجعل الجملة (( وَهُم رَاكِعُونَ )) معطوفة على الجملة السابقة التي هي صلة الموصول؛ فإنّ الواو هنا حاليّة وليس عاطفة، كما هو ظاهر اللغة العربية، فإنّ المفهوم من قول القائل: (( فلان يغشى إخوانه وهو راكب ))، معنى الحال، أي: أنّه يغشى حال ركوبه، وكذلك لو قال: (( لقيت فلاناً وهو يأكل ))، كان معناه: لقائه حال الأكل.
3- ولكنّه حاول صرفها عن عليّ(عليه السلام) بطريق آخر! بأن قال - كما قاله القوشجي(11) وغيره من قبله -: إنّ المراد من الركوع ليس الركوع المعروف، وهو: الانحناء، وإنّما معناه: الخشوع والتواضع، فيكون المعنى على قولهم: أنّهم يأتون الزكاة وهم خاشعون متواضعون. وهذا خلاف ظاهر اللفظ أيضاً؛ لأنّ المعروف في العربية أنّ الركوع هو التطأطؤ المخصوص والانحناء، وهو معناه حقيقة، وإنّما شبّه به الخضوع والخشوع على نحو المجاز، فقد أنشد لبيد:

أخبر أخبار القرون التي مضت ***** أدب كأنّي كلّما قمت راكع(12)

فالحمل على الحقيقة أولى، ولا يحمل على المجاز إلاّ بقرينة، كما قال الشاعر:

لا تهن الكريم علّك أن تركع ***** يوماً والدهر قد رفعه(13)

فإنّه أراد به: علّك أن تخضع يوماً، بقرينة: لا تهن الكريم والدهر قد رفعه(14).
وقد قال صاحب (العين) الفراهيدي: (( كلّ شيء ينكب لوجهه فيمس ركبته الأرض أو لا يمس بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع ))(15)، وغيرها من أقوال أصحاب اللغة(16).
وكذلك يفهم من الركوع في الحقيقة الشرعية التطأطؤ المخصوص في الصلاة دون التواضع والخشوع، فالحمل على الحقيقة الشرعية أولى من حمله على التواضع والخشوع، كما سلف من أنّه جاء لبيان حال إعطاء الزكاة وهو في الركوع، بل قال الآلوسي نفسه: قوله تعالى: (( وَاركَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ )) (البقرة:43)، إلا أنّ الأصل في إطلاق الشرع: المعاني الشرعية(17)، فليس هناك داعٍ لحمله على خلافها سوى العصبية.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ جعله معنى الركوع هو الخشوع والتواضع ليس له وجه أصلاً، وتضعيفه القول بأنّ معناه الانحناء والتطأطؤ المخصوص بقوله (( قيل )) ليس له وجه أيضاً، بل إنّ الظاهر والدليل مع هذا المعنى الأخير.
وقد دلّت الروايات على أنّ من أتى الزكاة وهو بحال الركوع هو: عليّ(عليه السلام) ليس غيره، كما سيأتي، فما حاول من تفسير هذا القيل بـ(الجمع) بقوله: (( والمراد: بيان كمال رغبتهم في الإحسان، ومسارعتهم إليه )) ليس في محلّه كذلك، وإنّما هو واحد، وهو: عليّ(عليه السلام).
وسيأتي من كلامه الآتي ما يدحض هذه المحاولة للتعميم بعد أن يعترف بأنّ الآية نزلت عندما تصدّق عليّ(عليه السلام) بخاتمه وهو راكع، فروايات النزول تدحض ما حاول نسبته إلى الجمع، فالسائل واحد والتصدّق واحد؛ فلاحظ!

رابعاً: قوله: (( وغالب الأخباريين على أنّها نزلت في عليّ كرّم الله وجهه، فقد أخرج الحاكم... الخ )).
 والجواب عليه:
1- هذا اعتراف منه بنزول الآية بحقّ عليّ(عليه السلام)، وإن حاول التقليل من ذلك بقوله: (( غالب الأخباريين ))، ولم يقرّ، كما قرّ غيره من متكلّميهم بإجماع المفسّرين على نزولها في عليّ(عليه السلام) عندما لم يردّوا على استدلال الشيعة بذلك، كـ:عضد الدين الإيجي (ت 756هـ)، والشريف الجرجاني (ت 812هـ)(18)، وسعد الدين التفتازاني (ت 793هـ)(19)، وعلاء الدين القوشجي (ت 879هـ)(20).
2- إنّه اقتصر على رواية واحدة وهي التي فيها مجيء عبد الله بن سلام إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يذكر الروايات الأُخر الكثيرة، والتي فيها من الصحيح العديد، وكلّها تدلّ على أنّ سبب النزول هو: عليّ(عليه السلام).
ولا نطيل بذكر الأسانيد وتصحيحها، بل إثبات تواترها في أنّ الآية نزلت بحقّ عليّ(عليه السلام)، بل نحيل السائل إلى ما ذكرنا سابقاً في الأجوبة السابقة.
3- ممّا ذكرنا يظهر لك أنّ المعنيّ بـ (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) هو: عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، لا جمع من المؤمنين، ومن عَطفِها على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يثبت له نفس معنى الولاية الثابت له (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو نفس المعنى منها الثابت لله سبحانه وتعالى، ومن الحصر الموجود في الآية بدلالة (إنّما) يثبت أنّها: خاصّة بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام) دون غيرهم، فلا يمكن أن يراد بمعنى الولاية: النصرة أو المحبّة؛ لأنّها عامّة لجميع المؤمنين.
وبالتالي يثبت ما نقله الآلوسي من استدلال الشيعة بهذه الآية على الولاية دون نقاش، إذ قال: (( واستدلّ الشيعة بها على إمامته كرّم الله وجهه... إلى قوله: وهذه نكتة سرية (سارية) تعتبر في كلّ مكان بما يليق به )).
ويسقط كلّ ما حاول الإجابة عليه من طريق أهل السُنّة، كما سيأتي.

خامساً: قوله: (( وقد أجاب أهل السُنّة عن ذلك بوجوه: الأوّل: النقض... الخ )).
والجواب عليه:
1- إنّ هذا الكلام من تقرير استدلال الشيعة إلى آخر ما ذكره منه، والجواب عليه قد أخذه من عبد العزيز الدهلوي في (التحفة الاثني عشرية)(21)، وهو مذكور في (مختصر التحفة الاثني عشرية) لمحمود شكري الآلوسي(22)، ولكن الآلوسي الجد نسبه إلى أهل السُنّة، وأضاف إليه بعض ما يتم الاستدلال من قول الشيعة. وقد أجاب عليه علماؤنا، ومنهم السيّد أمير محمد القزويني في كتابه (الآلوسي والتشيّع)(23).
2- إنّ الدهلوي لم يقرّر دليل الشيعة بصورة تامّة، وهو وإن أخذه ظاهراً من التفتازاني في شرح المقاصد، ولكنّه بتره زيادة على ما بتره التفتازاني! ولك أن تراجع تقرير الشيعة في شرح التجريد للعلامّة الحلّي في (كشف المراد)(24)، أو (الشافي في الإمامة) للسيّد المرتضى(25).
3- إنّ الشيعة يستدلّون على ولاية عليّ(عليه السلام) من هذه الآية بهذا التقرير: إنّ الآية حصرت بظاهر اللفظ الولاية بالله سبحانه وتعالى وعطفت عليه الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا، ولا بدّ من أن يكون (( الَّذِينَ آمَنُوا )) بعض المؤمنين لا كلّهم؛ لوضوح أنّ (( الَّذِينَ آمَنُوا )) غير الذين ذُكروا بضمير (كم) المضاف في (( وَلِيُّكُمُ ))، وإلاّ لأصبح كلّ مؤمن وليّ نفسه، ولبطل الحصر؛ وكان المضاف هو المضاف إليه؛ وهو مستحيل. وإنّ معنى الولاية غير معنى النصرة؛ للحصر المذكور، فإنّ ولاية النصرة شاملة لكلّ المؤمنين، كما في قوله تعالى: (( المُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَـاتُ بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ )) (التوبة:71).
وبعبارة أُخرى: إنّ الله خاطب المؤمنين بأنّ وليّكم ولا وليّ غيره هو: الله سبحانه وتعالى، فدخل في المخاطبين رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ أخرجه بالعطف، فثبتت له الولاية أيضاً، ثمّ عطف الذين آمنوا على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فثبتت لهم الولاية كذلك، ولا يمكن أن يكون الذين آمنوا نفس المخاطبين أوّلاً لما ذكرناه.
ثمّ إنّهم يقولون: أنّه قد ثبت بالإجماع أنّ الصفة المذكورة لـ(( الَّذِينَ آمَنُوا )) وهي (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) قد وقعت بالفعل الخارجي من عليّ(عليه السلام) وحده لا سواه، فثبت أنّ المراد من (( الَّذِينَ آمَنُوا )) هو: عليّ(عليه السلام) لا غيره، بنصّ الروايات وفعل وحال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنقول فيها؛ فإنّه خرج بعد نزول الآية يبحث عن هذا المتصدّق في حال الركوع ولم يكن إلاّ عليّ(عليه السلام).
وإعطاء حكم كلّي والإخبار بمعرف جمعي بلفظ الجمع ولا يكون المصداق الخارجي إلاّ واحد، معروف في اللغة، وهو أبلغ وأتم بياناً للمراد، وهو معروف في آيات القرآن الكريم كذلك، وعليه أكثر من شاهد.
وهم بهذا يستدلّون على أنّ المراد بـ(( الَّذِينَ آمَنُوا )) هو: عليّ(عليه السلام) ممّا وقع في الخارج وليس من ظاهر لفظ الآية، كما هو الظاهر من كلام القاضي عبد الجبّار في (المغني)(26)، ومن تقرير عبد العزيز الدهلوي والآلوسي لدليلهم؛ فلاحظ!
4- أصل هذا النقض كما نقله الأردبيلي ورد عن القوشجي عندما اعترض على اختصاصها بعليّ(عليه السلام)، وقال بأنّها ليست في حقّه؛ للجمع وللحصر، وهم - أي الشيعة - لا يقولون به، أي: لا يقولون بحصر الولاية في عليّ(عليه السلام) فقط دون أولاده(27).
5- إنّ الآية جاءت بالإخبار عن واقع خارجي وليس بالإنشاء لحكم شرعي، فلا يدخل بها كلّ من تصدّق وهو راكع، بعد أن علم بالآية وكان علمه بها دافعه للتصدّق.
وبعبارة أُخرى، كما يقول بعض علمائنا: إنّها جاءت على شكل قضية خارجية محدّدة الموضوع، لا قضية حقيقة مقدّرة الموضوع، كما يذكرون في علم المنطق.
ومن هنا كان فعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما خرج يبحث عن المتصدّق حال الركوع ليبيّنه للمسلمين، وكما هو ظاهر أيضاً من الفعل المضارع (( يُؤتُونَ )) الدال على الوقوع في الحال، فتكون الآية دالّة على ولاية عليّ(عليه السلام) وأولاده(عليهم السلام) بنحو الاختصاص لا التخصيص؛ فلاحظ!
6- إنّ الولاية الحقيقة هي لله سبحانه وتعالى فقط؛ لأنّه الحاكم والمالك الحقّ، وهذا واضح، ولكن ولاية رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) تكون بالطول والتبع والنيابة، فكذلك ولاية الذين آمنوا؛ فإنّ ولايتهم طولية لا عرضية، فولاية عليّ(عليه السلام) ثابتة في زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالطول، أي: إنّ له(عليه السلام) حقّ الطاعة من قبل المؤمنين، ولكن لوجود رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو الأولى بالطاعة، وإن كانت طاعة عليّ(عليه السلام) ثابتة أيضاً، ويدلّ على ذلك قصّة اصطفاء عليّ(عليه السلام) لجارية من سبي اليمن وشكاية بعضهم ذلك للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجوابه بأنّه له من الحقّ أكثر من ذلك.
ومن هنا نقول: إذا كانت ولاية الأئمّة(عليهم السلام) من أولاد عليّ(عليه السلام) ثابتة بالطول وبالنيابة عن ولايته(عليه السلام) ومترتبة عليها في ذاتها وتأتي بعدها في الزمن، فلا يضرّ الحصر فيها، وإنّما يضر الحصر إذا كانت الولاية بالعرض وفي نفس وقت وزمن حياة الوليّ، أو كانت على نحو الشركة أو المعارضة أو سابقة بالزمن، كما يدّعيه أهل السُنّة لخلفائهم..
فإنّ حصر الولاية إذا ثبت لأشخاص بالطول لا يمكن أن يدخل معهم غيرهم بالعرض وفي زمنهم بما هو ثابت من معنى الإمامة، وما يثبته العقل الفطري لها من عدم جواز الشركة وتعدّد الأئمّة في وقت واحد.
فحصر الولاية بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام) يدفع أيّ احتمال لوجود إمام آخر يتخلّل وقته بين رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ(عليه السلام)؛ لأنّه منفي بالحصر، وهو - أي: الحصر - يثبت ولاية عليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بلا فصل، كما يثبت عدم ولاية غيره معه.
7- من هنا يتّضح: أنّ الحصر لو كان حقيقياً فهو لا يضرّ بإمامة الأئمّة(عليهم السلام)؛ لوجوه:
أ - ما ذكرناه من أنّ ولايتهم (عليهم السلام) مترتّبة طولاً.
ب - لوجود أدلّة أُخرى على إمامتهم (عليهم السلام) بعد أبيهم (عليه السلام) بالترتيب زمناً.
ج - لما تبيّن من أنّ الآية سيقت مساق الإخبار لا التشريع، فهي تدلّ على ولايتهم (عليهم السلام) بالاختصاص لا بالتخصيص.
د - إنّ لفظ الجمع عند ذلك يشملهم ولا يعارضه اختصاص أمير المؤمنين(عليه السلام) بالتصدّق حال الركوع في وقته، وثبوت ذلك الفعل الخارجي منه بالروايات؛ لأنّ حصر واختصاص الولاية به(عليه السلام) عند ذلك يكون بما وقع خارجاً وما أشار إليه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا بما دلّ عليه اللفظ.
و -. وجود الروايات عندنا بأنّ الأئمّة(عليهم السلام) كلّهم يتصدّقون حال الركوع عندما يصلون إلى حدّ الإمامة.

وكذلك لا يضرّ لو كان الحصر إضافياً؛ لوجوه:
أ - إنّه حصر إضافي لما يحتمل أن يقع فيه الترديد بالإضافة إلى الثلاثة الذين تقدّموا عليه.
ب - يصحّ الحصر عند ذلك في زمن حياة عليّ(عليه السلام) فقط، كما ثبت من معنى الولاية عرفاً وعقلاً، واستحالة عدم وجودها وتعدّدها على طول الزمان إلى يوم القيامة.
ج - كذلك يصحّ الحصر في تلك الصفات (( وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) في الحال والآن أو في زمن حياته؛ لموقع الفعل المضارع (يؤتون) الدال على الحال.
د - بل لعلّ الحصر لا بدّ أن يكون إضافياً، إمّا لقصر الأفراد، أو القلب، أو التعيين، لما هو مركوز في العقول من عدم خلو الأرض من إمام إلى يوم القيامة، وكذلك وجود أئمّة سبقوا نبوة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من زمن آدم(عليه السلام) لم يتصدّقوا حال الركوع.
ولكن الحصر سواءً كان إضافياً أم حقيقياً فهو ينفي إمامة الثلاثة المتقدّمين، وهذا كاف في الاستدلال.
8- إنّ بعض علمائنا عندما يقولون: أنّ الحصر إضافي، يريدون به أنّه حصر إضافي لمن كان في زمن حياة عليّ(عليه السلام)، ولمن يدّعي أنّ له الولاية والإمامة مقابله بالعرض، مقابل قول العامّة: أنّه حصر إضافة لولايته في وقت من الأوقات لا على التعيين، حتى يصدق على الوقت الذي تولّى فيه خلافة المسلمين بعد عثمان، ولكن هذا القول ينافي حصر الولاية في الآية بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن تصدّق وهو راكع، وهو: عليّ(عليه السلام)، وترتّب هذه الولاية بالطول، وهو واضح؛ إذ سوف يدخل بالولاية من هو خارج الحصر؛ فلاحظ!
كما أنّ ولاية السبطين(عليهما السلام) في حياته لا تعارض ولايته؛ لما قلنا من أنّ الولاية طولية، كما أنّ ولايته(عليه السلام) لا تعارض ولاية رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل إنّ ولاية رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا تعارض ولاية الله تعالى.
9- أمّا أنّه(عليه السلام) سوف يلزمه النقص حال ولاية الثلاثة، فهو واضح؛ لأنّ ولايتهم ستكون عرضية ومعارضة لولايته، وأمّا أنّه(عليه السلام) لا يلزمه النقص بولاية سبطيه(عليهما السلام)؛ فلأنّ ولايتهما(عليهما السلام) طولية نابعة من ولايته(عليه السلام).
ثمّ إنّ هذا المعنى غير خارج من الآية بل هو داخل في معنى الولاية وطوليتها؛ لأنّ حصر الولاية بالثلاثة (الله ورسوله والذين آمنوا) يفهم منه معارضة ولاية غيرهم معهم بالعرض، ولا يعارض ولاية من يتبعهم بالطول والنيابة. ثمّ إنّ ولاية أولاده نابعة من ولايته(عليه السلام)، فكيف يكون فيها نقص عليه؟!
وهل ولاية وليّ العهد لأيّ ملك في زمن حياة الملك نقص عليه؟! ما هذا إلاّ توهم جاهل!!

سادساً: قوله: (( الثاني: إنّا لا نسلّم الإجماع على نزولها في الأمير... )).
والجواب عليه:
1- إنّ نفي الإجماع على نزولها في عليّ(عليه السلام) دفعاً بالصدور، وهو من الجحود والتعصّب الأعمى بدون دليل، كيف وقد أقرّ متكلّميكم بذلك، كما مرّ آنفاً، ولم يردوه على الشيعة!!
ثمّ كيف يكون الإجماع إذاً؟! بعد ذكر المفسّرين والمحدّثين والمتكلّمين له، ووصول العديد من الروايات الصحيحة في ذلك، إضافة للضعيفة المرسلة, هذا عندهم، فضلاً عن إجماع الشيعة من أوّلهم إلى آخرهم على ذلك.
وقد مرّ تفصيل ذلك في الإجابة على الأسئلة السابقة؛ فليراجع!
2- أمّا لجوءهم إلى الرواية عن أئمّتنا(عليهم السلام) بطرقهم بما يناقض ما قلناه متواتراً عنهم(عليهم السلام)، فهذا ممّا يضحك الثكلى، ويقتضي العجب! وهماً منهم أنّهم سوف يسكتوننا بذلك!
كيف وقد روينا عن الباقر(عليه السلام) بعدّة طرق أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام)؟!
ففي (الكافي): عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: (أمر الله عزّ وجلّ رسوله بولاية عليّ وأنزل عليه: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))... الرواية(28).
وروى الصدوق في (الأمالي) عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام).
والفتّال النيسابوري في رواية حجّة الوداع، والعيّاشي في تفسيره، والقمّي في تفسيره، وفرات في تفسيره، وغيرهم كثير، كلّهم عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام)(29).
بل روينا عن الباقر(عليه السلام) أنّها نزلت فيهم(عليهم السلام)، وأنّهم المؤمنون المعنيون في الآية؛ ففي (الكافي): عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: فسألته عن قول الله عزّ وجلّ: (( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ )) (الأعراف:160)؟
قال: (إنّ الله تعالى أعظم وأعزّ وأجلّ وأمنع من أن يظلم، ولكنّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته؛ حيث يقول: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا )), يعني الأئمّة منّا)(30)..
ومثلها العديد من الروايات.
ومنها يتوضّح المراد في الرواية التي رواها عبد الملك عنه(عليه السلام) - لو صحّت - ونقلها الطبري في تفسيره: (( قال: سألته عن هذه الآية: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )), قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا. قلنا: بلغنا أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب. قال: عليّ من الذين آمنوا ))(31)؛ فإنّ الإمام(عليه السلام) هنا يريد: الذين آمنوا حقّاً، وهم الأئمّة(عليهم السلام)، والإمام عليّ(عليه السلام) أوّلهم، فيطابق ما نقله الشيعة في ذلك.
بل نقل القاضي النعمان في (شرح الأخبار): عن أبي جعفر(عليه السلام)، أنّه سئل عن قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))؟ فقال: (إيّانا عنى بالذين آمنوا ها هنا، وعليّ(عليه السلام) أوّلنا وأفضلنا)(32)، وهذا هو الصحيح من الرواية.
ولكن انظر كم اختلفوا في نقل نصّ هذه الرواية نفسها عن عبد الملك!! فمرّة المؤمنون، وأُخرى المسلمون، وأُخرى المهاجرون والأنصار، مع أنّ السند واحد!!
3- وأعجب من ذلك ما نقلوه عن عكرمة الكذّاب الخارجي أنّها نزلت في أبي بكر(33)!!! بل العجب ممن يصدّق ذلك ويذكرها في كتابه!! بل يقول: (( وروى جمع من المفسّرين ))(34)، حتى يغطّي على انفراد عكرمة بالوضع فينسبها إلى جمع من المفسّرين!
وهناك من ذكر نزولها في حقّ عبادة بن الصامت(35)، وهذا خبر واحد لا يعارض المجمع عليه، فلا يلتفت إليه، ومع ذلك فالرواية غير معارضة لنزولها في عليّ(عليه السلام)؛ لأنّ عبادة في الرواية تبرّأ من موالاة اليهود، فأخبر الله بأنّ الولاية المرضية عند الله هي المحصورة بالله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا، فأخبر عبادة بأوليائه بدل اليهود.

سابعاً: قوله: (( الثالث: انّا لا نسلّم أنّ المراد بالوليّ: المتولي للأمور... الخ )).
والجواب عليه:
1- الظاهر منه أنّه يسلّم أنّ لفظة (الوليّ) تأتي بمعنى: الأولى بالأمر، ومستحقّ الطاعة، والمتصرّف بالأمور، ولكنّه ينكر إرادة هذا المعنى في الآية، ولذا قال: أنّ المراد بالوليّ: الناصر، وإن كان ينكر هذا المعنى من أصل، فبيننا وبينه أهل اللغة، حكى الأخطل عن أبي العبّاس المبرّد أنّه قال: (( الوليّ هو: الأحقّ والأولى، ومثله: المولى ))(36)، فجعل الألفاظ الثلاثة بمعنى واحد. ولا نطيل أكثر من هذا.
وأمّا أنّ المراد بالآية معنى: الأحقّ والأولى؛ وذلك لمقام الحصر بـ(إنّما)؛ فإنّها حصرت هذه الولاية بالمذكورين ونفتها عن غيرهم، وقد مرّ استدلالنا على أنّ المراد من (( الَّذِينَ آمَنُوا )) هو: عليّ(عليه السلام)؛ لمقام الحال من التصدّق أثناء الركوع، ولم يثبت لغيره، ولأنّ ولاية النصرة عامّة لجميع المؤمنين.
كذلك أنّها نسبت الولاية لله وهو مالك الكلّ، وللرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الحاكم غير المنازع، فكذلك من عُطف عليه، وهذا هو قضية الظاهر من قولهم: (( فلان وليّ المرأة ))، أي: الأحقّ بالتصرّف، (( وفلان وليّ عهد الملك )) أي واجب الطاعة بعده، فإنّ الوليّ بما أنّه نسب إلى المرأة أو إلى وليّ العهد فهم منه معنى الأحقّ بالتصرّف، فكذلك عندما ينسب إلى الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فإنّ الولاية لهما ولاية مخصوصة ونصرة خاصّة، لا كمثل نصرة المؤمنين بعضهم لبعض.
2- قال الشهيد نور الله التستري في (الصوارم المهرقة) في الردّ على ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة): (( والحاصل: أنّه إن أريد بالوليّ: الناصر، وبالذين آمنوا: جماعة من المؤمنين الذين يمكن اتّصافهم بالنصرة، فيستقيم الحصر حينئذٍ، لكن لا يستقيم الوصف بإيتاء الزكاة حال الركوع. وإن أريد به: الناصر، وبالذين آمنوا: عليّ(عليه السلام)، يبطل الحصر. وإن أريد به: الأولى بالتصرّف، وبهم: عليّ(عليه السلام)، يستقيم الحصر والوصف معاً ))(37).
3- أمّا قوله: (( لأنّ الكلام في تقوية قلوب المؤمنين ))، فهو رجوع إلى الاستدلال بقرينية السياق، وقد أجبناه سابقاً وسيأتي.
ولكن نقول: إنّ الإحتياج إلى القرينة يأتي في ما لو احتمل الظاهر معنيين يحدّد أحدهما بالقرينة، لا بأن يكون المعنى مع القرينة خطأ ومنافٍ للاستعمال اللغوي، كما هو مراده لمنافاته للحصر بـ(إنّما) في الآية.
وأمّا قرينية السياق المدّعاة، فإنّه لم يستدلّ بالآية الأولى، وهي: (( لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء بَعضُهُم أَولِيَاء بَعضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُم فَإِنَّهُ مِنهُم إِنَّ اللّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ )) (المائدة:57)، إذ لعلّه تنبّه إلى بعدها عن الآية مورد الاستدلال - كما ذكرنا سابقاً - ولكنّه استدلّ بقرينية آية الارتداد، وهي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِ فَسَوفَ يَأتِي اللّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَومَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضلُ اللّهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) (المائدة:51)..
وظاهرها أنّها تتحدّث عن أمر سيقع في المستقبل بقرينة قوله: (فسوف يأتي الله)، وفيها من التهديد والإنذار ما لا يخفى! وليس لتقوية قلوب المؤمنين، فإنّها تتحدث عن ملحمة ستأتي لاحقاً، وإنّ الارتداد سيقع في هذه الأمّة، وإنّ من يقوّمه وينصر دين الله موصوف بأوصاف ذكرها الله في الآية، كلّها تنطبق على عليّ(عليه السلام)، ومن الروايات ما يؤيّد ذلك، فهي أولى في قرينيتها على أنّ المراد بالولاية في الآية اللاحقة لها: ولاية الإمامة، لا ولاية المحبّة والنصرة.
وقد روي عن عليّ(عليه السلام) أنّها نازلة فيه ومن معه عندما قاتل الناكثين(38).
وهل هناك دليل أدلّ على الارتداد من إنكار ولاية الله المفروضة على المؤمنين لعليّ(عليه السلام)؟
أمّا الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: (( وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ )) (المائدة:56)، فهي أوضح على ما قلناه؛ لأنّ فيها ذكر الحزب والجماعة، وذلك يستدعي وجود القيادة والإمامة، ولعلّ هذا الأمر هو الذي أدّى بالآلوسي إلى إغفالها!
4- وأمّا الآية اللاحقة، وهي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُم هُزُواً وَلَعِباً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَالكُفَّارَ أَولِيَاء وَاتَّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤمِنِينَ )) (المائدة:57)، فهي كلام مستأنف لا علاقة له بما قبله من الآيتين، فيها نهي عن ولاية ومحبّة المستهزئين بالدين؛ لأنّ المستهزئين كأن لا دين لهم، وهي منسجمة في السياق مع ما بعدها من آيات لا مع ما قبلها.
كما لا علاقة لها بالآيات السابقة، وهي قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَولِيَاء... )) إلى آخر الآيات؛ لأنّها تخاطب المؤمنين وتنهاهم عن موالاة اليهود والنصارى، أمّا هذه الآية وما بعدها فهي تنهى عن ولايتهم، وتتعرّض لحالهم وأفعالهم وسلوكهم مع المؤمنين، حتى أنّ الله عزّ وجلّ أضاف الكفّار هنا بخلاف الآيات السابقة.
ولك أن تلاحظ وجود الحصر في الآية مورد الاستدلال دون ما ادّعي من اتّحادها مع الآيات التي قبلها والآيات التي بعدها، وهذا يدلّ على أنّ معنى الولاية المحصور هنا غير معنى الولاية المطلق هناك.
وعليه فلم يدّع أحد أنّ الولاية في الآية المذكورة اللاحقة هي ولاية الإمامة، حتى يقول الآلوسي أنّها آبية عن حملها على الوليّ لمن أنصف نفسه، مع أنّ استدلاله لا يتم إلاّ بالقول باتّحاد السياق في الكلّ حتى تكون الولاية بمعنى واحد، وهذه دعوى لا دليل عليها، وهي مصادرة على المطلوب.

ثامناً: قوله: (( وكلمة (إنّما) المفيدة للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضاً لأنّ الحصر يكون في ما يحتمل اعتقاد الشركة... )) الخ.
والجواب عليه:
1- إنّ هذه الشبهة ذكرها التفتازاني في (جامع المقاصد)(39)، والقوشجي في (شرح التجريد)(40) وتبعهما غيرهما عليها، منهم هذا الآلوسي، وقد أجاب القاضي نور الله التستري في (إحقاق الحقّ)(41) على ما أورده التفتازاني، ولكن أين المنصف؟
2- إنّ هذه الآية المذكورة نزلت أواخر حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي بعض الروايات نزلت قبل حجّة الوداع، ومن ثمّ يتّضح وجود النزاع والتطلّع إلى الإمامة في ذلك الوقت من قبل المعنيين، والأخبار في ذلك كثيرة، وهي دالّة على اتّفاق المنافقين على صرفها عن عليّ(عليه السلام) لمّا أشار إليه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كثيراً من أوّل البعثة إلى آخرها.
3- إنّ وجوب وقوع التردد في الحصر هو في الحصر الإضافي لا الحقيقي، وقد قدمنا صحّة حمل الحصر في الآية على الحقيقي والإضافي.
ومن هنا يظهر تحقّق حمل الولاية على الإمامة، لا النصرة والمحبّة، ويدلّ عليه مجيء الحصر في هذه الآية لا في الآيات التي قبلها، ولا يصحّ إلاّ لإفادة معنىً جديداً لم يذكر سابقاً، وإلاّ أدّى إلى التكرار، وقد نهي عن ولاية اليهود والنصارى سابقاً.
4- إنّ علم الله تعالى بوقوع الخلاف يكفي في ورود الحصر وصحّته، وقد ذكرنا سابقاً بأنّه يمكن حمل الحصر على الحصر الإضافي بأقسامه من حصر الأفراد والقلب أو التعيين.

تاسعاً: قوله: (( الرابع: أنّه لو سلّم أنّ المراد ما ذكروه، فلفظ الجمع عام... )) الخ.
والجواب عليه:
1- هذه أيضاً ذكرها القاضي عبد الجبّار في (المغني)(42) وتبعه عليه أكثرهم، وأجاب عليها علماؤنا بالتفصيل.
2- بعد وقوع الإجماع على أنّها نزلت بحقّ عليّ(عليه السلام)، وأنّه المراد من (( الَّذِينَ آمَنُوا ))؛ لأنّه المتصدّق حال الركوع لا غير، لا مجال للاستدلال بظهور اللفظ في العموم؛ فأين الإرادة من الدلالة؟ وقد ذكرنا سابقاً أنّ الآية جاءت للإخبار لا للإنشاء، فهي ليست قضية حقيقية، بل خارجية شخصية.
3- إنّ صحّة ورود الحكم العام، أو المعرّف الجمعي الذي لا يكون له إلاّ مصداق واحد في الخارج، معروف في الاستعمال القرآني، وله شواهد كثيرة، منها: قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاء )) (الممتحنة:1)، والمراد منها: واحد، وهو: حاطب بن أبي بلتعة(43).
ومنها: قوله تعالى في نفس الآيات مورد البحث: (( يَقُولُونَ نَخشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ )) (المائدة:52)؛ فإنّهم قالوا: أنّ المراد منها: عبد الله بن أُبيّ(44).
على أنّ مجيء لفظ الجمع وإرادة الواحد منه كثير في الاستعمال، بل قال المرتضى(رضي الله عنه): أنّه أصبح حقيقة شرعية في الواحد المعظّم، كقوله تعالى: (( أَنَّا أَرسَلنَا )) (مريم:83)، و (( لَقَد أَرسَلنَا )) (الأعراف:59)، وغيرها من الآيات(45).
4- وقوله: (( والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب )) صحيح، ولكن في حال الإنشاء لحكم لا الإخبار عن واقع خارجي، كما قدّمنا سابقاً، مع ما قلنا من أنّ الإجماع وقع بأنّ المراد هو: عليّ(عليه السلام) في وقته، مع صحّة حمل الجمع على إرادة أئمّتنا(عليهم السلام)؛ لورود الروايات بتحقّق التصدّق منهم(عليهم السلام)، ولم ترد بوقوعه من غيرهم المدّعى لهم الإمامة، وإنّ الحصر ينفي ولاية من تقدّمه لا من لحقه من أولاده، كما مرّ.
5- إنّ الضرورة قاضية بحمل العام هنا على الخاص؛ وذلك لورود الحصر والصفة الخاصّة بالتصدّق أثناء الركوع، ولم يكن غيره (عليه السلام) في زمنه، وحمل الركوع على غير معناه المتبادر المعروف تمحّل، سوف يأتي الجواب عنه.
6- قد ذكروا وجود النكتة لورود لفظ الجمع مع أنّ المراد واحد، وهي، كما قال الزمخشري: لترغيب الناس على الفعل(46)، وكما قال الطبرسي في (مجمع البيان): للتعظيم(47)، وكما قال شرف الدين في (المراجعات): بأنّ الناس لم يكونوا يتحمّلون التصريح باسم عليّ(عليه السلام) في ذلك الوقت(48).
ثمّ إنّا نلتزم بثبوت الولاية لبعض المؤمنين، وهم المعنيّون بالعموم من ألفاظ الجمع، ولكنّهم موصوفون بوصف خاص، وهو: التصدّق حال الركوع، وهو لم يثبت إلاّ لعليّ(عليه السلام)، فاختصّت الآية به (عليه السلام) في وقته، واختصّت بكلّ إمام في وقته؛ لما ورد عندنا أنّهم (عليهم السلام) يتصدّقون حال الركوع عند بلوغهم حدّ الإمامة، وهذا غير حمل الآية على عموم المسلمين؛ فإنّ ظاهر الحصر واختلاف المضاف والمضاف إليه في (( وَلِيُّكُمُ )) يمنعه.

عاشراً: قوله: (( فإن قالوا: الضرورة متحقّقة هاهنا إذ التصدّق على السائل... )) الخ.
والجواب عليه:
1- كيف يجوز أن يكون المراد من الركوع: التخشع والتذلّل، بعد ورود الروايات والإجماع على تصدّق عليّ(عليه السلام) حال كونه راكعاً؟
وإنّ الآية نزلت فيه (عليه السلام)، ونصّ الروايات بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرج يبحث عن المتصدّق، وسأل السائل عن حاله حال إعطاءه الخاتم، فهل بعد فهم الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأصحابه يلتفت إلى ما يحتمله هؤلاء المتشدّقين؟!
وهل هذا إلاّ تنطّع وصقاعة؟!
الوقوع أدلّ دليل على المراد.
والعجب من هذا الآلوسي بعد أن نقل عن ابن عبّاس رواية ابن سلام، وفيها نصّ على التصدّق حال الركوع، يأتي ويقول أنّ المراد من الركوع: هو الخشوع والتذلّل، فهل رأيت تهافت ودفع للحقّ أكثر من هذا؟!!
2- لقد أجبنا على هذا القول من أنّ المراد بالركوع الخشوع: في ما مضى تحت (ثالثاً)؛ فراجع!
ومجمله: أنّ الركوع معناه: الانحناء والتطأطؤ، كما نصّ أهل اللغة، وحمله على الخشوع والخضوع مجاز، ولا يحمل على المجاز إلاّ بقرينة، كما في الأمثلة التي أوردها هو رغم عدم صحّتها، ولكن المناقشة في الأمثلة ليس من دأب المحصلين.
وعليه فإنّ معنى الركوع في اللغة والشرع معاً هو: الانحناء والتطأطؤ المعروف في الصلاة، فما يوحي به الآلوسي في عبارته من أنّه معنى شرعي لا لغوي غلط ووهم متعمد منه!
وفهم العرف والشيعة منه على أنّه الانحناء، مطابق لمعناه اللغوي والشرعي، لا أخذاً بالمعنى الشرعي مقابل اللغوي كما يريد أن يوهم القارئ؛ فلاحظ!
3- إنّا نحمل الزكاة على معناها اللغوي أيضاً؛ إذ الزكاة هي: إعطاء المال لوجه الله من أجل نيل الثواب، ثمّ انتقل معناها إلى المعنى الشرعي الشامل للواجب والمستحب، فأصبحت مشتركة في المعنيين، فهي قبل الشرع تشمل الصدقة لغة، كما قال تعالى: (( وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ )) (الأنبياء:73). فإنّه لم يكن هناك زكاة قبل الإسلام، وقوله تعالى: (( قَد أَفلَحَ مَن تَزَكَّى )) (الأعلى:14), وغيرها من الآيات.
ثمّ إن قلنا: أنّ المعنى الشرعي هو المراد، وأنّه مشترك بين الواجب والمندوب فهو، وإلاّ حُمل على المندوب بقرينة الروايات المجمع عليها التي تنصّ على أنّه (عليه السلام) أعطى الصدقة.
قال الجصّاص في (أحكام القرآن): (( نظير قوله تعالى: (( وَمَا آتَيتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضعِفُونَ )) (الروم:39)، قد انتظم صدقة الفرض والنفل فصار اسم الزكاة يتناول الفرض والنفل، كاسم الصدقة وكاسم الصلاة ينتظم الأمرين ))(49).
4- أمّا ما قاله من الأبعدية، فإن كان المراد منه استبعاد تصدّق عليّ(عليه السلام) أثناء الركوع، فهذا تكذّبه الروايات، وإن كان الاستبعاد من جهة أنّ هذا الفعل من الصدقة في الركوع لا يسمّى زكاة، فقد أجبنا عليه آنفاً. ومن هنا لم نفهم من هذه الأبعدية شيئاً سوى أنّها موجودة في رأس الآلوسي.
5- أمّا ما نقله عن بعض أهل السُنّة، وهو الدهلوي في (التحفة الاثني عشرية)(50)، من أنّ: حمل الركوع على معناه الشرعي يوجب قصوراً بيّناً في مفهوم (( يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ))، إن كان يريد منه قصوراً في مفهوم الصلاة المركبة من أجزاء وشرائط، فقد نصّ الفقهاء على عدم الخدشة في ذلك بالفعل القليل، وإن كان يريد قصوراً في مفهوم الصلاة الكاملة والمنقطعة التوجّه إلى الله، فإنّ نصّ القرآن على مدح ذلك ونصّ الروايات وفقه أمير المؤمنين(عليه السلام) المعروف عنه يردّ ذلك، كما أنّ فعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحمل أُمامة، وحكّه للنخامة من على جدار المسجد في صلاته يردّ ذلك.
هذا كلّه لو سلّمنا أصل المدّعى، ولا نسلّم! وهو كون دخول عبادة في ضمن عبادة على هذا الشكل قصوراً، بل هو منتهى الانقطاع والكمال، ومصداق للأمر بالمسارعة للخيارات الواردة في القرآن. مع أنّ الآلوسي نفسه نقل الجواب عليه عن ابن الجوزي!

الحادي عشر: قوله: (( وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي عن أصل الاستدلال بأنّ الدليل قائم في غير محلّ النزاع... )) الخ.
 والجواب عليه:
1- الحمد لله لاعتراف الشيخ الكردي بدلالة الآية على الولاية العامّة، بعد أن كانوا يصرّون على أنّها بمعنى النصرة!
 2- إنّ هذه الشبهة ذكرها القاضي عبد الجبّار في (المغني)(51)، ثمّ أخذها من جاء بعده كالفخر الرازي(52)، وبعضهم اقتصر على إيراد المقدّمة الأولى؛ لظهور ضعف الثانية، كالإيجي في (شرح المواقف)(53)، والتفتازاني في (شرح المقاصد)(54)، وقد أجاب عليها علماؤنا بالتفصيل.
3- ثمّ كيف أنّ الآية ليست في محلّ النزاع؟! وقضية الحصر أن لا وليّ غير الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة وهم راكعون، وهو عليّ(عليه السلام) في زمنه، فلا مشاركة لأحد في الولاية لغير المذكورين في الآية، ولو كان أحد غيره وليّاً بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لانتقض الحصر وأصبح واضحاً كونه لغواً في الآية.
4- لقد ذكرنا سابقاً أنّ ولايته (عليه السلام) ولاية بالطول لا بالعرض، كما كانت ولاية هارون مع موسى(عليهما السلام)، فإذا غاب من له حقّ التصرّف الفعلي، انتقل مباشرة لمن ثبت له التصرّف بعده مباشرة، ولا يدخل أحد بينهما في البين.
وربما مُثّل لذلك بالوصي حال حياة الموصي، وبوليّ العهد حال حياة القائم بالأمر والملك.
5- قد ذكرنا سابقاً أنّ معنى الولاية هي: ثبوت حقّ الطاعة وحقّ التصرّف، وهي ثابتة له (عليه السلام) في زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بدليل قصّة الجارية التي اصطفاها من سبي اليمن، وإنّما كان يمنع من استقلاله (عليه السلام) بها حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا مات انتقلت له (عليه السلام) بالمباشرة.
مع أنّ الآية صريحة في ثبوت الولاية في الحال، ولكن انعقد الإجماع أنّها معلقة له (عليه السلام) حال حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا ذهب(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا إجماع وتثبت له (عليه السلام) مباشرة.
وهذا أقلّ ما يثبت بالآية، وإلاّ فقصّة الجارية تثبت له (عليه السلام) حقّ التصرّف والطاعة مع حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا لم يكن حاضراً، ومتأخّراً عنه إذا كان حاضراً، بل لعلّه لمكانة العصمة منه(عليه السلام) كان لا يصدر منه خلاف لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإن ثبت له حقّ الطاعة والتصرّف معه.
ودلالة حديث المنزلة يثبت له(عليه السلام) ما ثبت لهارون من موسى(عليه السلام)، وقد قال الله تعالى: (( وَاجعَل لِي وَزِيراً مِن أَهلِي * هَارُونَ أَخِي * اشدُد بِهِ أَزرِي * وَأَشرِكهُ فِي أَمرِي )) (طه:29-32)، وهي واضحة في الشراكة.
ومن هنا تعرف أنّ ما نسبه إلى الإمامية من أنّهم لا يقولون أنّها مرادة زمن الخطاب؛ لأنّ ذلك عهد النبوّة، هو زعم في زعم، وعدم فهم لقولهم بالطولية والنيابة! فإنّ حقّ الولاية والتصرّف والطاعة يثبت، ولكنّه على أقلّ الأحوال موقوف إلى زمن الانفراد، واستقلاله في زمن حياته، نعم، ربّما نقول تنزلاً أنّ فعليتها لا تتم إلاّ بعد انتقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الحياة الدنيا، ولكنّا نعتقد ثبوت الولاية الطولية حتى في البرزخ.
6- لو سلّمنا من أنّ زمن الخطاب غير مراد بخصوصه(عليه السلام)، ولكنّه يثبت له(عليه السلام) في أوّل آن بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمقتضى ظاهر الآية والحصر الذي فيها، فكيف دخل الأغيار في البين، ومن أين لهم ذلك النقض على الآية؟
7- إنّ قضية العطف في الآية تثبت للمعطوف النفس ما للمعطوف عليه، وولاية الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثابتة في كلّ الأحوال، فكذلك ولايته(عليه السلام)، وبما أنّ الدليل قام على عدم ثبوتها له(عليه السلام) بالعرض مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بل الطول، ثبتت له بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة.
بل إنّ ولايته(عليه السلام) ثابتة على الدوام؛ لأسمية الجملة، إنّ كلمة الوليّ صفة مشبهة، وهما دالّتان على الدوام والثبات؛ فيثبت كونه وليّاً للمسلمين دائماً وإن تسلّط غيره على رقابهم.

الثاني عشر: قوله: (( ومن العجائب أنّ صاحب أظهار الحقّ... )) الخ.
 والجواب عليه:
1- ليس غاية صاحب (إظهار الحقّ) تصحيح الاستدلال؛ فإنّ الاستدلال، كما مضى آنفاً، تام لا خدشة فيه، وإنّما غرضه إلزام المخالفين، حتى على قولهم بأنّ المراد من الولاية في الآية: المحبّة.
2- إنّ ما نقله الآلوسي مترجماً من (التحفة الاثني عشرية) لم ينقله بالكامل، بل لم ينقله بالدقّة والضبط! ولذا فإنّ فيه اختصاراً وبعض الأخطاء، ونحن سنحاول أن نجيب على ما نعتقد أنّه مراده بالمقارنة بين (تفسير روح المعاني) و(التحفة الاثني عشرية).
3- على التسليم بأنّ المراد بالولاية في الآية هي: المحبّة، فهي قطعاً ليست المحبّة الواقعة بين كلّ المؤمنين، كما في الآية: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ )) (التوبة:71), وذلك لوجهين:
أ - مقام الحصر، والتعاطف بين الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذين آمنوا، فإنّ الحصر لا يصحّ إلاّ بالتغاير بين هذه المحبّة وتلك، كما أنّ محبّة الله مطلقة غير مقيّدة فالمعطوف عليها كذلك؛ إذ لم يذكر القيد، ولا توجد قرينة على ذلك، ومحبّة المؤمنين لبعضهم ليست مطلقة.
ب - لو أخذنا بمعنى المحبّة في الآيتين وجمعنا بينهما، نجد كأنّ آية (ولاية الله ورسوله والذين آمنوا) ناظرة إلى آية (ولاية المؤمنين)، فكما في الآية الأولى ادّعاء وتنزيل بأنّ ولاية المؤمنين، أي: محبّتهم العامّة، في الآية الثانية كـ(لا محبّة) أو ليست محبّة كاملة حقيقية، بل هي ظاهرية، وذلك لمقام (إنّما) في الآية الأولى، ويكون التقدير كقولنا: (( إنّ المؤمنين والمؤمنات يحبّون بعضهم بعضاً، إنّما (ولكنّ) المحبّة لله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ))، ولا بدّ لهذا الادّعاء والتنزيل من نكتة أو إضافة معنى في هذه المحبّة فوق معنى تلك المحبّة العامّة، وهي ليست إلاّ هذه المحبّة محبّة مطلقة غير مقيّدة بقيد ولا شرط. وهذا هو قولنا.
4- والمحبّة المطلقة دون قيد وشرط وجهة، أي: من جميع الجهات الثابتة في الآية على فرض لا يمكن أن تتحقّق إلاّ بمعرفة مصاديقها فرداً فرداً ومن جميع الجهات، حتى لا يمكن معاداتهم من أي جهة، على عكس المحبّة العامّة من جهة الإيمان، لأنّها منصبّة على العنوان وترجع إلى محبّة إيمانهم؛ وبالتالي يصحّ معاداة بعض أفراد المؤمنين من جهة أُخرى، كالخصومة مثلاً.
إذاً المحبّة المطلقة لا يمكن أن يراد بها جميع المؤمنين؛ لاستحالة معرفتهم كلّهم من جميع جهاتهم، ولا بدّ أن يكون المعني بها البعض الموصوف بالصفات المذكورة في الآية، وهذه الصفات لم يتصف بها كلّ المؤمنين قطعاً، فضلاً من عدم إمكان معرفة تحقّقها فيهم، وهي لم تثبت لأحد سوى لعليّ(عليه السلام)، فكان هو المراد.
5- وإذا ثبت وجوب المحبّة المطلقة، ثبت وجوب الطاعة والاتّباع، لقوله تعالى: (( قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللّهُ )) (آل عمران:31)، وهي كبرى القياس في القضية، وصغرى القياس ما ثبت في النقطة السابقة من الآية مورد البحث من ثبوت المحبّة المطلقة لعليّ(عليه السلام)، كما هي ثابتة لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وإذا ثبتت له(عليه السلام) الطاعة مطلقاً، ثبتت له(عليه السلام) الإمامة والعصمة. وهذا الاستدلال شبيه باستدلال الإمامية بآية المودّة.
6- إنّ ما قاله صاحب (إظهار الحقّ) يرجع إلى هذا الدليل، وإن لم يفهمه صاحب (التحفة الاثني عشرية)، ولا صاحب (مختصر التحفة)، ولا صاحب (روح المعاني)..
إذ مراد صاحب (إظهار الحقّ) من قوله: (( إنّ الأمر بمحبّة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يكون بطريق الوجوب لا محالة ))، هو ما ذكرناه من وجوب المحبّة مطلقاً لا مقيّدة بجهة من الجهات، وهي التي تستلزم وجوب الطاعة والعصمة، ومعنى أنّها واجبة مطلقاً، أي: واجبة دائماً، وفي كلّ الأوقات، وليست بسبب جهة من الجهات، فهي محبّة مساوية لمحبّة ذواتهم، بل هي محبّة لذواتهم؛ لما ثبت من أنّ ذواتهم طاهرة.
ودليله على كونها واجبة: عدم صحّة إرادة معنيين في كلام ذو سياق واحد؛ اذ لا يمكن الحكم بأنّ محبّة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجبة، وحكم محبّة الذين يتصدّقون حال الركوع مندوبة، وقد وردت كلّها في جملة واحدة.
ودليله على أنّها مطلقة، هو: عدم وجود القيد في ولاية الذين آمنوا، وعطفها على ولاية الله ورسوله المطلقة.
ومعنى قوله: (( إذ الحكم في كلام واحد يكون موضوعه متّحداً ومحموله متّحداً أو متعدّداً ومتعاطفاً ))، هو: أنّ ظاهر الكلام الواحد من المسند والمسند إليه لا بدّ أن يكون له معنىً واحداً، وفي موردنا لا بدّ أن يكون حكم الولاية (أي المحبّة) واحداً؛ لأنّ المحمول عليها متعاطف، وحكم التعاطف الاتّحاد، فلا يمكن أن تكون الولاية بمعنى المحبّة لله ولرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجبة، وتكون لما عطف عليهما مندوبة؛ إذ يلزم من ذلك إرادة معنيين من لفظ واحد، وهو باطل، كما حقّق في علم الأُصول..
فلا بدّ من أن يكون حكم المحبّة إمّا واجبة في الكلّ أو مندوبة في الكلّ، وبما أنّه لا يمكن أن تكون المحبّة مندوبة بالنسبة لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكذلك لا يمكن أن تكون مندوبة للذين آمنوا، بل هي واجبة في الكلّ، فثبت المطلوب.
وسيأتي مزيد بيان في الجواب على إشكالاته.
ثمّ إنّ كلّ كلامه في الموضوع والمحمول على مصطلح الأُصوليين، لا على مصطلح المناطقة كما فهمه صاحب (التحفة) خطأ، ومن ثمّ أخطأ في الجواب عليه!
كما أنّ مراده من الحكم: الحكم الشرعي، لا الحكم في القضية المنطقية، والفرق واضح بينهما وإن خفي على المجيب.
والكلام على بناء الجملة من وجهة نظر أُصولية يختلف عليها من وجهة نظر منطقية، والخلط بينهما يؤدّي إلى الهفوات التي وقع بها صاحب (التحفة).
ومعنى قوله: (( فإذا كانت محبّة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبّة الله تعالى ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، امتنع أن يراد منهم كافّة المسلمين وكلّ الأمّة، باعتبار أنّ من شأنهم الاتّصاف بتلك الصفات؛ لأنّ معرفة كلّ منهم ليُحبّ ويوالى ممّا لا يمكن لأحد من المكلّفين بوجه من الوجوه ))، هو: أنّه إذا كانت محبّة المؤمنين الموصوفين في الآية واجبة مطلقاً، كما هي محبّة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الواجبة المطلقة، استحال أن يراد منهم جميع المسلمين وكلّ الأمّة؛ لأنّ المحبّة المطلقة من جميع الجهات متفرّعة على المعرفة لكلّ منهم من جميع الجهات، حتى لا يُعادى من أيّ جهة، وهذا مستحيل لأي أحد من المكلّفين، على عكس المحبّة من جهة الإيمان المنصبّة على عموم المؤمنين؛ إذ يمكن معاداة بعضهم من جهة أُخرى غير الإيمان، كـ(الفسق) مثلاً.

الثالث عشر: قوله: (( ويرد عليه أنّه مع تسليم المقدّمات أين اللزوم بين الدليل والمدّعى؟ وكيف استنتاج المتعيّن من المطلق؟ )).
والجواب عليه:
1- لقد بيّنا اللزوم بين الدليل والمدّعى في النقطة السابقة, فالدليل: ما ذكر من الكبرى والصغرى، والمدّعى أو النتيجة: وجوب إطاعته (عليه السلام) مطلقاً، وهو معنى الإمامة وقد بيّناه.
2- وإذا امتنع إرادة وجوب المحبّة المطلقة لعموم المؤمنين، ثبت إرادة البعض منهم، والاستدلال على التعيين وأنّ البعض المراد هو: عليّ(عليه السلام)، وقد اتّضح سابقاً بما لا مزيد عليه من خلال الآية والأوصاف المذكورة فيها المنحصرة في عليّ(عليه السلام) بشهادة الروايات وما وقع في الخارج.
3- وأمّا قوله: (( وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمّل أنّ مولاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة... )) الخ. فلقد ذكرنا على التنزّل بأنّ معنى الولاية: المحبّة، وأنّ المحبّة الواجبة في الآية هي المحبّة المطلقة غير المقيّدة بقيد ولا شرط ولا جهة؛ لأنّها جاءت مطلقة في الآية، وهي غير المحبّة المشروطة بقيد الإيمان الشاملة لجميع المؤمنين.
وعندما نقول أنّها واجبة مطلقاً، أي: واجبة دائماً، وعلى طول الزمان، ولا تكون مندوبة في وقت من الأوقات، ومعنى مطلقاً أي: غير مقيّدة بأيّ قيد وشرط، فلا تجب محبّتهم بسبب فعل، أو صفة ما، أو في وقت دون وقت، بل تجب محبّتهم دائماً سواء وجد هذا الفعل أو الصفة أو لا.
وعندما نقول: من دون جهة، أي: تجب محبّتهم من جميع جهاتهم لا حصرها بجهة معيّنة، بحيث يمكن معاداتهم من جهة أُخرى، كـ(الفسق) مثلاً؛ فإنّ وجوب محبّتهم من جميع الجهات يعني أنّه لا يمكن معاداتهم بحال من الأحوال، كما هي محبّة الله ورسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجبة دائماً، وعلى طول الأزمان، وعلى كلّ حال، ومن جميع الجهات، ولكلّ أفعالهم وأقوالهم، وأوامرهم ونواهيهم، وإقدامهم أو توقّفهم، وغير ذلك.
 وبالتالي فلا وجه للنقض بالآية: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ )) (التوبة:71)؛ لأنّا لو سلّمنا بأنّ المحبّة فيها واجبة وليست مندوبة، ولكنّها غير مطلقة بل مقيّدة من جهة الإيمان، فيمكن معاداتهم من جهة أُخرى كـ(الفسق) أو الخصومة مثلاً، بل الآية قيّدت تلك المحبّة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإطاعة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم), وأين هذا من الوجوب المطلق في آية الولاية؟! فلاحظ!
ولا يمكن القول بأنّ محبّة البعض في الآية، وهو: عليّ(عليه السلام)، مقيّدة بالإيمان أيضاً؛ وذلك لأنّها جاءت مطلقة ومعطوفة على محبّة الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهما مطلقتان، أي: لا يمكن معاداتهما بحال من الأحوال، فكذا المعطوف عليهما, فتكون الأوصاف المذكورة في الآية لأجل تعيّن الشخص المراد، كما بيّنا سابقاً، وإن كانت ربّما تشعر بنوع من العلّية ولكن ليست على سبيل العلّة التامّة بل جزء العلّة.
والعجب من هذا المستشكل! فهو بعد أن يقول: أنّ مولاة المؤمنين(عليه السلام) من جهة الإيمان وأنّها ترجع إلى مولاة إيمانهم لا ذواتهم، وهي جهة صريحة، يرجع ويقول: بأنّها أمر عام بلا قيد ولا جهة؛ فلاحظ وتعجّب!!
وكذا القياس على معاداة الكفّار من جهة كونهم كفّاراً؛ فإنّها مقيّدة من جهة الكفر.
 وصفة الإيمان في المؤمنين والكفر في الكافرين، اللتان أخذتا كعنوان، ثابتة للطائفتين على العموم؛ فصحّ الحكم بالشمول لهما، أو ما يسمّيه هو بالإجمال.
ولكن كلام صاحب (إظهار الحقّ) ليس في المحبّة المقيّدة بل في المحبّة المطلقة، وهي لا تثبت في الآية إلاّ لمن انطبقت عليه الصفات من المؤمنين، وهي: التصدّق وهو راكع، فكيف يجعلها شاملة لكلّ المؤمنين؟ّ
ولا يستطيع أحد أن يحقّق هذه الصفة للكلّ، بل من المستحيل ذلك، فضلاً عن أنّه لم تقع لأحد غير عليّ(عليه السلام) في وقته.
ثمّ إنّ كلامه هذا في حمل الولاية في الآية على العموم والإجمال إعادة لما سبق من استدلالهم على أنّها تفيد النصرة للمؤمنين، المنفية عن اليهود والنصارى، والتي أجبنا عنها بأنّها تنافي الحصر، (وإن كان بين معنى الإجمال هنا ومعنى العموم الذي طرحوه هناك اختلاف سنبيّنه في النقطة اللاحقة)، فإنّ إرادة العموم من الآية ينافي الحصر المستفاد من (إنّما) بأيّ معنىً أخذت الولاية فيها،وبأيّ معنىً أخذ العموم؛ فلاحظ وتأمّل!
4- أمّا قوله: (( متى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا، وأنت تعلم أنّ ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة ممّا لا شك في وقوعها، فضلاً عن إمكانها، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك )). فالظاهر وقوع قصور من الآلوسي في فهم المعنى المراد من الآية، بل وقوع الخلط بين المعاني عنده، وعدم تدقيق في بعض المفاهيم الأُصولية..
فإنّ العموم، بلحاظ تعلّق الحكم بالموضوع، منه ما هو (عموم مجموعي)، ومنه ما هو (عموم استغراقي)، والعموم المجموعي يكون لحاظ الموضوع فية: المجموع بما هو مجموع، أي: ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة، وهي التي سمّاها الآلوسي الملاحظة الإجمالية، ويكون المجموع بما هو مجموع كالمصداق الواحد للحكم، وأمّا في العموم الاستغراقي فيكون لحاظ الموضوع فيه الأفراد بما هي أفراد، أي كلّ واحد واحد، ويكون المجموع كعنوان لها، فينصبّ الحكم على كلّ فرد فرد.
والعموم المجموعي غير مراد في آية: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ ))، بل العموم الاستغراقي؛ بقرينة قوله تعالى: (( بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ ))، فخلط الآلوسي هنا وجعله من العموم المجموعي.
وأمّا في قوله تعالى: (( وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ ))، فلا يراد منه العموم مطلقاً، لا المجموعي ولا الاستغراقي؛ لما ذكرنا سابقاً من أنّ إرادة العموم مطلقاً تنافي الحصر في الآية وتعارض الجملة الحالية في الآية.
إضافة إلى أنّ العموم المجموعي غير مراد من قوله: (( والَّذِينَ آمَنُوا )) في الآية؛ لأنّ علماء الأُصول قد نصّوا على أنّ الأصل في العموم المراد من الأسماء الموصولة والجمع المُعرّف هو: العموم الاستغراقي، ولا ينصرف إلى المجموعي إلاّ بقرينة؛ لأنّ فيه مؤنة زائدة ولا قرينة، بل القرينة على خلافه لو سلّمنا بإرادة العموم في الآية، والقرينة هي عطفه على المفرد (الله ورسوله)، واتّباعه بالجملة الحالية: (( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )).
كما لا يراد العموم الاستغراقي؛ لعدم مناسبة الحكم، وهو: المحبّة المطلقة من جميع الجهات للموضوع، لما نبّه عليه صاحب (إظهار الحقّ) من أنّ المحبّة المطلقة تستلزم معرفة كلّ المؤمنين فرداً فرداً من جميع الجهات، وهذا مستحيل.
فلم يبق إلاّ إرادة الانطباق على بعض المصاديق، ولا مانع من الإتيان بعرف جمعي وإرادة مصداق واحد، وهو حاصل في القرآن، كما بيّنا سابقاً.
وهذا الكلام لا ربط له بـ(علم الوضع)، وإنّما هو تابع لكيفية لحاظ الموضوع وتعلّق الحكم به من قبل الشارع، وهو ما يُفصل في علوم الأُصول.
ولكن الآلوسي قال بإرادة العموم من آية الولاية ثمّ جعل العموم المجموعي بالملاحظة الإجمالية، ثمّ شبّهه بالعموم في آية ولاية المؤمنين، وهو استغراقي، ثمّ أرجع إلى علم الوضع، فأخطأ في أربعة مواضع.
هذا كلّه لو كانت القضية في الآية مأخوذة على نحو القضية الحقيقية، كما في الأحكام التشريعية، مع أنّا ذكرنا سابقاً أنّ القضية في الآية مأخوذة على نحو القضية الخارجية، التي يكون الحكم فيها منصباً على الأفراد المتحقّقة الوقوع خارجاً لا الأفراد المقدّرة الوقوع.
5- لقد وقع صاحب (التحفة) - الذي هو الأصل في هذا الكلام - في الخطأ في جوابه نتيجة الخلط بين ما بُيّن في علم أُصول الفقه وما ذكر في علم المنطق، وسبب ذلك: تطوّر علم الأُصول عند الإمامية وتقدّمه بمراحل على علم الأُصول عند أهل السُنّة.
فإنّ صاحب (إظهار الحقّ) كان يتكلّم حسب ميزان علم الأُصول، ولمّا لم يفهمه صاحب (التحفة) ظنّ نتيجة لتشابه بعض الاصطلاحات أنّه يتكلّم حسب ميزان علم المنطق، فجاء جوابه خاطئاً وليس له علاقة بالاستدلال؛ فإنّ علم أُصول الفقه مبني على قواعد اعتبارية، وعلمي المنطق والفلسفة مبنيان على قواعد حقيقية واقعية, ولا ينطبق ما ثبت اعتباراً على ما ثبت واقعاً.
فقوله: (( والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس؛ إذ الأولى أصل والثانية تبع والثالثة تبع التبع ))، ليس له أيّ تأثير على صحّة استدلال صاحب (إظهار الحقّ)!
فإنّ المفهوم المشكّك المتحقّق في الخارج على مراتب يبقى واحداً وإن تعدّدت مراتبه، ولا يكون لكلّ مرتبة معنى غير معنى المرتبة الأُخرى، ثمّ إنّ الترتّب الطولي من الأصل والتبع وتبع التبع لا يؤثّر في الحكم وكونه متّحداً لو جاء في سياق واحد ومنصبّاً على متعلّق واحد؛ فيبقى الموضوع واحداً (وهو المتعلّق حسب اصطلاح علم الأُصول) والمحمول متعدّداً (وهو الموضوع حسب اصطلاح علم الأُصول) والحكم واحداً، فإذا كان الحكم واحداً والمعنى واحداً مشككاً كفى في صحّة الاستدلال، ولا يؤثّر فيه اختلاف مادة القضية المنطقية في الواقع، مع أنّ اعتبارها في مرتبة واحدة جاء باعتبار الشارع، وهو ظاهر من كلامه، وكونها على مراتب ثلاث واقعاً جاء من دليل خارج.
ثمّ إنّ (مادة القضية) تختلف عن (جهة القضية)، فإنّ الجهة موطنها الذهن، وقد تذكر في الكلام حسب ادّعاء المتكلّم وما يريده، وأمّا مادة القضية فإنّ موطنها الواقع وظرف التحقّق، وقد تتّحد المادة مع الجهة وقد تختلف..
فما مثل به من (الموجود في الخارج الواجب والجوهر...) متّحد الجهة، وهي: الإمكان العام، وهو مراد المتكلّم من إثبات حكم الوجود للكلّ، والوجود له معنى واحد لا غير وإن اختلفت مادة القضية بالنسبة للواجب والجوهر والعرض في الواقع، فالتشكيك يقع في المصداق الخارجي، مع أنّا قد ذكرنا بأنّ هذا خارج عن الموضوع من البداية.
6- أمّا ما استشهد به من الآية: (( قُل هَـذِهِ سَبِيلِي أَدعُو إلى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي... )) (يوسف:108). فإنّه من أوّل الكلام، أنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط، ومندوبة على غيره ممّن اتبّعوه، فإنّ ما ذكره يحتاج إلى دليل، بل صياغة الجملة الخبرية في الآية، إذا قلنا أنّها تصبّ مصبّ الإنشاء، يكون حكم الدعوة فيها واحداً بين الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن تبعه حسب ظاهر الآية.
ولو ادّعى من دليل خارج بأنّ الدعوة واجبة على الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مندوبة على غيره؛ فإنّها تكون دعوى خارجة عن مدلول ظاهر الآية, فإنّ ظاهرها اتّحاد الحكم بين الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين من تبعه.
7- قوله: (( القِران في النظم لا يوجب القِران في الحكم )). لو سلّمنا به فإنّ ما نحن فيه ليس من مورده؛ إذ أنّ صاحب (إظهار الحقّ) استدلّ بالعطف والإطلاق لا بالقِران، فإنّ القِران يكون في الجمل؛ قال السرخسي: فإنّ كلاً من الجمل معلوم بنفسه وليس في واو النظم دليل المشاركة بينهما في الحكم إنّما ذلك في واو العطف، وفرق ما بينهما أنّ واو النظم تدخل بين جملتين كلّ واحدة منها تامّة بنفسها مستغنية عن خبر الآخر، كقول الرجل: جاء زيد وتكلّم عمرو، فذكر الواو بينهما أحسن النظم به لا للعطف.
- ثمّ قال -: وأمّا واو العطف فانّه يدخل بين جملتين، أحدهما ناقص والآخر تام، بأن لا يكون خبر الناقص مذكوراً، فلا يكون مفيداً بنفسه، ولا بدّ من جعل الخبر المذكور للأوّل خبراً للثانية حتى يصير مفيداً، كقول الرجل: جاءني زيد وعمرو، فهذا الواو للعطف... الخ(55).
ومع ذلك فإنّ الفخر الرازي استدلّ بالقِران في قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) (التوبة:119) لاثبات شمول قوله: (( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )) لكلّ الأزمان..
قال: (( الرابع: وهو قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ))، أمر لهم بالتقوى، وهذا الأمر إنّما يتناول من يصحّ منه أن لا يكون متّقياً، وإنّما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالّة على أنّ من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتدياً بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين، فهذا يدلّ على أنّه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعاً لجائز الخطأ عن الخطأ.
وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كلّ الأزمان ))(56).
فاستدلّ الرازي به هنا لإثبات الإطلاق، وكان استدلال صاحب (إظهار الحقّ) بالإطلاق أيضاً.

الرابع عشر: قوله: (( ثمّ إنّه أجاب عن عدم وقوع التردّد مع اقتضاء (إنّما) له... )) إلخ.
والجواب عليه:
1- لقد ذكرنا سابقاً أنّ الحصر الإضافي يقتضي التردّد لا الحصر الحقيقي، وقد بيّنا صحّة الاستدلال على القول بكلا الحصرين.
2- إنّ إيراده لهذه الروايات إنّما هو من باب الإلزام لأهل السُنّة وليس معناه الإيمان بما جاء فيها.
3- إنّ محض السؤال يقتضي التردّد في الذهن؛ إذ لولا الجهل المحتاج إلى تعيين، وهو أحد مداليل (إنّما)، أو التردّد في تعيين أحد الأطراف، وهو مدلول آخر لـ(إنّما)، لما ورد السؤال من السائل، فإنّ السؤال يكشف أنّ وراءه نوع من الترديد أو الجهل، وإذا كان هذا هو منشأ السؤال صحّت الإجابة بـ(إنّما) لا بـ(أنّ)؛ لقطع العذر.
4- أمّا إنّه وقع قبل نزول الآية أو بعدها، فإنّه واضح من تصفّح السيرة ومشاهدة كثرة تنافسهم للإمارة تحقّق القبلية، والشاهد الأوضح: ما وقع في خيبر وتصريح عمر بأنّه تساور إليها، وهو قبل نزول الآية؛ فإنّها نزلت على الأصحّ قبل حجّة الوداع، حسب ما في بعض الروايات.
5- ذكرنا سابقاً بأنّ علم الله بأنّه سيقع النزاع في المستقبل كافٍ في تحقيق معنى (إنّما) وتصدّر الآية بها.
6- إنّ الاستدلال سيكون هكذا بالإلزام: بأنّه كيف تقولون بأنّه لم يقع التردّد والسؤال عن من هو الخليفة وعندكم روايات تدلّ على ذلك؟
فإمّا أن تسلّموا بوقوع التردّد ومن ثمّ صحّة ورود (إنّما) بالحصر الإضافي، أو إسقاط هذه الروايات.
وأمّا نحن فلا تلزمنا هذه الروايات من البداية.

الخامس عشر: قوله: (( وذكر الطبرسي في مجمع البيان... )) الخ.
 والجواب عليه:
لا يجوز حمل (( الَّذِينَ آمَنُوا )) في الآية على الاستغراق حقيقة - أي: جميع المؤمنين - لوجوب التغاير بين من خوطب بالآية بـ(( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ))، وهم المؤمنون، وبين المشار إليه في الخطاب، وهم: (( الَّذِينَ آمَنُوا ))؛ إذ لو كان المراد في الاثنين الجميع لأصبح المعنى هكذا: (إنّما أنتم أولياء أنفسكم)، أو: (إنّما وليّكم أنتم)، وهو بمعنى أنّ كلّ واحد وليّ نفسه، فالمضاف، وهو: الضمير (كم)، سيكون بعينه المضاف إليه، وهو: (الولي), ولا بدّ من تغاير المضاف والمضاف إليه..
هذا إضافة إلى ما يدلّ عليه إفراد لفظة (الوليّ) وعدم جمعها من أنّها متعلّقة بأفراد مخصوصين؛ إذ لو قال: (إنّما أولياؤكم) لكان في الكلام مجال.
وقول الآلوسي: (( وأنت تعلم أنّ المراد: بعض المؤمنين بعضاً )) خطأ واضح! كيف؟! وقد عيّنت الآية صفات من يجب تولّيه، وهو: الذي يؤتي الزكاة وهو راكع، فكلامه إن كان له مجال فهو عند عدم تعيين البعض المولى ولا البعض المولى عليه، فيصبح الكلام مجملاً، وهو خلاف نصّ الآية، ومعارض بروايات أسباب النزول.
ولو سلّمنا إمكان حمل الآية على ما يريده من معنى مجازاً، فتكون بمعنى قوله تعالى: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ... )). ولكن لاحظ كيف عبر هنا بلفظة (بعض) ولم يعبرّ بها هناك، فحمل (( الَّذِينَ آمَنُوا )) في الآية على الاستغراق حقيقة يؤدّي إلى كون المعنى: أنّ كلّ واحد وليّ نفسه, وحملها على المجاز: أنّ بعضهم أولياء بعض، يحتاج إلى قرينة أوّلاً, وثانياً لا يؤخذ به إلاّ إذا تعذّر الحمل على الحقيقة أو مجاز أقرب منه.
وحمل (( الَّذِينَ آمَنُوا )) في الآية على الخصوص، وأنّ المراد به: البعض دون الجميع، مجاز أيضاً، ولكنّه كثير الاستعمال في القرآن إذا لم نقل أنّه أصبح حقيقة عرفية، فهو أقرب من ذلك المجاز المدّعى. إضافة لوجود النص عليه من الروايات والقرينة الحالية من الخارج.
فقول المستشكل: (( وأنت تعلم أنّ المراد: ولاية بعض المؤمنين بعضاً ))، لو سلّمنا به معنى مجازي للآية لا معنى حقيقي، وما قلناه من خصوص (( الَّذِينَ آمَنُوا )) مجاز أقرب من هذا المدّعى قامت عليه القرينة، فتعيّن الأخذ به.
وكذلك ما مثّل به من المثالين؛ فإنّها تحمل على المعنى مجازاً، لتعذّر الحقيقة، ولعدم وجود مجاز أقرب وأكثر استعمالاً، بل المعنى المقصود في المثالين هو المجاز الأقرب، فتعيّن.
فظهر بذلك ثبوت دلالة الآية على ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) لكلّ من هداه الله وأنار نفسه وترك ما ران على قلبه من العناد وحجب العصبية.
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح المقاصد في علم الكلام 2: 289 الفصل الرابع، المبحث الخامس.
(2) الصواعق المحرقة 1: 104 الباب الأوّل، الفصل الخامس، الشبهة العاشرة.
(3) انظر: تفسير الميزان 5: 371.
(4) انظر: تفسير الميزان 6: 7.
(5) انظر: تفسير الميزان 6: 12.
(6) انظر: الكافي 1: 288 حديث (3) باب (ما نصّ الله عزّ وجلّ ورسوله على الأئمة واحداً فواحداً، الخصال للصدوق: 478 حديث (46).
(7) انظر: الرسائل العشر للطوسي: 131، التبيان للطوسي 3: 561، مجمع البيان للطبرسي 3: 363، أحكام القرآن للجصاص 2: 557، المحرّر الوجيز لابن عطية 2: 208، تفسير الرازي 12: 25، تفسير البيضاوي 2: 339، شرح المواقف للجرجاني 8: 359.
(8) انظر: شرح الكافي 6: 117.
(9) الكشّاف 1: 624.
(10) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية 2: 208، دقائق التفسير لابن تيمية 2: 206، التسهيل لعلوم التنزيل للغرناطي 1: 181، تفسير البحر المحيط 3: 525، تفسير ابن كثير 2: 73، شرح المواقف للجرجاني 8: 360.
(11) شرح تجريد العقائد: 369.
(12) كتاب العين 1: 200 باب (العين والكاف والراء معها).
(13) الوافي بالوفيات 9: 170 الاضبط بن قريع الشاعر.
(14) تاج العروس 11: 177 مادة (ركع).
(15) كتاب العين 1: 200 باب (العين والكاف والراء معها).
(16) انظر: الصحاح للجوهري 3: 1222 مادة (ركع).
(17) تفسير الآلوسي 1: 247.
(18) شرح المواقف 8: 356 المرصد الرابع، المقصد الرابع.
(19) شرح المقاصد 2: 288 الفصل الرابع، المبحث الخامس.
(20) شرح تجريد العقائد: 368 المقصد الخامس في الإمامة.
(21) التحفة الاثنا عشرية: 395 باب (هفتم).
(22) المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الاثنا عشرية: 240 باب (ما استدلّ به الرافضة على مذهبهم).
(23) الآلوسي والتشيّع: 392 الفصل الرابع عشر.
(24) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 499، تح الأملي، المسألة الخامسة،.
(25) الشافي في الإمامة 2: 217.
(26) المغني 2 القسم الأوّل: 133.
(27) عن زبدة البيان للأردبيلي: 108.
(28) الكافي 1: 289 حديث (4) باب (ما نصّ الله ورسوله على الأئمّة واحداً فواحداً.
(29) الأمالي للصدوق: 186 حديث (193) سبب نزول قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... ))، روضة الواعظين: 102 مجلس في ذكر الإمامة، تفسير العيّاشي 1: 328 حديث (139) قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ... ))، تفسير القمّي 1: 170 سورة المائدة، تفسير فرات: 124 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ... )).
(30) الكافي 1: 146 حديث (11) باب النوادر.
(31) جامع البيان 6: 389 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... )).
(32) شرح الأخبار 1: 219 حديث (199).
(33) انظر: تفسير البحر المحيط لأبي حيّان الأندلسي 3: 525 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... ))، تفسير القرطبي 6: 221.
(34) راجع كلام الآلوسي في ما نقله عن الدهلوي.
(35) انظر: تفسير الطبري 6: 388، تفسير الرازي 4: 1163.
(36) العمدة: 113 الفصل الرابع عشر، تفسير مجمع البيان 3: 359 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... ))، وقريب منه ما قاله المبرّد، في: الكامل في اللغة والأدب 1: 312 رثاء ليلى الأفيلية.
(37) الصوارم المهرقة: 172 في ردّه على كلام ابن حجر في آية الولاية.
(38) انظر: مجمع البيان للطبرسي 3: 359 قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم... )).
(39) شرح المقاصد 2: 289.
(40) شرح تجريد الاعتقاد: 368.
(41) إحقاق الحقّ 2: 412.
(42) المغني: 20 (القسم الثاني): 134.
(43) انظر: تفسير الطبري 28: 74 سورة الممتحنة.
(44) انظر: تفسير الطبري 6: 376 قوله تعالى: (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ... )).
(45) انظر: الشافي في الإمامة 2: 224.
(46) الكشّاف 1: 624.
(47) مجمع البيان 3: 364.
(48) المراجعات: 253 المراجعة (42).
(49) أحكام القرآن 2: 558 قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ... )).
(50) التحفة الاثنى عشرية: 399، المنحة الإلهية تلخيص ترجمة التحفة الاثنى عشرية: 246.
(51) المغني 20 (القسم الأوّل): 136.
(52) تفسير الرازي 12: 29.
(53) شرح المواقف 8: 360.
(54) شرح المقاصد 2: 289.
(55) أُصول السرخسي 1: 273 فصل في الوجوه الفاسدة.
(56) تفسير الرازي 16: 221 قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال