الاسئلة و الأجوبة » الإمامة الخاصّة(إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)) » تحديد إمامة عليّ(عليه السلام) يوم الدار ولا معارض لها


المطيري / الكويت
السؤال: تحديد إمامة عليّ(عليه السلام) يوم الدار ولا معارض لها

هناك شبهات تحاك من قبل بعض الباحثين السلفيين، وهي: التضارب والتناقض في الروايات المختصّة بشأن الإمامة والخلافة بعد الرسول محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي كالآتي:

والتناقض في الروايات:
أوّلاً: (إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعا بني عبد المطّلب، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعبّاس، وأبو لهب، وكان قد أولَم لهم، وبعد أن أكلوا وشربوا، قال: يا بني عبد المطّلب! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني يكن أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي؟
فأحجم القوم جميعاً إلاّ عليّاً؛ قال: أنا يا نبيّ الله. فأخذ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برقبته، وقال: هذا أخي ووزيري ووصيّي ووارثي وخليفتي من بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا).
هذا الحديث صحيح باعتراف أغلب علمائنا، وذكره التيجاني في كتابه أيضاً.

وهذا الحديث طويل، وهو: أنّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: كنت نائماً بالحجر، إذ أتاني جبرئيل فحركني تحريكاً لطيفاً، ثمّ قال: عفا الله عنك يا محمّد، قم واركب فَفِد إلى ربّك، فأتاني بالبراق فركبت - ثمّ ذكر ما لاقاه في مسيره.. - إلى أن قال ــ: فإذا أنا برجل أبيض الوجه، جعد الشعر، فقال لي: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ - ثلاث مرّات - عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، قال: لما جزت الرجل وانتهيت إلى بيت المقدس، إذا أنا برجل أحسن الناس وجهاً، وأتم الناس جسماً، وأحسن الناس بشرةً، فقال: يا محمّد، احتفظ بالوصيّ - ثلاث مرّات - عليّ بن أبي طالب المقرّب من ربّه، الأمين على حوضك صاحب شفاعة الجنّة... ثمّ ذكر بقية القصّة، وفي نهايتها قال لـه جبرئيل: الذين لقيتهما في الطريق وقالا لك: احتفظ بالوصيّ، كانا عيسى وآدم(عليهما السلام). (كشف اليقين: 83، البحار 18/390، 37/314).

ومن هنا نرى في الحديث الأوّل أنّ النبيّ أعلن أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) هو الوصيّ ونصّ عليه، ولكن في الحديث الثاني: أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يعرف وصيّه ويسأل جبرئيل(عليه السلام)؛ إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: إنّي لمّا بلغت بيت المقدس في معراجي إلى السماء وجدت على صخرتها: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، أيّدته بوزيره ونصرته به، فقلت: يا جبرئيل، ومن وزيري؟ فقال: عليّ بن أبي طالب!!! (كشف اليقين: 83، البحار 18/390، 37/314).
الرسول هنا يتّضح أنّه لم يعرف وصيّه؛ أين ذهب حديث بني عبد المطّلب؟

نأتي إلى الرواية الأُخرى المناقضة: إنّ جابر بن عبد الله الأنصاري(رضي الله عنه) سأله عن وصيّه من بعده، فأمسك عنه عشراً لا يجيبه، ثمّ قال له: يا جابر، ألا أُخبرك عمّا سألتني؟ فقلت: بأبي أنت وأُمّي، والله لقد سكتَّ عني حتّى ظننت أنّك وجدت عَلَيَّ. فقال: ما وجدت عليك يا جابر، ولكن كنت أنتظر ما يأتيني من السماء، فأتاني جبرئيل(عليه السلام) فقال: يا محمّد، ربّك يقول: إنّ عليّ بن أبي طالب وصيّك، وخليفتك على أهلك وأُمّتك. (أمالي الطوسي: 193، أمالي المفيد: 99، البحار 38/114، إثبات الهداة 2/96).
وهنا أنّ النبيّ لا يعرف ويسأل عن وصيّه!

ورواية أُخرى في غزوة الخندق: إنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: لمّا انتدب عمروٌ للمبارزة، وجعل يقول: هل من مبارز؟ والمسلمون يتجاوزون عنه، فركز رمحه على خيمة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقال: أبرز يا محمّد. فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي؟ فنكل الناس عنه، فقال: أُدن منّي يا عليّ، فنزع عمامته السحاب من رأسه وعمّمه بها وأعطاه سيفه، وقال: امض لشأنك، ثمّ قال: اللّهمّ أعنه.
وروي أنّه لما قتل عمراً أنشد أبياتاً منها:

قد قال إذ عمّمني عمامة ***** أنت الذي بعدي له الإمامة. (البحار 41/88)

هنا لماذا الرسول يخاف على الإمام من الموت وهو يعلم أنّه بعده في الإمامة والخلافة! ألم يخبر في السماء أو في حديث بني عبد المطّلب؟!
من هنا يوجد تضارب في الروايات.

الجواب:

الأخ المطيري المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أعلن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الدار وصيّه هو عليّاً(عليه السلام)، وهو حديث صحيح متّفق عليه، وأمّا الروايات الأُخرى فلا يصحّ المعارضة بها إلاّ إذا صحّ سندها، ولو فرض صحّة السند فلا بدّ من فهمها بما ينسجم مع ذلك، بمحاولة الجمع، وإلاّ فنعوّل على المرجّحات في باب التعارض، وكلّ ما ذكرت من الروايات لا تعارض رواية يوم الدار لصحّة سندها والاتّفاق عليها بين الطرفين.. ومع ذلك فإنّا نبيّن بعض الأُمور ليتّضح حال هذه الروايات.

أمّا رواية الإسراء والمعراج، التي أرودها ابن طاووس في (اليقين)، وعنه المجلسي في (البحار)(1)، فإنّ العبارة التي وردت على لسان الأنبياء هي: الوصية بحفظ عليّ(عليه السلم)، لا الإخبار بوصيّته، وهناك فرق واضح بين المعنيين، فالنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم بأنّ وصيّه عليّاً(عليه السلام)، والأنبياء دائماً يوصونه برعايته وحفظه من أن يصيبه ما يمنع من بقائه إلى حين تسلّمه الوصية.. هذا طبعاً بعد قبول الرواية واعتبارها من جهة السند.

وأمّا العبارة الأُخرى والتي فيها الاستفهام من جبرئيل، فلم ترد في رواية (اليقين)، وإنّما وردت في رواية وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام)، رواها الصدوق في (من لا يحضره الفقيه)(2)، و(الخصال)(3).

وعلى كلّ حال، فإنّ زمن وقوع الإسراء والمعراج مختلف فيه، هل حصل في سنوات البعثة الأُولى - وهو الأصحّ - أم كان متأخّراً قبل الهجرة؟ فلو فرض تقدّم الإسراء والمعراج على واقعة يوم الدار، فلا مشكلة أصلاً، وإثبات تقدّم الدار على زمن الإسراء والمعراج لا سبيل إليه.
ولو فرضنا فرضاً أنّ يوم الدار كان متقدّماً والإسراء والمعراج متأخّراً فالسؤال عن الوزارة يكون من أجل توثيق ذلك على لسان جبرائيل، فهو(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عالم بأنّ وزيره هو عليّ(عليه السلام) ولكن أراد استبيان ذلك من جبرائيل تأكيداً لما هو معلوم عنده.. أو: أنّ سؤاله كان ليعلم أنّ أهل السماء هل يعلمون بوصيّه ووزيره كما يعلم هو؟ وما ينقل لنا من كلام عن عالم الملكوت، هو انعكاس تصوّري تقريبي في عالم الملك، وإلاّ فالأغراض والغايات وكيفيات الكلام تختلف هناك عمّا هو حاصل هنا تبعاً لاختلاف العلاقات وكيفيتها في العالمين.

وأمّا رواية جابر بن عبد الله الأنصاري، فإنّها لا تعارض رواية يوم الدار؛ لِما في سندها من مجاهيل، ومع ذلك فإنّ سكوت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن جواب جابر لم يكن لعدم علمه بوصيّه، وإنّما كان انتظاراً لإذن السماء بالإخبار، فما هو إلاّ وحي يوحى.. وهذا هو طريق الجمع بين الروايتين، لو قبلنا رواية جابر سنداً.

أمّا الرواية الأخيرة، فعلى ما في سندها من إرسال، فهي ليست الرواية الوحيدة في قصّة قتل عمرو بن ودّ يوم الأحزاب وما جرى فيه، وليس فيها أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يخاف على عليّ(عليه السلام) القتل، وإنّما كان يقول له: (إنّه عمرو بن ودّ)، إشارة لما معروف عنه من قوّته وشجاعته ليري المؤمنين استعداد عليّ(عليه السلام)، ويمتحن إصراره وتحفّزه لمبارزته، وإلاّ فمن البعيد أن يعتقد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ هناك في الجيش من هو أكفأ لعمرو بن ودّ من عليّ(عليه السلام) بعدما فعل في بدر وأحد، ولكن كان يريد ان يمتحن المسلمين، كما كانت عادته في عدّة مواقف، منها: خيبر وغيرها.

مع أنّ العلم بأنّ الوصيّ هو عليّ(عليه السلام) لا يمنع أن يحصل له القتل قبل ذلك، فتنقلب الموازين ويحصل البداء في ذلك؛ إذ أنّ الأقدار بشرائطها، فإنّ العلم بالعاقبة لا يردّ حدّ السيف ويجعله لا يمضي في جسد عليّ(عليه السلام)، ولعلّ هذا هو معنى وصيّة الأنبياء بالاحتفاظ بعليّ(عليه السلام)، وكذلك كان عليّ(عليه السلام) يحافظ على الحسن والحسين(عليهما السلام) من القتل على الرغم من علمه بأنّهما إمامين من بعده.

وأمّا قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من يقوم إلى مبارزته فله الإمامة بعدي)(4)، فهو أوّلاً لإظهار أنّ الإمامة ليست جزافية، وهو يعلم أن لا يبارزه إلاّ عليّ(عليه السلام).
وثانياً: لأجل التعريض بالذين يستصغرون عليّاً(عليه السلام) ولا يجدونه أهلاً للخلافة!
وثالثاً: إظهار لما لهذا الموقف من آثار واستحقاقات مستقبلية في الإسلام.
ودمتم في رعاية الله

(1) اليقين: 288 في ما نذكره عن محمّد بن العبّاس بن مروان في تسمية جبرائيل وبعض الأنبياء عليّاً أمير المؤمنين، بحار الأنوار 18: 390، 37: 313.
(2) من لا يحضره الفقيه 4: 374 الحديث (5762) باب النوادر، وهو آخر الأبواب.
(3) الخصال: 207 الحديث (27) باب الأربعة.
(4) انظر: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2: 334.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال