الاسئلة و الأجوبة » البناء علی القبور » مناقشة الأحاديث الشيعية في ذلك


هيثم / مصر
السؤال: مناقشة الأحاديث الشيعية في ذلك

الكافي 1/69
عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام:
" بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في هدم القبور وكسر الصور" وسائل الشيعة 2/870
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تتخذوا قبوركم مساجد ولابيوتكم قبوراً" مستدرك الوسائل 2/379
عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال أمير المؤمنين عليه السلام: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى المدينة فقال: " لاتدع صورة إلا محوتها ولاقبراً إلا سوّيته ولاكلباً إلا قتلته" وسائل الشيعة 2/869 و3/62
وحرام محمد (ص) ينقله لنا أهل البيت (رضي الله عنه) عن أبي عبد الله عليه السلام : " لاتتخذوا قبري قبلة ولامسجداً فإن الله لعن اليهود حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" من لايحضره الفقيه 1/128 وسائل الشيعة 2/887
قال الصادق عليه السلام: " كل ماجُعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثُقل على الميّت " من لايحضره الفقيه 1/135 وسائل الشيعة 2/864
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : " من جدّد قبراً أو مثّل مثالاً فقد خرج من الإسلام" من لايحضره الفقيه 1/135 وسائل الشيعة 2/868
وعن علي بن جعفر قال : سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البناء على القبور والجلوس عليها هل يصلُح؟ قال: " لايصلح البناء عليه ولا الجلوس ولا تجصيصه ولا تطيينه" الاستبصار 1/217

الجواب:

الأخ هيثم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يبدو أنك تحب نقل الشبهات المثارة على الشيعة من هنا وهناك دون أي فرز أو رأي أو تبويب، حيث بعثت إلينا الروايات التي تنقل في الانترنيت هنا وهناك من دون أن تسألنا شيئاً أو تبوبها لنعرف الموضوع الذي تريد طرحه!
عموماً فإن أكثر هذه الروايات تتكلم حول البناء على القبور وبعضها يتكلم عن الصلاة إلى القبور أو عند القبور أو اتخاذ القبور مساجد.
وهؤلاء الذي جمعوا هذه الروايات من كتبنا بعد أن بحثوا عن مشابهات لروايات سنية أساؤوا فهمها وتشددوا وتطرفوا بل خالفوا السلف والأئمة عموماً بفهمها،وبعد أن رأوا الشيعة قد ردوها عليهم حينما إستدلّوا بها لكونها روايات سنية لا حجية لها عندنا مطلقاً فجاؤوا يفتشون في كتب الشيعة هنا وهناك عن روايات مماثلة وألفاظ مقاربة كي يلزمونا بها طبقاً لفهمهم السقيم نفسه، فنسوا أو تناسوا أن كل مذهب له قواعده وأسسه ورواياته التي ينبغي مراعاتها كلها والجمع بينهما للوصول إلى الحكم الشرعي المراد وليس انتقاءً لبعض الروايات دون بعض بحسب المزاج وبحسب الهوى وبحسب القناعات المسبقة!
وبالتالي فهذه الروايات محترمة عندنا ولكننا لا نفهمها كما يفهما الوهابي،بل نفهمها كما فهمها سلفكم من الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين دون فهم الوهابية أو ابن تيمية!
فهذه الروايات لا يمكن الاقتصار في فهمها والبت بالحكم فيها بحسب ظواهرها لوجود معارضة أو مبينة تدل على أمور قد لا تفهم من ظواهر الروايات التي نقلتها لنا نذكر منها:

الأول: روى الحر العاملي في (وسائل الشيعة 3/ 203) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قَبرُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) محصب حصباء حمراء).
وروى السنة مثل أبي داود في (سننه 2/84) والحاكم في (مستدركه 1/ 369) وصححه ووافقه الذهبي عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت يا أماه أكشفي لي عن قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وصاحبيه،فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.... (يعني مفروشة عليها الحصى الأحمر).
ورى الشافعي في مسنده والبيهقي في (سننه الكبرى 3/411) عن جعفر بن محمد بن أبيه أن النبي (صلى الله عليه وآله) رش على قبر إبراهيم إبنه ووضع عليه حصباء قال الشافعي: والحصباء لا تثبت إلا على قبر مسطح.

الثاني: روى الكليني والطوسي عن يونس بن يعقوب قال:لما رجع أبو الحسن موسى (عليه السلام) من بغداد ومضى إلى المدينة وماتت ابنة له بفيد فدفنها وأمر بعض مواليه أن يجصص قبرها ويكتب على لوح اسمها ويجعله على القبر.
وورد عند السنة والشيعة أن النبي (صلى الله عليه وآله) وضع حجر على قبر عثمان بن مظعون عند رأسه ليعلمه به ويدفن عنده أهل بيته.
فقد روى أبو داود في (سننه 2/81) وحسنه الألباني السلفي في كتابه (أحكام الجنائز ص155) وحسَّنه الحافظ ابن حجر أيضاً فرووه عن المطلب بن عبد الله قال: لمّا مات عثمان بن مظعون خُرج بجنازته فدُفن فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) رجلاً أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحسر عن ذراعيه... ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال:
(أُعَلِّمُ بها قبرَ أخي وأدفن إليه من مات مِن أهلي).
ورواه عند الخاصة القاضي النعماني (1/239) قال: وعنه (عليه السلام): (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر وقال: يكون علماً لأدفن إليه قرابتي).

الثالث: وورد أيضاً بأن إسماعيل (عليه السلام) قد دفن أمه هاجر في الحجر وحجر عليها وبنى قبرها كي لا توطأ، حيث روى الكليني في (الكافي 4/210) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن إسماعيل دفن أمه في الحجر وحَجَّر عليها لئلا يُوطأ قبر أم إسماعيل في الحجر).
وروى السنة ذلك أيضاً حيث قال الذهبي تلميذ ابن تيمية ومؤرخ السلفية في كتابه (تاريخ الإسلام 1/20): وقال ابن إسحاق: يذكرون أن عُمر إسماعيل بن إبراهيم الخليل مائة وثلاثون سنة وأنه دُفن في الحجر مع أمه هاجر.
فنبي الله إسماعيل وأمه هاجر منذ آلاف السنين مدفونان عند الكعبة وعلى قبورهم حِجر إسماعيل وتدخل قبورهم في طواف الناس حول الكعبة حيث أجمع المسلمون على دخول وإدخال حجر إسماعيل في المطاف.

الرابع: ثم إنه قد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم عن المؤمنين بأنهم أرادوا اتخاذ مسجد عند قبور أصحاب الكهف دون أدنى نكير من الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) حيث قال تعالى على لسان المؤمنين: (( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمرِهِم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَسجداً )) (الكهف:21).
وقد صرح أكثر مفسري السنة بأن الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون أو هو الملك الصالح وجماعته المؤمنين،فقد قال القرطبي في (تفسيره 10/ 379): فقال الملك: إبنوا عليهم بنياناً، فقال الذين هم على دين الفتية: اتخذوا عليهم مسجداً.
وروى أنّ طائفة كافرة قالت: نبني بيعة أو مضيفاً فمانعهم المسلمون وقالوا: (( لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِم مَسجِداً )) وقال ابن كثير تلميذ ابن تيمية في تأريخه ( البداية والنهاية 2/138): وآخرون وهم الغالبون على أمرهم قالوا : (( لنتخذن عليهم مسجداً )) أي معبداً يكون مباركاً لمجاورته هؤلاء الصالحين، وهذا كان شائعاً فيمن كان قبلنا.

الخامس: وحتى علماء السنة بإستشناء الوهابية لم يقولوا بأكثر من الكراهة، ومنهم من أجاز ذلك، والمتشدد منهم حرّمه، ولم يرمِ المسلمين والناس بالشرك.
قال سيد سابق في (فقه السنة 1/554): فبعد أن ذكر عنواناً عن كراهة تجصيص القبر ذكر أحاديث النهي ومنها: عن جابر قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يجصص القبر وأن يُقعد عليه وأن يبنى عليه، رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه،ولفظه: نهى أن تجصص القبور وأن تكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ. وفي لفظ النسائي: أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه.
ثم قال سيد سابق: وقد حمل الجمهور النهي على الكراهة وحمله ابن حزم (الظاهري) على التحريم ولا بأس بتطيين القبور. قال الترمذي: وقد رخّص بعض أهل العلم.. ومنهم الحسن البصري في تطيين القبور. وقال الشافعي: لا بأس به أن يطين القبر.
ثم قال سيد سابق (1/555):وعن جعفر بن محمد عن أبيه (الباقر): (أن النبي (صلى الله عليه وآله) رُفع قبره من الأرض شبراً وطُيِّن بطين أحمر من العرصة وجعل عليه الحصباء).رواه أبو بكر النجاد وسكت الحافظ عليه في التلخيص.
ثم قال سيد سابق:وكما كره العلماء تجصيص القبر كرهوا بناءه بالآجُر أو الخشب أو دفن الميت في تابوت إذا لم تكن الأرض رخوة أو ندية، فإن كانت كذلك جاز دفن الميت في تابوت من غير كراهة.
فعن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر ويستحبون القصب ويكرهون الخشب. وفي الحديث النهي عن الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها.
قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث: الإسناد صحيح وليس العمل عليه.فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم وهو شيء أخذه الخلف عن السلف... ثم قال: ومذهب الحنابلة الكراهة ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا: إذا كان القبر لعالم أو صالح نُدب كتابة اسمه عليه وما يميزه ليُعرّف.
ويرى المالكية: إنّ الكتابة إن كانت قرآناً حرمت وإن كانت لبيان أسمه أو تاريخ موته فهي مكروهة.
وقال الأحناف: إنه يُكرهُ تحريماً الكتابة على القبر إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يُكره. وقال ابن حزم (الظاهري): لو نُقش أسمه في حجر لم نكره ذلك.
وفي الحديث النهي عن زيادة تراب القبر على ما يخرج منه، وقد بَوَّب على هذه الزيادة البيهقي فقال: ((باب لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع)).قال الشوكاني: وظاهره أنّ بالزيادة عليه، الزيادة على ترابه. وقيل: المراد بالزيادة عليه أن يُقبر على قبر ميت آخر. ورجح الشافعي المعنى الأول فقال: يُستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أُخرج منه... فإن زاد فلا بأس به (يعني جائز)!

السادس: وقبر موسى (عليه السلام) كان تحت الكثيب الأحمر كما يروي لنا البخاري (4/131) ومسلم (7/100) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يرشدهم إلى ذلك القبر، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر).
والكثيب هو: الرمل المجتمع كما قاله ابن حجر، وهو: الرمل الكثير المجتمع كما قال العيني.

السابع: وورد عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) بأنها كانت تزور قبر عمها الحمزة (عليه السلام)، فتعلمه بحجر، وكذلك ترممه وتصلحه، فقد روى عمر بن شبة في (تاريخ المدينة 1/132) وابن سعد في (الطبقات الكبرى 3/19) عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) بسندين أثنين قال: إن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت تزور قبر حمزة تُرمّه وتصلحه وقد تعلمته بحجر ـ وعند عبد الرزاق في (مصنفه 3/574) بلفظ وكانت قد وضعت عليه علماً تُعَرِفُه. وعند ابن عبد البر في (التمهيد 324) بلفظ: وعلمته بصخرة. وقد قال القرطبي في (تفسيره 10/381): وقال الشافعي: لا بأس أن يُطيَّن القبر وقال أبو حنيفة: لا يجصص القبر ولا يطين ولا يُرفع عليه بناءً فيسقط.
ولا بأس بوضع الأحجار لتكون علامة لما رواه أبو بكر الأثرم.... عن جعفر بن محمد قال: كانت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) تزور قبر حمزة كل جمعة وعلمّته بصخرة.
ذكره أبو عمر (ابن عبدالبر).
فكثيب الرمل والتعليم بالحجارة ووضع الحصى والحجارة الصغيرة فوق القبر لا نعتقد بأنه أخف وزناً من التراب إن لم يكن أثقل،وكذلك لا نعتقد بأنه من نفس القبر بل هو مضاف عليه منقول إليه، وبذلك يثبت أن هذه الرواية لم يُعمل بها أو أنها خاصة بالتراب أو تحمل على الكراهة على أقصى تقدير.

الثامن: قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله): فهو في داخل بناء حجرته الشريفة وداخل المسجد النبوي الشريف وبُنيت عليه قبة خضراء عامرة أدامها الله تعالى.
بل صلّى الصحابة والتابعون عند قبره الشريف وفي حجرته الشريفة حينما اكتض المسجد بهم فاتصلت صفوف المصلين في المسجد وفي حُجَر نساء النبي (صلى الله عليه وآله) كما رواه مالك في (المدونة الكبرى/لابن سحنون 1/152) و(تلخيص الحبير/لابن حجر 4/479) و(السنن الكبرى/للبيهقي 3/111).
قال مالك حدثني غير واحد ممن أثق به: إنّ الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فيصلون فيها الجمعة قال: وكان المسجد يضيق على أهله فيتوسعون بها، وحجر أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) ليست من المسجد ولكن أبوابها شارعة في المسجد.
فهذه الرواية صريحة في صلاة الصحابة والتابعين عند قبر رسول الله(ص) خصوصاً مع قول النووي وغيره من أن حجرة عائشة هي التي كانت شارعة على المسجد، أما سائر حجر نساء النبي (صلى الله عليه وآله) فكانت بخلاف ذلك.
قال ابن حجر في (تلخيص الحبير 4/479): (قوله) إن بيوت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) كانت مختلفة فمنها ما هو بجنب المسجد ومنها ما هو بخلافه... وتبعه النووي في (شرح المهذب) فقال: كان بيت عائشة إلى المسجد ومعظم البيوت بخلافه.
وكذلك فإن عائشة كانت تصلي في حجرتها عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وأبيها وعمر ولم يُنقل أنها كانت تخرج لتصلي.
فالحجرة الشريفة والقبر الشريف في قبلة بعض المصلين في المسجد النبوي الشريف ممن يكونون على يسار الإمام فهؤلاء يصلّون وهو في قبلتهم وبين أيديهم.

التاسع: الصحابي أنس بن مالك صلى وأمامه قبر كما روى ذلك البخاري (1/110): رأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبرٍ فقال: القبر القبر! ولم يأمره بالإعادة.
وفاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تزور قبر عمها حمزة فتصلي عنده.
فقد روى الحاكم في (مستدركه على الصحيحين 3/377): إن فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده.قال الحاكم: وهذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات وأقره الذهبي ونقله البيهقي أيضاً في (سننه الكبرى 4/78).

العاشر: روى البخاري أيضاً (2/90) عن فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) زوجة الحسن المثنى:
لما مات الحسن بن الحسن بن علي ضربت امرأته قبة على قبره سنة.
وكذلك روى البخاري (2/98) باب الجريد على القبر وذكر أن ابن عمر رأى فسطاطاً على قبر عبد الرحمن فقال انزعه يا غلام فإنما يُظله عمله. فوضعوا الجريد ووضعوا الفسطاط والقبة والخيمة ولم يقل ابن عمر أنه حرام ولم ينسب هذا النهي للنبي (صلى الله عليه وآله) وإنما كان رأيه أن عمله سيكفيه ويريحه.
بل صرح ابن حجر أن من وضع ذلك الفسطاط (بيت من الشعر) هي عائشة فقال في (فتح الباري 3/177): عن ابن سعد في طبقاته: قدمت عائشة ذا طوى حين رفعوا أيديهم عن عبد الرحمن بن أبي بكر فأمرت بفسطاط فضُرب على قبره ووكلت به إنساناً وارتحلت فقدم ابن عمر فذكر نحوه....
وروى البخاري أيضاً في نفس الباب (2/98) وقال: وقال خارجه بن زيد رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان وإنَّ أَشدَّنا وثبةً الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه.
وهذا يكشف عن ضخامة وكبر قبره (رضوان الله عليه)، ويدل على وضع شيء عليه، مثل الصخرة التي جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) علامة على قبره بل حملها بيده الشريفة.
وهذا الأثر عن خارجه الذي يضرب لنا مثلاً على ارتفاع القبر وكبره بقبر عثمان بن مظعون فيدلنا ذلك على وجود شيء قد أضيف فوق تراب القبر سواء كان تراباً مضافاً أو حجر أو صخرة كبيرة أو بناء.

ونختم هذا الرد العام وهذا البيان في هذا الشأن بذكر جهل هؤلاء وكشف شذو ذهم ومخالفتهم لإجماع الأمة ونكتفي في الرد عليهم في فهم ما أوردوه علينا من روايات بفهم علماء السنة دون الشيعة لورود نفس ما أوردوه عندهم وقد فهمه جمهور علمائهم ـ إن لم ندّع الإجماع فقد يوجد شاذ هنا أو هناك ـ فهماً موافقاً لفهم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لهذه الأحاديث، فنذكر الآن بعض ما ذكره العلماء المحققون المعتبرون عند إخواننا أهل السنة، لعل هؤلاء أن يرعووا ويفيقوا ويتركوا التهريج والتشويش والتدليس والتشدد والشذوذ وإتباع المتشابهات وترك المحكمات.
فنقول وبالله التوفيق:

1ـ إن الصلاة عند قبور الصالحين وبناء المسجد بجوارها أمر مقبول عند محققي المسلمين كالحافظ ابن حجر العسقلاني حيث قال في (فتح الباري 1/438): قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك، فأما من أتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرك بالقرب منه لا التعظيم له ولا التوجه نحوه ، فلا يدخل في ذلك الوعيد.
بعد ما نقلناه عن ابن حجر من قول البيضاوي وفهمه لأحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد. فقد وافقهُ ابن حجر حيث قال في فتحه بعد ذلك (1/440): وفيه كراهية الصلاة في المقابر، سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه. (ثم قال):
لكن جمع بعض الأئمة بين عموم قوله(ص) (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) وبين أحاديث الباب: (يقصد: لعن الله اليهود... اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).بحملها على كراهة التنزيه وهذا أولى والله العالم.

2ـ ونقل السيوطي في (تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك ص 189) عن ابن عبد البر المحدث المالكي قوله: قيل معناه النهي عن السجود على قبور الأنبياء وقيل النهي عن اتخاذها قبلة يصلّى إليها.
وقد وجدنا نص كلام ابن عبد البر في (التمهيد 6/383) حيث قال: عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قال: في هذا الحديث إباحة الدعاء على أهل الكفر وتحريم السجود على قبور الأنبياء،وفي معنى هذا أنه لا يحل السجود لغير الله عز وجدل ويحتمل الحديث أن لا تُّجعل قبور الأنبياء قبلة يصلى إليها....
ثم قال ابن عبد البر: وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يدل على كراهية الصلاة في المقرة وإلى القبور؛ وليس في ذلك عندي حجة وقد مضى القول في الصلاة إلى القبور في باب زيد بن أسلم.

3ـ ونقل ابن قدامة المقدسي الحنبلي شبه الإجماع على كراهة الصلاة في المقبرة وعند القبور حيث قال في (المغني 1/ 716): اختلفت الرواية عن أحمد في الصلاة في هذه المواضع فروي أن الصلاة لا تصح فيهما بحال وممن روي عنه أنه كره الصلاة في المقبرة: علي وابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وابن المنذر.... وعن أحمد رواية أخرى: أن الصلاة في هذه صحيحة ما لم تكن نجسة وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي لقوله (عليه السلام): (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ، وفي لفظ(فحيثما ادركتك الصلاة فصلّ فإنه مسجد).وفي لفظ ( أينما أدركتك الصلاة فصلِّ فإنه مسجد) متفق عليه، ولأنه موضع طاهر فصحّت الصلاة فيه كالصحراء ... ثم قال ابن قدّامة (1/717) : أما إذا كان فيها قبر أو قبران لم يمنع من الصلاة.فيها لأنه لا يتناولها الاسم، وإن نُقلت القبور منها جازت الصلاة فيها لزوال الاسم، ولأن مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت فيه قبور المشركين فنبشت متفق عليه.

4ـ وننهي البحث بكلام نفيس للقرطبي في (تفسيره 10/50) حيث قال:
وبقوله (صلى الله عليه وآله): (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهراً من الأنجاس. وقال (صلى الله عليه وآله) لأبي ذر: (حيثما ادركتك الصلاة فصلِّ فإن الأرض كلها مسجد) ذكره البخاري ولم يخص موضعاً من موضع. ثم قال القرطبي (10/52): وحسبك بمسجد النبي (صلى الله عليه وآله) الذي أُسس على التقوى مبنياً في مقبرة المشركين، وهو حجة على كل من كَرَه الصلاة فيها.
وممن كره الصلاة في المقبرة (عموماً) الثوري أجزأه إذا صلى في المقبّرة في موضع ليس فيه نجاسة، للأحاديث المعلومة في ذلك، ولحديث أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً) لحديث أبي مرثد الغنوي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها). وهذان حديثان ثابتان من جهة الإسناد، ولا حجة فيهما، لأنهما محتملان للتأويل، ولا يجب أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل التأويل.
نقول: وكل الأحاديث التي أوردوها تحتمل التأويل كما بيّن ذلك العلماء فلا يمكن إلزام الناس بفهمهم حد الشاذ والسقيم.
ودمتم في رعاية الله


امين / ايران
تعليق على الجواب (1)
انا كشيعي لم أحصل على إجابة شافية. فقط ذكرتم الروايات السنية المؤيدة للجواز ولم توضحوا ما المراد من هذه الروايات الشيعية المذكورة في السؤال واحدة واحدة
الجواب:
الأخ أمين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم يستفد الفقهاء من النهي الوارد في الاحاديث الشيعية الحرمة، بل استفادوا من بعض الروايات الكراهة، فالنهي ليس دائما يدلّ على الحرمة، بل قد يدل على الكراهة، وذلك عندما يعثر الفقيه على روايات تجوز خلاف ما هو منهي عنه فيحمل النهي على الكراهة.
وذكرنا للروايات السنية من اجل ايضاح فهم المخالفين لها، فكما فهمها المخالفون من السلف نحن ايضا نفهمها، هكذا اردنا القول، فراجع.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال