الاسئلة و الأجوبة » الإمامة الخاصّة(إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)) » لماذا ذكر القرآن من هاجر مع الرسول ولم يذكر الوصي بعده الذي بات على فراشه


حيدر / استرايا
السؤال: لماذا ذكر القرآن من هاجر مع الرسول ولم يذكر الوصي بعده الذي بات على فراشه
ممكن الإجابة على سؤال، والذي طرح من طرف أحد الإخوة من أهل السُنّة، مشكورين.. وجزاكم آلله خيراً.
(( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ )) (الأنعام:38) ، لماذا ذكر الله تعالى صحبة الرجل الآخر للرسول بالهجرة في القرآن، ولم يذكر نومة عليّ بن أبي طالب في نفس القرآن أبداً، لا بالتصريح ولا بالتلميح؟
فأيّهما أولى عند الله تعالى، الرجل الآخر أم الوليّ والوصيّ بعد الرسول؟
الجواب:

الأخ حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إيراد المستشكل قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، إن كان قصد به؛ حسب ما يدّعيه من دلالة ظاهر الآية على وجود نصّ مفصّل لكلّ شيء في القرآن، وبالتالي عدم ورود مثل هكذا نص يصرّح باسم عليّ(عليه السلام) فيه، وهو دليل على: عدم وجود دليل على إمامته في القرآن الكريم، فهو مدخول من جهة خطأهم في فهم الآية، والاقتصار على رأيهم في معناها دون الرجوع إلى ما ورد في تفسيرها، وهذا دأب الخوارج.. إذ يفهمون ظواهر بعض الآيات حسب هواهم، فيكوّنون مفهوماً عامّاً وحكماً نهائياً دون الرجوع إلى آيات أُخرى، أو تفاسير، أو أسباب نزول.
ففي موردنا هذا، قد ذكر المفسّرون معنيين لهذه الآية على أعلى التقادير، وهما لا ينفعا استدلال هؤلاء بالآية شيئاً البتة.

والقولان هما كما قال ابن الجوزي في (زاد المسير): ((قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، في الكتاب قولان:
أحدهما: أنّه اللوح المحفوظ؛ روى ابن أبي طلحة، عن ابن عبّاس: ما تركنا شيئاً إلاّ وقد كتبناه في أُمّ الكتاب، وإلى هذا المعنى ذهب قتادة وابن زيد.
والثاني: أنّه القرآن؛ روى عطاء عن ابن عبّاس: ما تركنا من شيء إلاّ وقد بيّناه لكم)).

قال ابن الجوزي: ((فعلى هذا يكون من العام الذي أُريد به الخاص؛ فيكون المعنى: ما فرّطنا في شيء بكم إليه حاجة إلاّ وبيّناه في الكتاب، إمّا نصّاً، وإمّا مجملاً، وإمّا دلالة))(1). انتهى كلام ابن الجوزي.
ومنه يتبيّن بأنّ هذه الآية لا تعني أنّ كلّ شيء منصوص تفصيلاً في القرآن.

ونصّ القرطبي على ما قاله ابن الجوزي، بل بأوضح منه، فقال في تفسيره: ((قوله تعالى: (( مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ ))، أي: في اللوح المحفوظ؛ فإنّه أثبت فيه ما يقع من الحوادث. وقيل: أي في القرآن، أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلاّ وقد دللنا عليه في القرآن، إمّا دلالة مبيّنة مشروحة، وإمّا مجملة يتلقّى بيانها من الرسول(عليه الصلاة والسلام)، أو من الإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنصّ الكتاب، قال الله تعالى: (( وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيءٍ )) (النحل:89)، وقال: (( وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم )) (النحل:44)، وقال: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا )) (الحشر:7).

فأجمل في هذه الآية وآية النحل ما لم ينص عليه ممّا لم يذكره, فصدق خبر الله بأنّه ما فرّط في الكتاب من شيء إلاّ ذكره, إمّا تفصيلاً، وإمّا تأصيلاً، وقال: (( اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم )) (المائدة:3) ))(2). انتهى كلام القرطبي.
فالآية لا تدلّ على التصريح والتفصيل في ذكر أحكام الدين وعقائده؛ فأين تفاصيل الصلاة وعدد الركعات؟ وأين النصّ على عذاب القبر؟ وأين ذكر الحوض؟ وأين ذكر الإيمان بالقدر خيره وشرّه من الله، الذي يعتبره السُنّة من أركان الإيمان وأُصول الدين؟!

هذا.. ولو أرجعت أيّها الأخ العزيز هذا المستشكل إلى عناوين ما ذكرناه من أجوبة على الأسئلة، لرأيت بأنّا ذكرنا الكثير من الآيات التي نزلت في ولاية أمير المؤمنين(عليه السلام) ووجوب طاعته وفضائله، وقد بيّن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، ونقله أهل السُنّة في تفاسيرهم ومسانيدهم وكتبهم، ولكنّهم خالفوه ونقلوا ما وضع في مقابله، تعمية للحقّ؛ فأصبح الحقّ ضائعاً عندهم بين ركام الباطل الموضوع، والذي يجب أن ينفضه ويزيله من أراد الحقّ وطلبه، ليخرج الحقّ ويجلي عنه ما خالطه وغطّاه من هذا الركام، حتّى ينير طريقه في ظلام باطل ما لفّقوه.
ولا يسعنا هنا أن نورد جميع الآيات التي نزلت في حقّه (عليه السلام)، فله أن يراجع ما أوردناه تحت ما أوعزنا إليه من العناوين في مواضيعها المفهرسة حسب الحروف.
ولكن نريد أن نذكر آية نزلت في المورد الذي أشار إليه من نوم عليّ(عليه السلام) في فراش النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى نرد عليه ادّعائه بالنقض، وهي: قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ )) (البقرة:207)..

فقد روى الحاكم في (مستدركه)، عن ابن عبّاس، قال: ((شرى عليّ نفسه ولبس ثوب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ نام مكانه، وكان المشركون يرمون رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألبسه بردة، وكانت قريش تريد أن تقتل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فجعلوا يرمون عليّاً ويرونه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)... الحديث.
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وقد رواه أبو داود الطيالسي وغيره عن أبي عوّانة بزيادة ألفاظ))(3).
وروى بعده عن عليّ بن الحسين، قال: (إنّ أوّل من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله عليّ بن أبي طالب)(4)؛ ووافقه الذهبي في تصحيح الحديث الأوّل عن ابن عبّاس(5).
وقد أورد الثعلبي في تفسيره نزولها بحق عليّ(عليه السلام)(6)، وأخرج الحاكم الحسكاني عدّة روايات في أنّها نزلت في عليّ(عليه السلام)(7)، وكذا أورده غيرهم، فلا نطيل.

وإن قال هذا المستشكل بأنّه لم يرد اسم عليّ(عليه السلام) في هذه الآية، كان جوابنا: أنّه لم يرد أيضاً اسم أبي بكر في آية الغار.. على أنّا لا نسلّم أنّ المعنيّ في آية الغار هو: أبو بكر؛ فإنّ ذلك لم يرويه إلا مريديه، وبعد مدّة، مع أنّ دلالة الآية على الذمّ أولى من المدح، وبيانه أوردناه في موضعه؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) زاد المسير 3: 26 سورة الأنعام، قوله تعالى: ((مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ)).
(2) تفسير القرطبي 6: 420 سورة الأنعام، قوله تعالى: ((مَا فَرَّطنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيءٍ)).
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 4 كتاب الهجرة.
(4) المستدرك على الصحيحين 3: 4 كتاب الهجرة.
(5) المستدرك على الصحيحين بتلخيص الذهبي 3: 228 هامش الحديث (4316) كتاب الهجرة.
(6) الكشف والبيان في تفسير القرآن 2: 125، 126 قوله تعالى: ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ)).
(7) شواهد التنزيل 1: 123 - 131 الحديث (133 - 142).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال