الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » هل يمكن الاكتفاء بالتواتر عن الإمامة؟


هيثم / مصر
السؤال: هل يمكن الاكتفاء بالتواتر عن الإمامة؟
ما دام التواتر هو الدليل على الإمام، إذاً هل يغني التواتر عن الإمامة؟
ففي عصر الغيبة نأخذ تخصيص العقائد بالتواتر وليس عن طريق الإمام، إذاً فيكفي التواتر، ويكون الدين غنيّاً عن الإمامة.
الجواب:

الأخ هيثم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ أصل هذا الإشكال ذكره القاضي عبد الجبّار في عدّة موارد من بحث الإمامة في كتابه (المغني)، وأجاب عنه السيّد المرتضى في كتابه (الشافي في الإمامة) بما لا مزيد عليه، ثمّ إنّا نودّ أن نذكر لك في جوابنا عدّة نقاط ممّا أُشكل عليك:
أولاً: إنّ ما يجب علينا الالتزام به، وهو حجّة علينا أوّلاً وبالذات، هو: أوامر الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه المالك الحقّ، وكلّ ما ثبت علينا أنّه حجّة من مختلف الأدلّة إنّما صار حجّة بالعرض فهو بالحقيقة يرجع إلى أنّه يخبرنا عن الحجّة بالذات، وهو: أوامر الله سبحانه وتعالى، النابعة من حاكميّته.

ثانياً: لقد قسّم العلماء الأدلّة المعترف بحجّيتها إلى: دليل عقلي، ودليل نقلي؛ إذ أنّ العقل قد يستطيع أن يصل إلى بعض أوامر الله سبحانه وتعالى، فهو حجّة في الجملة، أي في البعض المقطوع به، وأمّا ما لا يستطيع العقل الوصول إليه، فيخبرنا به الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)، عن الله سبحانه وتعالى، ولذا قالوا: إنّ العقل رسول باطن والنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسول ظاهر، وأمّا الإجماع فنشترط فيه دخول المعصوم، وبالتالي يدخل في السُنّة، أي الدليل النقلي.

ثالثاً: ثمّ إنّ العلماء اشترطوا في ثبوت الأحكام وحجّيتها القطع، أي: أن تصل إلينا قطعية يقينية بالذات أو بواسطة، إذ إنّ القطع حجّة بذاته لا يحتاج إلى شيء وراءه، فإذا قطع العقل بشيء، سواء عن طريق مقدّمات عقلية صرفة، أم عقلية ونقلية، أم نقلية فقط، فلا يحتاج إلى شيء وراءه لإثبات الحجّية، وذلك لأنّ القطع يعني: الانكشاف وظهور الواقع، وقد ترجع حجّية الدليل إلى القطع بالواسطة، كأن تقوم عندنا الأدلّة القطعية على حجّية بعض الظنون؛ فإنّ الظنّ ليس حجّة بذاته، فلا بدّ من رجوعه في حجّيته إلى القطع، وتفصيل القول في هذه المسألة في أُصول الفقه؛ فراجع!

رابعاً: وقد يرد هنا سؤال: أنّه إذا كان العقل إحدى الحجج، فلماذا لا يكتفى به عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)؟

والجواب:
1- من الواضح أنّ العقل لا يستطيع أن يصل إلى كلّ الحقائق عن أُصول الدين وفروعه بمجرّده.
2- أنّه يحتاج إلى زمن طويل جدّاً لتراكم علوم البشرية يعد بآلاف السنين حتّى يصل إلى هذا البعض من الحقائق بصورة قطعية.
3- أنّ هناك أُموراً لا طريق للعقل إليها كأحكام الشريعة أو حقائق عالم الملكوت وعالم الغيب مثلاً.. فلا طريق لصلاح البشر وإيصالهم إلى الكمال إلاّ بإرسال الرسل، وهو ما نوجبه ونصطلح عليه بقاعدة اللطف، الثابتة في الإمام أيضاً؛ فإنّ الشريعة الإسلامية مثلاً من أحكام الصلاة والحجّ والصيام والزكاة والخمس والحدود وغيرها لا يستطيع العقل الوصول إليها، أو الوصول إلى ملاكاتها، فضلاً عن عدم قدرته للإحاطة بما موجود في القرآن وعلومه، وما يصل إليه منها بعد الجهد والوقت النزر اليسير، فمسّت الحاجة إلى شخص معصوم مسدّد من قبل الله، وإلى زمن كافٍ يتّسع لبيان حقائق القرآن وعلومه، فكان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد بذل ما عليه من جهد لتبيين القرآن، ولكن لسلطة عالم المادة والدنيا ومحدودية الزمان والمكان لم يكن الوقت كافٍ لوصول هذه الحقائق إلى الأُمّة بالمقدار اللازم لرشدها وكمالها، فعلّمها بأمر من الله إلى وصيّه(عليه السلام)، وفتح له ألف باب من العلم يفتح ألف باب(1)، حتّى يقوم بالدور نفسه الذي كان يقوم به رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأيضاً كان هو محاطاً بسلطة الزمان والمكان، فتتابع من بعده الأئمّة(عليه السلام) الوارثين لعلم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إلى أن مضى الوقت الكافي لوصول مقدار كافٍ من الحقائق تكفل قابلية الاستمرار للرسالة، على أنّ الغاية الرئيسية لا تتم إلاّ بعد غيبة الإمام الثاني عشر(عليه السلام) وظهوره حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

وقد يرد سؤال آخر وهو: إذا كان القطع حجّة بذاته، فلماذا لا نسعى لتحصيل القطع بالأحكام مثلاً عوض أخذها عن الإمام(عليه السلام)، وبالتالي تسقط الحاجة إلى الإمام؟

والجواب:
1- إنّ هذا السؤال غير صحيح؛ فإنّ القطع حكم من العقل على قضية سواء كانت واقعية أم لا، أي: إنّ حكم العقل عندما يصل إلى درجة من الوضوح والانكشاف بقضية ما سيكون قطعاً، والقطع ليس هو القضية المحكوم بها من العقل، وبالتالي فإنّ الإشكال، لو كان هناك إشكال، لا بدّ أن يكون بالشكل السابق، أي: الاكتفاء بالعقل بدل الرسول والإمام.
2- وهو ما يترتّب على ما ذكرناه أوّلاً من إنّ القطع هو درجة انكشاف الواقع الواصل إلينا عن طريق العقل، أو عن طريق إخبار النبيّ أو الإمام، فإذا حكم العقل عن طريق مقدّمات يقينية حصل القطع بحكمه، وإذا أخبرنا المعصوم(عليه السلام) مباشرة بموضوع، أو قضية، أو علم، حصل لنا القطع بذلك؛ فالقطع هو انكشاف الواقع، وليس هو الواقع أو الدليل الدال على الواقع.

خامساً: إنّ التواتر هو أحد الطرق الموصلة إلى الحكم القطعي من قبل العقل، وهو: أن يصل الخبر بطرق عديدة يستحيل اجتماع أصحابها على الكذب، فيورث القطع بالخبر والحكم بصدوره قطعاً، ويكون الخبر القطعي المتواتر هو الدليل الذي وصلنا من المعصوم المخبر لنا عن الحقّ والواقع.
ومن الواضح أنّ التواتر هو درجة اعتبار وحجّية الدليل بأنّه مقطوع، وليس هو الدليل بنفسه، فالتواتر طريق لحصول القطع، والقطع انكشاف للعقل بيقينية الدليل والخبر، والخبر النقلي (عن طريق الرسول أو الإمام المعصوم) كاشف عن الواقع وأمر الله سبحانه وتعالى.
فمن الخلط أن نقول: هل يمكن أن نكتفي بالتواتر بدل الإمام!! فكما يحصل القطع بخبر الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق التواتر، كذلك يحصل القطع بخبر الإمام عن طريق التواتر.
ولكن ربّما يسبق إلى الوهم بأنّ الإمام المعصوم(عليه السلام) يخبر بالقطع عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي: هو طريق قطعي لمعرفة خبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذا التواتر، نحصل منه على القطع بخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو طريق قطعي أيضاً لخبر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبالتالي يمكن أن نكتفي به عن الإمام. وهذا هو إشكال القاضي عبد الجبّار..

والجواب:
1- إنّ الحصول على أوامر الله بالقطع النقلي يكون: إمّا عن طريق الأخذ مباشرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بوصول الخبر المتواتر القطعي عنه، ومن الواضح عدم إمكان الأخذ بالمباشرة من الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد وفاته، ولذا مسّت الحاجة إلى وجود الإمام المعصوم يخبرنا بالأحكام الشرعية الصادرة عن الله والنازلة على رسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدرجة القطع بعد زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إذ أنّ الاكتفاء بالطريق الثاني القطعي، وهو: معرفة الحكم عن طريق التواتر، قاصر عن استيفاء الغرض؛ لعدم وصول الغالبية العظمى من الأحكام إلينا بالتواتر، هذا في الأحكام التي أخبر بها الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فضلاً عن الأحكام التي لم يخبرها إلاّ للوصيّ والخليفة بعده لمختلف العلل والأسباب، وهذا ما أجاب به الشريف المرتضى علم الهدى.
2- منع إمكانية حصول التواتر لكلّ الأحكام؛ لمقتضى حال البشر ونزوعهم إلى الاختلاف، وتاريخ الحديث، بل تاريخ المسلمين خير شاهد على ذلك، فكان من حكمة الله تنصيب أئمّة للناس بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحفظون الدين، وهو ما نطلق عليه: قاعدة اللطف.
3- إنّ التواتر ليس له موضوعية بنفسه، فهو طريق ليس إلاّ، وأمّا قول الإمام(عليه السلام) فهو دليل بنفسه؛ لعصمة الإمام(عليه السلام).
هذا كلّه في مجال الأحكام فقط، مع فرض أنّ المسلمين قد علموا جميع الأحكام بتفاصيلها من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولذا يصحّ القول أنّها قد تصل إلينا بالتواتر أو لا، وأمّا مع انتفاء هذا الفرض، وأنّ هناك أحكاماً وتفاصيل لم يعلمها إلاّ الإمام(عليه السلام)، فالإشكال لا مورد له هنا.

وأمّا في وظائف ومجالات سلطة الإمام الأُخر باعتباره واسطة الفيض، فهو خارج عن أصل التوهّم، وكذا تحمّله لواجب هداية الأُمّة تكويناً، التي من بعض شؤونها استلام دفّة الحكم، وتسيير أُمور الرعية، وبيان الموضوعات الخارجية دون الوقوع في الخطأ؛ إذ لا مدخلية للتواتر هنا، فهو أجنبي عن المقام، مضافاً إلى بيان القرآن وعلومه والعلوم العقلية الأُخرى، فكلّها لا مورد للتوهّم فيها؛ فلاحظ!

سادساً: إنّنا نلاحظ في أسئلتك خلطاً واضحاً بين التواتر، وهو أحد الطرق والوسائل لحكم العقل بقضية خبرية، فهو بالتالي من شؤون العقل، وبين الإمام الذي هو موضوع خارجي، له آثار واقعية خارجية واقعة في علمه تعالى ومنتظمة في سننه عزّ وجلّ!
نعم، أنّه لا يثبت لنا تعيين الإمام(عليه السلام) كموضوع خارجي إلاّ بالقطع من العقل، وأحد طرقه حصول التواتر بوجود دليل عليه، وكذا لم يثبت لنا وجوب الإيمان والاعتقاد بالإمامة وكونها من أُصول الدين، إلاّ بدليل قطعي سواء كان عقلياً أم نقلياً (تواتر)، ولكن ما علاقة هذا بهذا حتّى تخلط بينهما؟!
وما ذكرناه هنا في هذه النقطة هو غير كون التواتر طريقاً لثبوت أخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّ أخبار الإمام(عليه السلام) طريق أخر لثبوت أخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ فلاحظ وتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: الكافي للكليني: 239 كتاب الحجّة باب ذكر الصحيفة والجفر والجامعة، بصائر الدرجات للصفار: 172 الجزء الثاني الباب (14) الحديث (3)، و322 الجزء الخامس الباب (16).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال