الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » بيعة أبي بكر بين الترغيب والترهيب


اشرف / السويد
السؤال: بيعة أبي بكر بين الترغيب والترهيب
أودّ أن أسأل:
كيف بايع المسلمون كلّهم أبا بكر بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله) ولم يبايعوا الإمام علي(عليه السلام)؟
ولماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته؟
وهل قال الإمام للناس بأن يبايعوا أبو بكر، ونفس الشيء مع عمر وعثمان؟
خاصّة بأنّنا حسب ما نقول بأنّ حديث يوم غدير خمّ من أصحّ الأحاديث، وأنّ الحجيج كلّهم سمعوا الحديث, فكيف خالفوا أمر الرسول(صلّى الله عليه وآله) بمبايعة الإمام عليّ(عليه السلام) بعده؟
الجواب:

الأخ أشرف المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يفهم من سؤالك أربعة أسئلة:
السؤال الأوّل: كيف بايع الناس كلّهم أبا بكر، ولم يبايعوا الإمام عليّ(عليه السلام) بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟

وجوابه:
أوّلاً: لم يبايع جميع المسلمين أبا بكر! بل امتنع عنها الأنصار في بادئ الأمر، ثمّ رجعوا لحلبة الصراع ضمن تداعيات معروفة منها رفعهم شعار منا أمير ومنكم أمير، ثمّ بايع بعضهم وبقي البعض الآخر كسعد بن عبادة ومن تبعه من أهل بيته.
ولم يبايع علّية الصحابة وخيرتهم، مثل: عمّار، وأبي ذرّ، وسلمان، والمقداد بن الأسود الكندي، وغيرهم، واعتصموا رافضين في بيت عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وامتنع البيت الهاشمي برمّته، تبعاً لعليّ(عليه السلام)، ويكفي امتناع عليّ(عليه السلام) نقضاً لها (للبيعة)، أقلاًّ لما قال الرسول(صلّى الله عليه وآله) بحقّه ويروونه في كتبهم: (عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ)(1)، فلو كانت بيعة أبي بكر حقّاً لما تخلّف عنها عليّ(عليه السلام)، وتخلّفه عنها شاهد بطلانها بنفس ملاك الحديث، كما أنّ امتناع أبي ذرّ شاهد آخر لقول النبيّ(صلّى الله عليه وآله): (ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء ذي لهجةٍ أصدق من أبي ذرّ)(2)، فلو كان قد بايع لقلنا: أنّ الحقّ مع أبي بكر لامتناع الكذب عليه وفق الحديث، وما دام لم يبايع فهذا معناه أنّه لا يسمح للسانه أن ينطق مكذّباً بالحقّ وبإعطاء الخلافة لغير أهلها, كأبي بكر، فإنّه إذا نطق بالبيعة؛ فبداعي الصدق لا بدّ أن يلتزم بها، كما أنّه بداعي الصدق سيلتزم بولاء عليّ(عليه السلام)، لأنّه يقرّ له بالحقّ، ولازم الالتزامين النفاق، وما دام أبو ذرّ التزم جانب أمير المؤمنين(عليه السلام) ولم يبايع أبا بكر، فقد صار(رضي الله عنه) مصداقاً ودليلاً لثبوت حقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة لمن لا يقبل الحجّة إلاّ بدليل خارج عن شخص الإمام عليّ(عليه السلام)، فضلاً على كون سلوك أبي ذرّ، هذا فيه دلالة تامّة على صحّة قول الرسول(صلّى الله عليه وآله) فيه.

ثانياً: بيعة أغلب من حضر في المدينة لرجل لا يعني أحقّية ذلك الرجل بالخلافة والقيادة! خاصّة مع علمنا بمعرفتهم بعدم استحقاق من بايعوه، بل علمهم باستحقاق من تركوا بيعته في يوم السقيفة - نعني: الإمام عليّ(عليه السلام) - فتكون بيعتهم بهذا اللحاظ لغيره إمّا عن نفاق، أو بغض، أو حسد، أو ارتداد عن الحقّ، أو إغراء، أو تخويف، أو عن عقد الماضي، أو طلب لمصالح المستقبل، أو نسيان لله ورسوله(صلّى الله عليه وآله) وأوامرهما، إلى غير ذلك من الأسباب الكثيرة.
والشاهد على ذلك: ما ورد من كلام أمير المؤمنين في (نهج البلاغة): (اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي)(3).

ثالثاً: ثمّ من القائل أنّه - أي الأُمّة - لم تبايع عليّاً(عليه السلام)؟
أليس قد بايعته في غدير خمّ على الولاية وخلافة الرسول(صلّى الله عليه وآله), وهذا أمر ذو شجون يُرجع إلى مظانّه للتوسعة فيه.
ولا نحسب الانقلاب بعد ذلك أمراً صعباً على أُمّة انقلبت يوم أُحد، وتمنت الرجوع إلى الشرك طلباً للسلامة, حتّى قال الله تعالى: (( أَفَإِن مَاتَ أَو قُتِلَ انقَلَبتُم عَلَى أَعقَابِكُم )) (آل عمران:144)(4)، ويوم حُنين بما أثبته القرآن كشاهد تاريخي دائم الحياة بقوله تعالى: (( وَيَومَ حُنَينٍ إِذ أَعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شَيئاً وَضَاقَت عَلَيكُمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرِينَ )) (التوبة:25)(5), بمعنى انقلابهم على النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وتركهم نصرته، وهذا معلوم.
وفي طلبهم من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أن تكون لهم ذات أنواط كما أنّ للمشركين ذات أنواط، وذلك خلال رؤيتهم للشجرة التي كان المشركون يضعون أسلحتهم عليها ويعبدونها، وقد كان ذلك خلال مسير المسلمين إلى حرب حُنين(6).

رابعاً: وأمّا كيف حصلت البيعة، فبالكيفية المعروفة التي حسمت بها الخلافة لأبي بكر في السقيفة، وفي غياب صاحب الحقّ الإمام عليّ(عليه السلام) المنشغل برسول الله(صلّى الله عليه وآله) وتغسيله وتكفينه وتجهيزه، ومعه عمّه العبّاس وباقي بني هاشم، وإنهاء الموضوع في ظرف لم يسمح للإمام عليّ(عليه السلام) بالحركة الفعلية والاعتراض الميداني الآني، لما ذكرناه من انشغاله برسول الله(صلّى الله عليه وآله)...
وقطعاً هناك أسباب ومناشئ أُخرى أعرضنا عنها هنا لكفاية الجواب في هذا الباب.

خامساً: نلفت النظر إلى أنّ حصول البيعة من الناس وعدم حصولها لم يكن يعني الشيء الكثير بالنسبة للعصبة التي استولت على الحاكم وأذرعها المتحالفة معها، ولعلّ عموم الناس فهموا ذلك، فرأوا البيعة خيراً من عدمها للآثار المترتّبة على ذلك التي يخالفها أكثر الناس.
نعم، إنّ وقوع البيعة كان مرغوباً من الناحية الشكلية لتصويرها مأطّرة بالتأييد الشعبي، وإن كانت بحقيقيها مشروعاً حزبياً. فالأمر كان ماضياً على كلّ حال سواء بايع الناس، أم لم يبايعوا.
والدليل: أنّ عمر تسنّم المنصب بعد ذلك ليس على أساس البيعة، واتّبعه الناس رغم أنّها آلت إليه بوصية ممّن سبقه عليه، وكذا عثمان بن عفّان إنّما جاءه المنصب لا بالبيعة ولا بالوصية، إنّما بأُسلوب آخر هذه المرّة، وهي الشورى المدّعاة، واتّبعه المسلمون أيضاً!
والعجيب أنّ عليّاً(عليه السلام) بويع له بالولاية في زمن الرسول(صلّى الله عليه وآله)، ولم تنفذ من الناحية الظاهرية بعد وفاته(صلّى الله عليه وآله)!! ممّا يدلّل على أنّ المقاييس التي حكمت الوضع الإسلامي ليست هي نفسها التي أرادها الرسول(صلّى الله عليه وآله)، فمن بايعوه لم يتّبعوه، ومن حصل على الخلافة ببيعة مدعاة أو نص أو شورى - وهذه الثلاثة لا تمنح لصاحبها حقّاً ما حسب المقياس الإسلامي الصحيح كما قلنا - أقروا له بها وأطاعوه!!

السؤال الثاني: لماذا لم يدعوهم الإمام عليّ(عليه السلام) لإمامته.

والجواب: من قال ذلك؟! حيث يمكن القول:
أوّلاً: قد دعاهم الرسول(صلّى الله عليه وآله) في مواطن كثيرة للالتزام بإمامة عليّ(عليه السلام) استغرقت زمناً بعمق تاريخ الدعوة من يومها الأوّل إن لم نقل بأوّل ساعة منه، إلى آخر يوم فيها إن لم نقل في آخر ساعة منه(7), وتوّجها بيوم الغدير، وأخذ البيعة لعليّ(عليه السلام) بعد نصب الفسطاط له، وإيجاب السلام عليه بإمرة المؤمنين، وكان أوّل الداخلين عليه الخليفتان الأوّل والثاني وبايعاه، وقال عمر في ذلك كلاماً بقي شاهداً عليهم ما بقي الدهر واستمر العصر(8).

ثانياً: ودعاهم عليّ(عليه السلام) في أوّل أيام غصب الخلافة عندما أرادوا أخذ البيعة منه كرهاً، ويوم الشورى أيضاً، بل إنّ جملة مواقف الإمام(عليه السلام) التي وقفها قبال من تسنّم مسند الخلافة، وقبال أُسلوب إدارتها، هو بالواقع عين الدعوة للناس بالنظر إلى حقّه والرجوع إلى إمامته والقول بها.

ثالثاً: إنّ دعوة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) وإعلانه المكرّر على خلافته وإمامته الذي كان يصدر منه كلّما سنحت الفرصة لا يأتي إلاّ تحصيلاً للحاصل, فالمسلمون عارفون بتلك الخلافة، وهاتيك الإمامة، وقد اتخمت أذانهم بنداءات الرسول(صلّى الله عليه وآله) بها، وأشبعت نفوسهم بضرورتها، ولكن...

رابعاً: ترك الإمام(عليه السلام) أُسلوب الفعل العملي والإصرار على خلع الواضع لنفسه خليفة ولو بالسيف إنّما يأتي من باب الالتزام بوصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في ذلك، ومن باب الخوف على الأُمّة من الارتداد عن الإسلام، فقبل الإمام(عليه السلام) بأهون الضررين، وأخفّ الشرّين، من باب التزاحم وتقديم الأهمّ، وهو بقاء الرسالة وديمومة الدين، ولو بحدّه الأدنى وبنوعه الشكلي على المهم، وهو حقّه في قيادة المجتمع وخلافة رسول الله(صلّى الله عليه وآله).

خامساً: إنّ عدم دعوة الإمام(عليه السلام) لنفسه كخليفة وعدم مطالبته لحقّه - لو سلّمنا به حسب الدعوى - لا تخرجه بالمرّة عن مهام الخلافة ووظيفة الإمامة! لقولنا بأنّ خلافة الإمام(عليه السلام) وإمامته بجعل شرعي لا بتنصيب بشري وفق معتقداتنا بأهل البيت(عليهم السلام) أهل العصمة والطهارة والإمامة، وعدم بيعة الناس له وعدم مطالبته بحقّه لا تعفيه من منصبه ولا تقيله من مسؤولياته وفق مبنى كون الإمامة بالجعل لا بالترشيح والانتخاب؛ فتأمل في ذلك!

السؤال الثالث: هل قال الإمام(عليه السلام) للناس بأن يبايعوا أبا بكر وعمر وعثمان؟
والجواب عليه:

أوّلاً: أنّه لم يؤثر عنه ذلك حتّى نعتمده كدليل على هذا المدّعى، وعدم الدليل دليل العدم كما يقول الفلاسفة.

ثانياً: أنّه بنفسه لم يبايع، فعدم بيعته للخليفة ودعواه أنّها حقّه الشرعي دليل على ضرورة أن يكون موقف أصحابه كموقفه في عدم البيعة، لقوله(عليه السلام): (ألا وإنّ لكلّ مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه...)(9).

ثالثاً: إنّ أتباعه فعلاً لم يبايعوا واعتصموا، ولاقوا في سبيل ذلك الأمرّين، وقد اعتصموا معه في بيت فاطمة(عليها السلام)، ومن بايع منهم فيما بعد فقد بايع مكرهاً، وحتّى لو فرضنا أنّ الإمام(عليه السلام) سمح لهم بالبيعة بعد الإكراه، فهذا أوّلاً دالّ على الجواز لا الوجوب, وثانياً: مقتضاه ما أسلفنا من ضرورة تقديم الأهمّ على المهم، وثالثاً: غرضه الحفاظ على رجال يكون لهم شأن في نشر الإسلام في الغد والمحافظة عليه.

رابعاً: سيكون أمره(عليه السلام) بالبيعة لغيره نقضاً لبيعته أوّلاً، أو تحميل الآخرين بيعتين في آن واحد! وهذا ممتنع، ثانياً: إعطاء مشروعية لغيره الذي بايعوه - أبا بكر -، ثالثاً: وهذا ممّا لا يراه الإمام(عليه السلام) أقلاًّ لقوله: (لقد تقمّصها ابن أبي قحافة...)(10).

خامساً: إنّ أتباعه احتجّوا على الخليفة الأوّل بحقّ عليّ(عليه السلام) في الخلافة وبطلان خلافته هو(11)، ولو كانوا مأمورين بالبيعة كيف يصحّ منهم الاحتجاج؟!

السؤال الرابع: كيف خالفوا الرسول(صلّى الله عليه وآله) في عدم بيعتهم عليّاً(عليه السلام)؟

وجواب هذا السؤال بات واضحاً ممّا سبق، وممّا أثبته التاريخ وكتب السيرة من سوابق مخالفاتهم للرسول(صلّى الله عليه وآله) في حياته، وتفصيل ذلك في العديد من أجوبتنا تحت عنوان الإمام عليّ(عليه السلام)؛ فراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: سنن الترمذي 5: 297 كتاب المناقب، باب مناقب عليّ(ع) الحديث (3798)، مسند أبي يعلى 1: 419 الحديث (550)، المستدرك على الصحيحين 3: 124، تاريخ بغداد، للخطيب 14: 322، تاريخ مدينة دمشق 42: 449 ترجمة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام).
(2) انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 526 كتاب الفضائل، باب (32) الحديث (1 - 3)، مسند أحمد 2: 163، 5: 197، 6: 442، سنن ابن ماجة 1: 55 الحديث (156)، سنن الترمذي 5: 334 الحديث (3889)، المستدرك على الصحيحين 3: 342، 4: 480.
(3) الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 176، الغارات، للثقفي 1: 309، شرح نهج البلاغة 9: 305 خطبة (173)، و11: 109 (211).
(4) انظر: تفسير السمعاني 1: 363 - 365، تفسير البغوي 1: 358، تفسير النسفي 1: 182.
(5) انظر: تفسير الثعلبي 5: 23، تفسير السمعاني 2: 298 أبواب الفتن، باب (16).
(6) انظر: مسند الطيالسي: 191، المصنّف، للصنعاني 11: 369 الحديث (20763)، مسند الحميدي 2: 375، المصنّف، لابن أبي شيبة 8: 634 الحديث (267)، مسند أحمد 5: 218 حديث أبي واقد الليثي، سنن الترمذي 3: 321 الحديث (2217)، صحيح ابن حبّان 15: 94.
(7) ذكر العلاّمة الحلّي في كتابه نهج الحقّ: 212 - 231 (28) مورداً منها، وانظر: مناقب ابن المغازلي: 94 الحديث (114، 212)، مسند أحمد بن حنبل 1: 111، و4: 438، صحيح البخاري 4: 208، و5: 129، و 7: 120، وصحيح مسلم 7: 120، 121، المعجم الكبير، للطبراني 6: 221.
(8) انظر: المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 503 الحديث (55) كتب الفضائل، فضائل عليّ(ع)، مسند أحمد بن حنبل 4: 281، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 42: 230 - 234، تاريخ بغداد، للخطيب 8: 284، تفسير الثعلبي 4: 92.
(9) نهج البلاغة 3: 70 من كتابه إلى عثمان بن حنيف رقم (45).
(10) نهج البلاغة 1: 30 خطبة (3) المعروفة بالخطبة الشقشقية.
(11) الخصال، للصدوق 1: 461 - 465 أبواب الاثني عشر، الطبقات، لابن سعد 5: 137.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال