الاسئلة و الأجوبة » الجبر والاختيار » كفر الكافر لا يمنع من خلقه مختاراً


عباس المهدي / البحرين
السؤال: كفر الكافر لا يمنع من خلقه مختاراً
الجواب واضح في مسألة الجبر والإختيار ولكن الاشكال يضل في مسألة علم الله ، وبعبارة أخرى كيف يصح أن نتصور بان الله يعلم بان انساناً معيناً سوف يكون كافراً قبل أن يخلقه ومع ذلك يخلقه؟
الجواب:

الأخ عباس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الله تبارك وتعالى لا يفعل فعلاً ولا يخلق خلقاً إلاّ طبقاً للحكمة,فخلقـَه عز وجل للكافرين هو كخلقه لأصناف الشرور الموجودة في العالم لا يقدح في حكمته، فإن الدنيا دار امتحان واختيار، فما يوجد فيها من تصارع بين الخير والشر والمؤمن والكافر هو لأجل الغربلة والتمحيص قال تعالى (( إنَّ الَّذينَ كَفَروا ينفقونَ أَموَالَهم ليَصدّوا عَن سَبيل اللَّه فَسَينفقونَهَا ثمَّ تَكون عَلَيهم حَسرَةً ثمَّ يغلَبونَ وَالَّذينَ كَفَروا إلَى جَهَنَّمَ يحشَرونَ* ليَميزَ اللَّه الخَبيثَ منَ الطَّيّب وَيَجعَلَ الخَبيثَ بَعضَه عَلَى بَعض فَيَركمَه جَميعاً فَيَجعَلَه في جَهَنَّمَ أولَئكَ هم الخَاسرونَ )) (لأنفال:37) فالله جل جلاله قادر على عدم خلقهم ولكنه خلقهم رغم علمه بكفرهم لتتم عليهم الحجة، ولم يظلمهم بخلقهم لأنه خلقهم مختارين فاختاروا الكفر على الإيمان وأستحبوا العمى على الهدى ، فالله لا يريد ظلماً للعباد تعالى عن الظلم ، لأن الظلم فرع الحاجة والعجز والله منزه عن الحاجة والعجز، فخلقهم إذن هو عين العدل والرحمة، فباختيارهم سبيل الكفر والطغيان والتمرد والعصيان استحقوا الجزاء في الآخرة بدخول النار.
فلو كان علم الله بكفر الكافرين مانع عن خلقهم لما وجد في الدنيا إلاّ المؤمنون، ولبطل الثواب والعقاب ولم تكن ثمة فائدة في بعث الرسل والأنبياء لهداية الناس طالما كان الناس كلهم مهتدون بهدى الله قال عز وجل (( أَفَلَم يَيأَس الَّذينَ آمَنوا أَن لَو يَشَاء اللَّه لَهَدَى النَّاسَ جَميعاً وَلا يَزَال الَّذينَ كَفَروا تصيبهم بمَا صَنَعوا قَارعَةٌ أَو تَحلّ قَريباً من دَارهم حَتَّى يَأتيَ وَعد اللَّه إنَّ اللَّهَ لا يخلف الميعَادَ )) (الرعد:31) ولو كان نفس علمه عز وجل بكفرهم مانعاً عن خلقهم لكان علمه مضاداً لإرادته إذ أن الإرادة قد تعلقت بخلق المؤمنين والكافرين جميعاً لأجل حصول الإمتحان في الدنيا، فإذا خلق الله المؤمنين دون الكافرين أختل النظام ولم تتحقق الغاية التي لأجلها خلق الله الدنيا كدار إمتحان وفتنة.
وذلك قادح في الحكمة.

وقد يتبادر إلى الذهن أن الله عز وجل لأنّه رؤوف ورحيم بعباده فمقتضى رأفته ورحمته أنّه إذا علم بكفر الكافرين أن لا يخلقهم لأنّه إن خلقهم فسيكفرون وسيجازيهم في الآخرة بدخول النار كما وعد، فمن هذه الجهة لا يكون رؤوفاً بعباده ولا رحيماً، وجواب هذا الإشكال هو: إن نفس خلق الخلق وإخراجهم من كتم العدم إلى حيز الوجود هو رحمة ورأفة ونعمة لا يمكن تقديرها ، فنعمة الوجود هي أجل النعم ، ولكنه حينما خلق الخلق علم أن بعض عباده سيكفرون وبعضهم الآخر سيؤمنون لأنّه محيط بطرفي الزمان ومحيط بكل شيء فلا تخفى عليه خافيه، ثم بعد ذلك ذرأهم في الأرض وبعث إليهم الأنبياء وأستخلف عليهم الأوصياء فأرشدوهم إلى ما يريده الله منهم وما أعدّه لهم ولم يتركهم هملاً , ولما علم أنّ بعض عباده سوف يضلون رغم كل ذلك أمهلهم. ليتوبوا ليغفر لهم، أفترى بعد كل هذه النعم العظيمة التي أسبغها عليهم ثم عاندوه واستكبروا عن طاعته يكون قد قصّر حاشاه في هدايتهم؟! وهل يجوز لقائل أن يقول لماذا خلقهم رغم علمه بكفرهم؟ فهل بين الله وبين الكافرين عداوة قديمة تستلزم الأنتقام منهم؟ جل الله عن عداوة عباده وقد قال في محكم كتابه: (( والله رؤوف بالعباد )).
الخلاصة: إن كفر الكافرين هو محض أختيارهم والله تعالى لا يجبر أحداً على الطاعة ولا على المعصية فمن هلك فقد شاء أن يهلك ، ومن نجى فقد شاء أن ينجو ، وعلم الله بعباده المطيع منهم والعاصي لا يمنع من خلق العصاة ولا يصيّره ظالماً إذا جازاهم بأختيارهم ، تعالى ربي عن الظلم علواً كبيراً.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال