الاسئلة و الأجوبة » القرآن وتفسيره » معنى قوله تعالى (والرجز فاهجر)


ابن سينا / بريطانيا
السؤال: معنى قوله تعالى (والرجز فاهجر)
الآية تقول (( يا أيها المدثر قم فأنذر والرجز فاهجر ))
الرجز ذكرها المفسرون منهم الطباطبائي نفسه بمختلف المعاني كالاثم والمعصية والصنم وكل مستقذر من الأفعال والأخلاق مما يعني أن محمدا كان على رجز سواء كان شرك أو اثم او معصية فأمره الله بترك ذلك وهذا يخالف عقيدتكم في أن محمدا
معصوم منذ ولادته.
والا كيف تفسرون الآية؟!
الجواب:
الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
النبي (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة للمؤمنين والخطاب الصادر إليه من الله تعالى ينسحب إلى المؤمنين كافة، فقد نزل القرآن الكريم بإياك أعني وأسمعي يا جارة، والخطاب بالأمر بهجران الرجز لا يلزم منه أن يكون النبي قد كان يصدر منه المعصية حاشاه أو سائر ما يدل عليه الرجز من المعاني التي ذكرها المفسرون - (فالنبي صلى الله عليه وآله معصوم بنص القرآن الكريم: (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى )) (النجم:3-4). والأخبار في عصمته ونزاهته متواترة لدى الفريقين إلاّ من شذ منهم وهم شرذمة قليلة لا يعبا بها.
ثم إنه على فرض كون الخطاب موجه إليه صلوات الله عليه وآله في آية (( وَالرُّجزَ فَاهجُر )) (المدثّر:5) دون سائر المؤمنين، فلا يترتب عليه أي محذور، فأنت تقول لولدك مثلاً: لا تكذب، لا تسرق الخ أو أعمل صالحاً, تصدق على الفقراء، ابتعد عن أصدقاء السوء....الخ، فهل هذه الخطابات الصادرة منك تدل على أن ولدك متلبس بكل هذه المعاني؟! العرف لا يفهم من ذلك سوى الإرشاد والنصيحة لا أكثر، والقرآن الكريم نزل بمراعاة العرف ولغة التخاطب بين الناس. فلاحظ.
ودمتم في رعاية الله

م / عبد الحميد
تعليق على الجواب (1)

حسنا هناك ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون المقصود محمد فقط
الثاني: أن يكون المقصود محمد والمؤمنين جميعا
الثالث: أن يكون المقصود المؤمنين فقط دون محمد

أما الأول فقولكم أن محمد لم يكن يفعل الرجز لأنه معصوم بالعقل والنقل، وبالتالي يكون الخطاب موجه اليه من باب النصيحة فقط، ولكنني أقول أنه اذا كان الله يعلم أن فلانا لن تصدر منه المعصية، فلن يقوم بنصحه بترك المعصية، فأنتم تقولون أن محمد معصوم منذ نعومة أظافره عصمة يمتنع معها الخطأ والنسيان، والله طبعا يعلم ذلك، فعلى أي أساس يقوم بنصحه؟
أما الثاني فهذه الآية نزلت في بداية نزول الوحي على محمد وذلك عندما رجع الى بيته وهو يقول دثروني دثروني فلابد أن يكون هو المقصود حينها وليس المؤمنين وبالتالي نعود الى ما طرحته في الأول، ففي وقت نزول الآية لابد أن يكون المقصود هو محمد لاغيره. 
أما الثالث فالسؤال الذي أطرحه هو لماذا ينزل القرآن مخاطبا محمد والمقصود هم المؤمنون؟ لماذا هذا اللف والدوران؟ لماذا لايخاطب المؤمنين مباشرة؟

الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يظهر أنك لم تستوعب جوابنا جيداً، ولذلك سنجيبك على إشكالاتك بالتفصيل.
نحن قلنا: ((على فرض كون الخطاب موجه إليه)) أي أننا تنزلنا عند زعمكم بأن الخطاب موجه إليه (صلى الله عليه وآله)، مع أننا نرفض هذا الزعم، ولكن لو جاريناكم في دعواكم، فليس المستفاد من هذا الخطاب القرآني (( وَالرُّجزَ فَاهجُر )) (المدثر:5), هو الأمر الدال على تلبس المأمور بالمأمور به، فإن صيغة (افعل) في اللغة العربية كما تأتي للبعث المولوي الذي يستفاد منه تلبس المأمور بالفعل، فأحياناً هذه الصيغة تأتي للدلالة على البعث الإرشادي أو الإرشاد الذي لا يستلزم تلبس المأمور بالفعل، وحينئذٍ يجب الفحص على القرائن التي تعين إحدى الدلالتين، ولا يصح أن يفهم من قوله تعالى: (( وَالرُّجزَ فَاهجُر )) خصوص بعث النبي (صلى الله عليه وآله) نحو هجران الرجز، فنحكم تبعاً لذلك بأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يتعاطى الرجز قبل ورود الأمر بهجرانه، بل يصح بحسب الاستعمال اللغوي والعرفي أن يكون هذا الأمر الصادر إليه (صلى الله عليه وآله) بهجران الرجز هو على نحو البعث والارشادي الذي لا يستفاد منه التلبس بالفعل، ولدينا قرائن منفصلة يمكن المصير إليها لتعيين أحد البعثين، والقرينة الأقوى هو تنزيه القرآن الكريم للنبي (صلى الله عليه وآله) عن إتيان الذنوب في اكثر من آية كقوله: (( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )) (القلم:4), وكذلك قوله: (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى )) (النجم:3-4), وغيرها من الآيات، فضلاً عن الروايات الكثيرة الدالة على عصمته صلوات الله عليه، وهكذا فإن الجمود على ظاهر النص وإطلاقه ونفي الوجوه الأخرى المعتبرة في لغة العرب وعدم اعتبار القرآئن.. كل ذلك يعد جهلاً وخروجاً عن أساليب واستعمالات أصحاب اللغة...

أما قولك: ولكنني أقول: ((إنه يعلم أن فلاناً لن تصدر منه المعصية فلن يقوم بنصحه...)).
فجوابه أنه علاوة على كونه خروجاً عن أساليب التفاهم العرفي من جهة أن النصيحة لا يلزم فيها أن يكون المنصوح غير متلبسٍ بمضمون النصيحة، أو أن النصيحة الصادرة عن الناصح ينبغي أن يلاحظ فيها افتقار المنصوح لمدلول النصيحة، فالعرف لا يستقبح ولا يستهجن صدور النصيحة من الناصح وإن كان المنصوح غير مفتقر إليها، فلا يستهجن قول الناصح لطالب العلم: تعلم، ولا قول الناصح للصحيح: تحرى الصحة، ولا قول الناصح للغني: اطلب المال أو تموّل، فكل هذه النصائح ممكنة ومقبولة لدى العرف، ولو قلت: إن هذا النصح من الناصح بمثابة طلب تحصيل الحاصل فيكون قبيحاً، فجوابه: إنما يكون قبيحاً لو كان نصحاً من الأدنى رتبة، أما كونه صادراً من الأعلى رتبة فلا قبح فيه، فالإنسان مهما بلغ من الكمال فإنه يظل ناقصاً بالقياس إلى بارئه، وحينئذٍ فلا قبح في نصح الله تعالى لعباده الكمّل كالأنبياء والأوصياء والمعصومين (سلام الله عليهم)، وهكذا يتبين لك أخي الكريم بأن النصح على فرض كونه موجهاً إلى شخص النبي (صلى الله عليه وآله) لا قبح فيه وإن كان النبي (صلى الله عليه وآله) كاملاً ومعصوماً عن المعاصي.
على ان (للرجز) معان أخرى غير المعصية، كالعذاب، والأصنام،والطاعون، والأقرب إلى سياق الآية أن الرجز بمعنى الأصنام، فقد أمره الله تعالى بالابتعاد عنها وعدم مقاربتها، وعلى هذا التفسير فلا ترد الإشكالات التي ذكرتها في سؤالك، ولكننا كما قلنا: نجاريك في أقوالك ونتنزل عندها ثم نثبت لك عدم صوابها.

أما قولك: ((الآية نزلت في بداية نزول الوحي على محمد.. إلى قولك: ففي وقت حينها وليس للمؤمنين،...الخ)) فالعبارة على ركاكتها نفهم منها أنك تريد أن تقول: لم يكن ثمة مؤمنين في وقت نزول الآية، فليس إلا النبي(صلى الله عليه وآله) حيث كان الوقت هو أول البعثة).
وجوابه: لا مانع من أن يكون الخطاب موجهاً إلى النبي طبقاً للمعاني الصحيحة التي رجحناها وحينئذٍ فدلالة الرجز على الأوثان أقرب إلى الواقع من دلالتها على المعصية، لأن السورة المباركة قد بدأت بقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُمِ فَأَنذِر)) (المدثر:1-2), ومن غير المقبول أن يكون الأمر بالإنذار مقارناً للأمر بترك المعصية، لأن العاصي غير مهيئ للإنذار إلا بعد تنزهه عن المعاصي، وقد قدّم الأمر بالإنذار على الأمر بهجران الرجز، وهذا يدّل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان مهيئاً للإنذار فيكون منزهاً عن المعصية، فيناسب ذلك أن يكون معنى الرجز هو الأوثان، ولا أظنكم تجوزون أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة كان عابداً للأصنام، فالثابت عندنا وعندكم أنه لم يسجد لصنم، وحينئذٍ فالصواب هو ما ذكرناه نحن لا ما ذهبتم إليه أنتم.

أما قولك: ((فالسؤال الذي أطرحه: هو لماذا ينزل القرآن مخاطباً محمد والمقصود المؤمنين؟ لماذا هذا اللف والدوران؟ لماذا لا يخاطب المؤمنين مباشرة)).
جوابه: أننا قد أوضحنا لك في جوابنا السابق: أن القرآن نزل ((بإياك اعني واسمعي يا جارة)) أي أنه ورد بخطاب النبي وإشراك المؤمنين معه في هذا الخطاب، فهذا أحد أساليب التفاهم العرفي عند العرب وهو من أساليب البلاغة ونكات الفصاحة، وليس ذلك من قبيل اللف والدوران كما تزعم، وفي سبيل أن تتعرف على هذا الأسلوب القرآني ننصحك بمراجعة أهل الاختصاص في اللغة والبلاغة.  
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال