الاسئلة و الأجوبة » فدك » هل يصح معارضة الكتاب برواية أبي بكر؟!


مهدي حسين
السؤال: هل يصح معارضة الكتاب برواية أبي بكر؟!

في مناقشة حول غضب الزهراء سلام الله عليها على أبي بكر بعث لي مسؤول احد المواقع السنية ملفاً وقال لي أنه فيه الجواب وبعدما فتحت الموقع وجدت صفحة طويلة, الحمد لله قمت بالرد على بعض ما جاء فيها ولكن الذي استوقفني هو بعض الامور:

*************************

يقول الشيعة بان ابا بكر قد خالف الاية التي تقول في سورة النساء ﴿ يوصيكم الله في اولادكم ﴾...الاية ويحتجون باية ﴿ وورث سليمان داوود ﴾ واية دعاء زكريا لربه ان يهبه وريثا
والجواب على ذلك ان الاية لا تفيد العموم كما ان الارث في قصة سليمان وزكريا عليهما السلام لا تفيدان ارث المال وأخذ الشيعة بالعموم وعدم الاستثناء وطعنوا بذلك على أبـي بكر الصديق حيث لم يورث الزهراء رضي الله تعالى عنها من تركة أبيها صلى الله عليه وسلم حتى قالت له بزعمهم: يا ابن أبـي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبـي أي إنصاف هذا، وقالوا: إن الخبر لم يروه غيره وبتسليم أنه رواه غيره أيضاً فهو غير متواتر بل آحاد، ولا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد بدليل أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رد خبر فاطمة بنت قيس أنه لم يجعل لها سكنى ولا نفقة لما كان مخصصاً لقوله تعالى: ﴿ أسكنوهن ﴾ (الطلاق:6) فقال: كيف نترك كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم, بقول امرأة.
فلو جاز تخصيص الكتاب بخبر الآحاد لخصص به ولم يرده ولم يجعل كونه خبر امرأة مع مخالفته للكتاب مانعاً من قبوله، وأيضاً العام - وهو الكتاب - قطعي، والخاص - وهو خبر الآحاد - ظني فيلزم ترك القطعي بالظني. وقالوا أيضاً: إن مما يدل على كذب الخبر قوله تعالى: ﴿ وورث سليمان داود ﴾ (النحل:61) وقوله سبحانه حكاية عن زكريا عليه السلام: ﴿ فهب لي من لدنك ولياً * يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ (مريم:5-6) فإن ذلك صريح في أن الأنبياء يرثون ويورثون.
والجواب أن هذا الخبر قد رواه أيضاً حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وأبو الدرداء وأبو هريرة والعباس وعلي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وقد أخرج البخاري عن مالك بن أوس بن الحدثان أن عمر بن الخطاب قال بمحضر من الصحابة فيهم علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام وسعد بن أبـي وقاص: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: لا نورث ما تركناه صدقة؟ قالوا: اللهم نعم، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدكما بالله تعالى هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال ذلك؟
قالا: اللهم نعم، فالقول بأن الخبر لم يروه إلا أبو بكر لا يلتفت إليه، وفي كتب الشيعة ما يؤيده، فقد روى الكليني في ((الكافي)) عن أبـي البختري في الكافي عن أبـي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر)) وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة فيعلم أن الأنبياء لا يورثون غير العلم والأحاديثوقد ثبت أيضاً بإجماع أهل السير والتواريخ وعلماء الحديث أن جماعة من المعصومين عند الشيعة والمحفوظين عند أهل السنة عملوا بموجبه فإن تركة النبـي صلى الله عليه وسلم لما وقعت في أيديهم لم يعطوا منها العباس ولا بنيه ولا الأزواج المطهرات شيئاً ولو كان الميراث جارياً في تلك التركة لشاركوهم فيها قطعاً، فإذا ثبت من مجموع ما ذكرنا التواتر فحبذا ذلك لأن تخصيص القرآن بالخبر المتواتر جائز اتفاقاً وإن لم يثبت وبقي الخبر من الآحاد فنقول: إن تخصيص القرآن بخبر الآحاد جائز على الصحيح وبجوازه قال الأئمة الأربعة، ويدل على جوازه أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خصصوا به من غير نكير فكان إجماعاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ (النساء:42) ويدخل فيه نكاح المرأة على عمتها وخالتها فخص بقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ لا تنكحوا المرأة على عمتها ولا على خالتها ﴾ والشيعة أيضاً قد خصصوا عمومات كثيرة من القرآن بخبر الآحاد فإنهم لا يورثون الزوجة من العقار ويخصون أكبر أبناء الميت من تركته بالسيف والمصحف والخاتم واللباس بدون بدل كما أشرنا إليه فيما مر، ويستندون في ذلك إلى آحاد تفردوا بروايتها مع أن عموم الآيات على خلاف ذلك، والاحتجاج على عدم جواز التخصيص بخبر عمر رضي الله تعالى عنه مجاب عنه بأن عمر إنما رد خبر ابنة قيس لتردده في صدقها وكذبها، ولذلك قال بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، فعلل الرد بالتردد في صدقها وكذبها لا بكونه خبر واحد وكون التخصيص يلزم منه ترك القطعي بالظني مردود بأن التخصيص وقع في الدلالة لأنه دفع للدلالة في بعض الموارد فلم يلزم ترك القطعي بالظني بل هو ترك للظني بالظني وما زعموه من دلالة الآيتين اللتين ذكروهما على كذب الخبر في غاية الوهن لأن الوراثة فيهما وراثة العلم والنبوة والكمالات النفسانية لا وراثة العروض والأموال، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الأولى منهما كذلك ما رواه الكليني عن أبـي عبد الله أن سليمان ورث داود وأن محمداً ورث سليمان فإن وراثة المال بين نبينا صلى الله عليه وسلم وسليمان عليه السلام غير متصورة بوجه، وأيضاً إن داود عليه السلام - على ما ذكره أهل التاريخ - كان له تسعة عشر ابناً وكلهم كانوا ورثة بالمعنى الذي يزعمه الخصم فلا معنى لتخصيص بعضهم بالذكر دون بعض في وراثة المال لاشتراكهم فيها من غير خصوصية لسليمان عليه السلام بها بخلاف وراثة العلم والنبوة.
وأيضاً توصيف سليمان عليه السلام بتلك الوراثة مما لا يوجب كمالاً ولا يستدعي امتيازاً لأن البر والفاجر يرث أباه فأي داع لذكر هذه الوراثة العامة في بيان فضائل هذا النبـي ومناقبه عليه السلام، ومما يدل على أن الوراثة في الآية الثانية كذلك أيضاً أنه لو كان المراد بالوراثة فيها وراثة المال كان الكلام أشبه شيء بالسفسطة لأن المراد بآل يعقوب حينئذٍ إن كان نفسه الشريفة يلزم أن مال يعقوب عليه السلام كان باقياً غير مقسوم إلى عهد زكريا وبينهما نحو من ألفي سنة وهو كما ترى، وإن كان المراد جميع أولاده يلزم أن يكون يحيـى وارثاً جميع بني إسرائيل أحياءً وأمواتاً، وهذا أفحش من الأول، وإن كان المراد بعض الأولاد، أو أريد من يعقوب غير المتبادر وهو ابن إسحق عليهما السلام يقال: أي فائدة في وصف هذا الولي عند طلبه من الله تعالى بأنه يرث أباه ويرث بعض ذوي قرابته، والابن وارث الأب ومن يقرب منه في جميع الشرائع مع أن هذه الوراثة تفهم من لفظ الولي بلا تكلف وليس المقام مقام تأكيد، وأيضاً ليس في الأنظار العالية وهمم النفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم الفانيواتصلت بحضائر القدس الحقاني ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة حتى يسأل حضرة زكريا عليه السلام ولداً ينتهي إليه ماله ويصل إلى يده متاعه، ويظهر لفوات ذلك الحزن والخوف، فإن ذلك يقتضي صريحاً كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا وما فيها، وذلك بعيد عن ساحته العلية وهمته القدسية، وأيضاً لا معنى لخوف زكريا عليه السلام من صرف بني أعمامه ماله بعد موته أما إن كان الصرف في طاعة فظاهر، وأما إن كان في معصية فلأن الرجل إذا مات وانتقل المال إلى الوارث وصرفه في المعاصي لا مؤاخذة على الميت ولا عتاب على أن دفع هذا الخوف كان متيسراً له بأن يصرفه ويتصدق به في سبيل الله تعالى قبل وفاته ويترك ورثته على أنقى من الراحة واحتمال موت الفجأة. وعدم التمكن من ذلك لا ينتهض عند الشيعة لأن الأنبياء عندهم يعلمون وقت موتهم فما مراد ذلك النبي عليه السلام بالوراثة إلا وراثة الكمالات النفسانية والعلم والنبوة المرشحة لمنصب الحبورة فإنه عليه السلام خشي من أشرار بني إسرائيل أن يحرفوا الأحكام الإل?هية والشرائع الربانية ولا يحفظوا علمه ولا يعملوا به ويكون ذلك سبباً للفساد العظيم، فطلب الولد ليجري أحكام الله تعالى بعده ويروج الشريعة ويكون محط رحال النبوة وذلك موجب لتضاعيف الأجر واتصال الثواب، والرغبة في مثله من شأن ذوي النفوس القدسية والقلوب الطاهرة الزكية، فإن قيل: الوراثة في وراثة العلم مجاز وفي وراثة المال حقيقة،
وصرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز بلا ضرورة، فما الضرورة هنا؟ أجيب بأن الضرورة هنا حفظ كلام المعصوم من التكذيب، وأيضاً لا نسلم كون الوراثة حقيقة في المال فقط بل صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصاً بالمال، وفي أصل الوضع إطلاقه على وراثة العلم والمال والمنصب صحيح، وهذا الإطلاق هو حقيقته اللغوية سلمنا أنه مجاز ولكن هذا المجاز متعارف ومشهور بحيث يساوي الحقيقة خصوصاً في استعمال القرآن المجيد، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ ثم أورثنا الكتاب ﴾ و ﴿ أورثوا الكتاب ﴾ (الشورى:41) إلى غير ما آية.
ومن الشيعة من أورد هنا بحثاً وهو أن النبـي صلى الله عليه وسلم إذا لم يورث أحداً فلم أعطيت أزواجه الطاهرات حجراتهن؟
والجواب أن ذلك مغلطة لأن إفراز الحجرات للأزواج إنما كان لأجل كونها مملوكة لهن لا من جهة الميراث بل لأن النبـي صلى الله عليه وسلم بنى كل حجرة لواحدة منهنّ فصارت الهبة مع القبض متحققة وهي موجبة للملك وقد بنى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مثل ذلك لفاطمة رضي الله تعالى عنها وأسامة وسلمه إليهما؛ وكان كل من بيده شيء مما بناه له رسول الله صلى الله عليه وسلم يتصرف فيه تصرف المالك على عهده عليه الصلاة والسلام، ويدل على ما ذكر ما ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه لما حضرته الوفاة استأذن من عائشة وسألها أن تعطيه موضعاً للدفن جوار جده المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنه إن لم تكن الحجرة ملك أم المؤمنين لم يكن للاستئذان والسؤال معنى وفي القرآن نوع إشارة إلى كون الأزواج المطهرات مالكات لتلك الحجر حيث قال سبحانه: ﴿ وقرن في بيوتكن ﴾ (الأحزاب:33) فأضاف البيوت إليهنّ ولم يقل في بيوت الرسول.
ومن أهل السنة من أجاب عن أصل البحث بأن المال بعد وفاة النبـي صلى الله عليه وسلم صار في حكم الوقف على جميع المسلمين فيجوز لخليفة الوقت أن يخص من شاء بما شاء كما خص الصديق جناب الأمير رضي الله تعالى عنهما بسيف ودرع وبغلة شهباء تسمى الدلدل أن الأمير كرم الله تعالى وجهه لم يرث النبـي صلى الله عليه وسلم بوجه، وقد صح أيضاً أن الصديق أعطى الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة بعضاً من متروكاته صلى الله عليه وسلم وإنما لم يعط رضي الله تعالى عنه فاطمة صلى الله تعالى على أبيها وعليها وسلم فدكاً مع أنها طلبتها إرثاً وانحرف مزاج رضاها رضي الله تعالى عنها بالمنع إجماعاً وعدلت عن ذلك إلى دعوى الهبة، وأتت بعلي والحسنين وأم أيمن للشهادة فلم تقم على ساق بزعم الشيعة، ولم تمكن لمصلحة دينية ودنيوية رآهما الخليفة إذ ذاك كما ذكره الأسلمي في ((الترجمة العبقرية والصولة الحيدرية)) وأطال فيه.
وتحقيق الكلام في هذا المقام أن أبا بكر خص آية المواريث بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره عليه الصلاة والسلام في حق من سمعه منه بلا واسطة مفيد للعلم اليقيني بلا شبهة والعمل بسماعه واجب عليه سواء سمعه غيره أو لم يسمع، وقد أجمع أهل الأصول من أهل السنة والشيعة على أن تقسيم الخبر إلى المتواتر وغيره بالنسبة إلى من لم يشاهدوا النبـي صلى الله عليه وسلم وسمعوا خبره بواسطة الرواة لا في حق من شاهد النبـي صلى الله عليه وسلم وسمع منه بلا واسطة، فخبر ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) عند أبـي بكر قطعي لأنه في حقه كالمتواتر بل أعلى كعباً منه، والقطعي يخصص القطعي اتفاقاً، ولا تعارض بين هذا الخبر والآيات التي فيها نسبة الوراثة إلى الأنبياء عليهم السلام لما علمت، ودعوى الزهراء رضي الله تعالى عنها فدكاً بحسب الوراثة لا تدل على كذب الخبر بل على عدم سماعه وهو غير مخل بقدرها ورفعة شأنها ومزيد علمها، وكذا أخذ الأزواج المطهرات حجراتهنّ لا يدل على ذلك لما مر وحلا، وعدولها إلى دعوى الهبة غير متحقق عندنا بل المتحقق دعوى الإرث، ولئن سلمنا أنه وقع منها دعوى الهبة فلا نسلم أنها أتت بأولئك الأطهار شهوداً، وذلك لأن المجمع عليه أن الهبة لا تتم إلا بالقبض ولم تكن فدك في قبضة الزهراء رضي الله تعالى عنها في وقت فلم تكن الحاجة ماسة لطلب الشهود، ولئن سلمنا أن أولئك الأطهار شهدوا فلا نسلم أن الصديق ردّ شهادتهم بل لم يقض بها، وفرق بين عدم القضاء هنا والرد، فإن الثاني عبارة عن عدم القبول لتهمة كذب مثلاً، والأول عبارة عن عدم الإمضاء لفقد بعض الشروط المعتبر بعد العدالة، وانحراف مزاج رضا الزهراء كان من مقتضيات البشرية، وقد غضب موسى عليه السلام على أخيه الأكبر هارون حتى أخذ بلحيته ورأسه ولم ينقص ذلك من قدريهما شيئاً على أن أبا بكر استرضاها رضي الله تعالى عنها مستشفعاً إليها بعلي كرم الله تعالى وجهه فرضيت عنه - كما في ((مدارج النبوة)) و ((كتاب الوفاء)) و ((شرح المشكاة)) للدهلوي - وغيرها، وفي ((محاج السالكين)).
وغيره من كتب الإمامية المعتبرة ما يؤيد هذا الفصل حيث رووا أن أبا بكر لما رأى فاطمة رضي الله تعالى عنها انقبضت عنه وهجرته ولم تتكلم بعد ذلك في أفي أمر فدك كبر ذلك عنده فأراد استرضاءها فأتاها فقال: صدقت يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ادعيت ولكن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها فيعطي الفقراء والمساكين وابن السبيل بعد أن يؤتي منها قوتكم فما أنتم صانعون بها؟ فقالت: أفعل فيها كما كان أبـي صلى الله عليه وسلم يفعل فيها فقال لك الله تعالى أن أفعل فيها ما كان يفعل أبوك، فقالت: والله لتفعلن؟ فقال: والله لأفعلن ذلك فقالت: اللهم اشهد ورضيت بذلك، وأخذت العهد عليه فكان أبو بكر يعطيهم منها قوتهم ويقسم الباقي بين الفقراء والمساكين وابن السبيل، وبقي الكلام في سبب عدم تمكينها رضي الله تعالى عنها من التصرف فيها، وقد كان دفع الالتباس وسد باب الطلب المنجر إلى كسر كثير من القلوب، أو تضييق الأمر على المسلمين.
وقد ورد ((المؤمن إذا ابتلي ببليتين اختار أهونهما)) على أن رضا الزهراء رضي الله تعالى عنها بعدُ على الصديق سد باب الطعن عليه أصاب في المنع أم لم يصب، وسبحان الموفق للصواب والعاصم أنبياءه عن الخطأ في فصل الخطاب.
قال شيخ الاسلام فيما يخص عموم اية الارث وتقسيمه
قال تعالى ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولاَدِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوقَ اثنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَت وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصفُ وَلأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنهُمَاالسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّم يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَو دَينٍ آبَآؤُكُم وَأَبناؤُكُم لاَ تَدرُونَ أَيُّهُم أَقرَبُ لَكُم نَفعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
نقول ليس في عموم لفظ الاية ما يقتضي ان النبي صلى الله عليه وسلم يورث وهذا الخطاب شامل للمقصودين بالخطاب وليس فيه ما يوجب انم النبي صلى الله عليه وسلم مخاطب بها.
وكاف الحطاب يتناول من قصده المخاطب فان لم يعلم ان المعين مقصود بالخطاب لم يشمله اللفظ حتى ذهبت طائفة من الناس الى ان الظمائر مطلقا لا تقبل التخصيص فكيف بضمير المخاطب فانه لا يتناول الا من قصد ب الخطاب دون من لم يقصد ولو قدر انه عام يقبل التخصيص فانه عام للمقصودين يالخطاب وليس فيه ما يقتضي كون النبي صلى الله عليه وسلم من المخاطبين بهذا.
فان قيل: هب ان الضمائر ضمائر التكلم والخطاب والغيبة لا تدل بنفسها على شيئ بعينه لكن بحسب ما يقترن بها فضمائر الخطاب موضوعة لمن يقصده المخاطب بالخطاب وضمائر التكلم لمن يتكلم كائنا من كان.لكن قد عرف ان الخطاب بالقران هو للرسول (صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعا كقوله تغالى (كتب عليكم الصيام كما كتب على اللذين من قبلكم ) وقوله (واذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق ) ونحو ذلك وكذلك قوله تعالى ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَولاَدِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ ﴾
نقول: بل كاف الجماعة في القران تارة تكون للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتارة تكون لهم دونه كقوله تعالى (( واعلموا ان فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ولكن الله حبب اليكم الايمان وزينه في قلوبكم وكره اليكم الكفر والفسوق والعصيان اولئك هم الراشدون ﴾
فان هذه الكاف للامة دون الرسول (صلى الله عليه وسلم كذلك قوله تعالى لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)
كذلك قوله تعالى ﴿ واطيعوا الله واطيعوا الرسول ولا تبطلوا اعمالكم ﴾
ونحو ذلك فان كاف الخطاب لم يدخل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المواضع بل تناولت من ارسل اليهم فلم لاتكون الماف في قوله تعالى ﴿ يوصيكم الله في اولادكم ﴾ مثل هذه الكافات فلا يكون في السنة ما يخالف ظاهر القران.
ومثل هذه الاية قوله تعالى ﴿ وان خفتم الا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلالث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تعولوا * واتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شيئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ))
فان الضمير هنا في خفتم و تقسطوا وانكحوا وطاب لكم وما ملكت ايمانكم انما يتناول الامة دون الرسول صلى الله عليه وسلم فان النبي صلى الله عليه وسلم يجوز له ان تزوج اكثر من اربع وله ان يتزوج بلا مهر كما ثبت ذلك بالنص والاجماع
فان قيل ما ذكرتموه من الامثلة فيها ما يقتضي اختصاص الامة فانه لما ذكر مايجب من طاعة الرسول وخاطبهم بطاعته ومحبته وذكر بعثه اليهم علم انه ليس داخلا في ذلك
نقول: وكذلك اية الفرائض لما قال ﴿ آبَآؤُكُم وَأَبناؤُكُم لاَ تَدرُونَ أَيُّهُم أَقرَبُ لَكُم نَفعاً ))
وقال: ﴿ من بعد وصية يوصى بها او دين غير مضار ))
ثم قال: ﴿ تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ))
فلما خاطبهم بعدم الدراية اللتي لاتناسب حال الرسول وذكر بعدها ما ذا يجب عليهم من طا عته فيما ذكره من مقادير الفرائض وانهم ان اطاعوا الله والرسول في هذه الحدود استحقوا الثواب وان خالفوا الله ورسوله استحقوا العقاب وذلك بان يعطوا الوارث اكثر من حقه او يمنعوا الوارث ما يستحقه –دل ذلك على ان المخاطبين المسلوبين الدراية الموعودين على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم المتوعدين على معصية الله ورسوله وتعدي حدوده فيما قدره من المواريث وغير ذلك لم يدخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم كما لم يدخل في نظائرها..
ولما كان ما ذكره من تحريم تعدي الحدود عقب ذكر الفرائض المحدودة دل على انه لا يجوز ان ان يزداد احد من اهل الفرائض على ما قدر له ودل على انه لا تجوز الوصية لهم وكان هذا ناسخا لما امر به اولا من الوصية للوالدين والاقربين.
موافقة علي رضي الله عنه راي ابوبكر رضي الله عنه بشان أرض فدك يبكون على موضوع قد حسمه علي رضي الله عنه حيث يقول السيد المرتضى الملقب بعلم الهدى إمام الشيعة:
إ ن الأمر لما وصل الأمر إلى علي ابن أبي طالب كلّم في رد فدك, فقال: " إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر "
( الشافي للمرتضي ص 213, وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 )
ولما سئل أبو جعفر محمد الباقر عن ذلك وقد سأله كثير النوال بقوله " جعلني الله فداك أرأيت أبا بكر وعمر هل ظلماكما من حقكم شيئاً, أو قال ذهبا من حقكم بشيء ؟ فقال: لا, والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا, ما ظلمانا من حقنا مثقال حبة من خردل, قلت: جعلت فداك أفأتولاهما ؟
قال: نعم ويحك تولهما في الدنيا والآخرة, وما أصابك ففي عنقي "
( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص 84 )
والمجلسي على شدة تعنفه على الصحابة أضطر للقول: إن أبا بكر لما رأى غضب فاطمة قال لها: أنا لا أنكر فضلك وقرابتك من رسول الله عليه السلام, ولم أمنعك من فدك إلا إمتثالاَ بأمر رسول الله, وأشهد الله على أني سمعت رسول الله يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث, وما تركنا إلا الكتاب والحكمة والعلم, وقد فعلت هذا بإتفاق المسلمين ولست بمتفرد في هذا, وأما المال فإن تريدينه فخذي من مالي ما شئت لأنك سيدة أبيك وشجرة طيبة لأبنائك, ولا يستطيع أحد إنكار فضلك..
( حق اليقين ص 201, 202 - ترجمة من الفارسية )
ويروي ابن الميثم الشيعي في شرح نهج البلاغة:
" إن أبا بكر قال لها: إن لك ما لأبيك, كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ من فدك قوتكم, ويقسم الباقي ويحمل منه في سبيل الله, ولك على الله أن أصنع بها كما كان يصنع, فرضيت بذلك وأخذت العهد عليه به.
( شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج5 ص 107 ط طهران )
ومصداق على ذلك يروي ابن الميثم والدنبلي وابن أبي الحديد والشيعي المعاصر فيض الإسلام علي نقي:
أن أبي بكر كان يأخذ غلتها ( أي فدك ) فيدفع إليهم ( أهل البيت ) منها ما يكفيهم, ويقسم الباقي, فكان عمر كذلك, ثم كان عثمان كذلك, ثم كان علي كذلك.
( شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4, وأيضاً شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ج 5 ص 107, وأيضاً الدرة النجفية ص 332, شرح نهج البلاغة - فارسي - لعلي نقي ج 5 ص 960 ط طهران )
يرون الحق في كتبهم ويتجاهلونه, ويرون الباطل ويطبرون به..

*************************

الجواب:
الأخ مهدي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- أن أصل الاستدلال بهذه الآيات أنما أخذه الشيعة من سيدة نساء العالمين الزهراء (عليها السلام) حينما احتجت بها على أبي بكر عندما طالبته بالإرث بعد أن غصب نحلتها في فدك, فالأصل في حق الزهراء (عليها السلام) أنه نحله اذا أنكروها طالبتهم بالإرث.
ثم إنهم لا يقتصرون في الاستدلال بهذه الآية على العموم بل بها وغيرها, قال تعالى ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنهُ أَو كَثُرَ نَصِيباً مَّفرُوضاً ﴾ (النساء: 7), وقال تعالى: ﴿ وَأُولُوا الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ ﴾ (الأنفال:75), وقال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولاَدِكُم لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ....﴾ (النساء:11).
فهي كلها عامة, وأما عموم قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولاَدِكُم لِلذَّكَرِ... ﴾ فإن البنت مشمولة في الأولاد لأنه فسرهم بقوله: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ ﴾ وفاطمة (عليها السلام) بنت محمد7.
وقد أخذ بعمومها فقهاء الشيعة والسنة, ولا نعلم ما يريد بقوله: (أن الآية لا تفيد العموم) فإن أفادتها للعموم مقطوع به.
نعم الكلام فيما بيننا في وجود المخصص أو عدم وجوده فإنهم يدّعون بأن المخصص قول أبي بكر ونحن نرد هذا الخبر الواحد للطعن في حجيته واتهام أبي بكر فيه أولاً ثم لمناقضته لصريح القرآن، ثانياً وهذه الحجة للزهراء (عليها السلام) أيضاً.
قالت (عليها السلام) تخاطب أبا بكر (يا ابن أبي قحافة أفي الكتاب أن ترث أباك ولا أرث أبي! لقد جئت شيئاً فريا.. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ ﴾ .
وفيما اقتص من خبر يحيى وزكريا إذ يقول:﴿ قَالَ رَبِّ.. فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعقُوبَ وَاجعَلهُ رَبِّ رَضِيّاً ﴾ (مريم:4-6). وقال عزّ وجل: ﴿... إِن تَرَكَ خَيراً الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ حَقّاً عَلَى المُتَّقِينَ ﴾ (البقرة:180).
وزعمتم أن لاحظ لي ولا إرث من أبي, أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون: إن أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم بخصوص القرآن وعمومه أعلم ممن جاء به..). (البحار 29: 216)
وتوثيق أسانيد الخطبة بطرق الشيعة والسنة يأخذ من مظانه ومن هنا لا موضع لقوله (حتى قالت له زعمهم: يا ابن أبي قحافة أنت ترث أباك وأنا لا أرث أبي أي إنصاف هذا) فإنه تخرص أمام الحق.
2- وأما أن الآية: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ ﴾ وآية دعاء زكريا ربه لا تفيدان وراثة المال فقد أجبنا عليها بالتفصيل على موقعنا تحت عنوان (الأسئلة العقائدية/ فدك/ (قوله7: العلماء ورثة الأنبياء) و(معنى الإرث في الآيات التي استدلت بها فاطمة (عليها السلام)) ) فراجع.
3- وأخذ الشيعة بالعموم حتى يثبت التخصيص والاستثناء واضح على قواعد علم الأصول فالكلام كل الكلام في ثبوت الاستثناء.
4- ان الشيعة قالوا أن الخبر لم يثبت عن غير أبي بكر, فلم تصح روايته إلا عنه وأن رووه في مجاميعهم وصحاحهم عن غيره.
فانه أنفرد بروايته في وقت المنازعة ولم يعرف عن غيره حينها وإنما حدثت هذه الروايات بعد ذلك أسناداً لموقف الحكومة والسلطان ودعماً للشرعية المزعومة في تصرفه.
فقد روي عن عائشة أنها قالت: أن الناس اختلفوا في ميراث رسول الله فما وجدوا عند أحد من ذلك علماً, فقال أبو بكر: سمعت رسول الله7 يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة (كنز العمال 7: 226 وغيره).
وقال ابن أبي الحديد في شرحه: أن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده, ذكر ذلك معظم المحدثين, حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد (شرح النهج 16: 227).
فإن قول عائشة صريح بانفراد أبي بكر بالخبر.
وأما ما نقل من شهادة مالك بن الأوس بن الحدثان معه فإنه لم يثبت لأن مالك لم يدرك النبي7 ورواية عائشة إذا لم تكن بتوسط أيهما كما ذكر بعض المحدثين فإنها كذبت نفسها بنفسها. وأما ما روي عن حذيفة فإن فيه الفيض بن وثيق وهو كذاب (مجمع الزوائد 9: 40), وأما أبو هريرة فحا له معروف في الكذب.
وأما ما روي عن عمر وعثمان وعلي والعباس وغيرهم بنقل مالك بن الأوس لرواية منازعة علي والعباس في الإرث فهي تنقض نفسها بنفسها لأن فيها إقرار العباس وعلي بحديث لا نورث ما تركناه صدقة، ومع ذلك جاءا يتنازعان الإرث، وفيها أن عثمان أقر بالحديث مع أنه روي أنه كان رسول زوجات النبي7 إلى أبي بكر للمطالبة بإرثهن, ثم أن في الرواية تكذيب صريح من قبل علي والعباس لأبي بكر وعمر (انظر البخاري ومسلم).
هذا إذا لم نقل أنهم أقروا به استناداً لقول أبي بكر وتأييداً له مقابل تكذيب العباس وعلي (عليه السلام).
5- وعليه فإنا أمام دعوى لحديث أحاد من قبل أبي بكر وهو طرف في المنازعة مقابل تكذيب الزهراء (عليها السلام) وعلي وهما من هما له ورده عليه, فكيف يمكن بعد ذلك معارضة هذا الحديث لظاهر القرآن الدال على توريث الأنبياء (عليهم السلام) كما بينا سابقاً, بل كيف يمكن تخصيص القرآن بحديث أحاد لم يثبت بعد؟ وقد كذب من قبل الزهراء؟ مع أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد مختلف فيه بين العلماء. والمعروف إمكان التخصيص بالخبر الثابت المعروف أو المشهور عند بعضهم وكل هذه لم تثبت في خبر أبي بكر.
فتلخص من ذلك:
أ- أولاً لا يمكن معارضة القرآن بخبر الواحد حتى لو كان ثابتاً. وقد نص القرآن على التوريث بقوله: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ ﴾ وقصة سؤال زكريا الوريث وقد أمر رسول الله بعرض حديثه على القرآن.
ب- لا يخصص عموم القرآن الا بالخبر الثابت فكيف بالمردود بشهادة مثل الزهراء وعلي (عليه السلام) وقال الله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَولاَدِكُم لِلذَّكَرِ... ﴾ وغيرها وهي دالة على العموم.
بل أن في الخبر تعريض برسول الله7 بأنه لم يبين حكم شرعي إلى من يحتاجه وهو الزهراء وعلي (عليهما السلام) بل نساءه أيضاً ولم يطلع عليه إلا أبو بكر, بل أن في الروايات أن أبا بكر قد ناقض نفسه وحكم بإمكان التوريث من قبل النبي7, فراجع.
6- وأما ما نقله عن الكافي فقد أجبنا عليه مفصلاً في موقعنا تحت العناوين المذكورة سابقاً فراجع.
7- وأما ما قاله من أن ورثة الزهراء (عليها السلام) لم يعطوا العباس ولا بنيه ولا الأزواج من الإرث شيئاً فهو من العجائب, إذ لماذا يعطوهم ما هو إرث لهم من أمهم (عليها السلام)؟ وأما إذا كان المقصود منه لماذا لم يشارك العباس وهو عم النبي7 فاطمة في الإرث, فلأن الإرث عندنا كله للبنت نصف لها بالنصيب والآخر بالرد والزوجات لا يرثن من العقار شيئاً.
8- وأعجب من كل شيء إدعاءه التواتر على عدم الإرث، وكيف للتواتر هو بحكم القطع أن يكون مع معارضة القرآن وتكذيب الزهراء ومن معها وانفراد أبي بكر بالخبر.
هذا ولو سلمنا ثبوت الخبر (فإنا لا نسلم تواتره قطعاً) فقد قلنا أن الخبر الواحد وهو ظني لا يعارض القرآن أبداً وإن أمكن أن يخصص عمومه, والكلام هنا يدور حول المعارضة بعد تسليم التخصيص، فلاحظ.
وأما ما ذكر من وقوع التخصيصات للقرآن بخبر الواحد من الصحابة والشيعة فمسلم، ولكن للخبر الثابت المعروف لا الخبر المردود على صاحبه ومن مثل الزهراء وعلي (عليه السلام) ونساء النبي7؟ فكلامنا في رد خبر أبي بكر ككلامه في تفسير رد عمر لخبر ابنة قيس، فإنا نرد خبر أبي بكر لعدم ثبوته بل لجزمنا بكذبه مقابل الزهراء وعلي (عليه السلام).
9- وأما ما ذكره في أن الوراثة في الآية: ﴿ وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ ﴾ هي وراثة العلم دون المال والاستدلال عليه بالرواية في الكافي فعجيب.
لأنا نقول أن سليمان ورث من داود المال والعلم معاً, قال الشيخ الطوسي في البيان: واختلفوا فيما ورث منه, فقال أصحابنا أنه ورث المال والعلم وقال مخالفونا أنه ورث العلم لقوله7 نحن معاشر الأنبياء لا نورث (البيان 8: 82).
فإن الوارثة إذا جاءت مطلقة تنصرف إلى وراثة المال حقيقة, وهذا لا يمنع من الحمل على المجاز في بعض الموروث وهو العلم.
فيكون سليمان ورث المال والعلم ولا تكون هناك خدشة بالتعبير بهذا الشكل.
فإذا امتنع وراثة المال في مورد كما في النبي7 حسب الرواية في الكافي اقتصر على وراثة العلم ولا يمنع أن يكون التوريث في الأصل وهو وراثة سليمان للمال والعلم وهو واضح لا يحتاج إلى بيان.
وأما ما قاله من وجود تسعة عشر أبناً كما عن التواريخ فهو أولاً لم يثبت وثانياً لا يلتف إليه لو ثبت مقابل القرآن. إضافة لما قلنا من أن الوراثة كانت للمال والعلم فصح اختصاص سليمان لمكان اختصاصه بالعلم. فتأمل.
وانتفع به أيضاً ثبوت الخصوصية لذكر سليمان في الآية فضلاً عن توصيف وراثة سليمان للملك من كمال، لأنه كان ملك نبي لا ملك متسلط ظالم.
10- إن معنى (من آل يعقوب) أي يرث من بعض آل يعقوب وليس كلهم كما هو واضح, وأما أن ذكر زكريا وأن ولده يرثه ويرث من آل يعقوب فليس فيه سفسطة إلا عند من لا يفهم كلام الله, فإن الولي أعم من الولد ومن غيره وهو يشمل أقرباء الرجل فكان قوله: ﴿ يَرِثُنِي.... ﴾ إلخ، قرينة على طلب الولد لا مطلق الولي, فأفهم.
وقد أجاب العلامة الطباطبائي في الميزان (ج14 ص13) على ما في هذا الإشكال بقوله:
قلت: الاشكال مبني على كون قوله: ﴿ فهب لي من لدنك وليا يرثني ﴾ مسوقا لبيان طلب الوراثة المالية لولده والواقع خلافه فليس المقصود من قوله: ﴿ وليا يرثني ﴾ بالقصد الأول إلا طلب الولد كما هو الظاهر أيضا من قوله في سورة آل عمران: ﴿ هب لي من لدنك ذرية ﴾ وقوله في موضع آخر: ﴿ رب لا تذرني فردا ﴾ (الأنبياء:89).
وإنما قوله: ﴿ يرثني ﴾ قرينة معينة لكون المراد بالولي في الكلام ولاية الإرث التي تنطبق على الولد لكون الولاية معنى عاما ذا مصاديق مختلفة لا تتعين واحد منها إلا بقرينة معينة كما قيدت بالنصرة في قوله: ﴿ وما كان لهم من أولياء ينصرونهم ﴾ (الشورى:46), والمراد به ولاية النصرة, وقيدت بالامر والنهي في قوله: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ (التوبة:71)، والمراد ولاية التدبير. إلى غير ذلك.
ولولا أن المراد به الوراثة المالية وأنها قرينة معينة لم يبق في الكلام ما يدل على طلب الولد الذي هو المقصود الأصلي بالدعاء فإن وراثة العلم أو النبوة أو العبادة والكرامة لا إشعار فيها بكون الوارث هو الولد كما اعترف به بعض من حمل الوراثة في الآية على شئ من هذه المعاني فيبقى الدعاء خاليا عن الدلالة على المطلوب الأصلي وكفى به سقوطا للكلام.
وبالجملة العناية إنما هي متعلقة بإفادة طلب الولد, وأما الوراثة المالية فليست مقصودة بالقصد الأول وإنما هي قرينة معينة لكون المراد بالولي هو الولد نعم هي في نفسها تدل على أنه لو كان له ولد لورثه ماله, وليس في ذلك ولا في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ وحاله حال قوله: ﴿ وليا يرثني ﴾ دلالة على تعلق قلبه عليه السلام بالدنيا الفانية ولا بزخارف حياتها التي هي متاع الغرور.
وأما طلب الولد فهو مما فطر الله عليه النوع الانساني سواء في ذلك الصالح والطالح والنبي ومن دونه وقد جهز الجميع بجهاز التوالد والتناسل وغرز فيهم ما يدعوهم إليه, فالواحد منهم لو لم ينحرف طباعه ينساق إلى طلب الولد ويرى بقاء ولده بعده بقاء لنفسه واستيلاءهم على ما كان مستوليا عليه من أمتعة الحياة - وهذا هو الإرث - استيلاء نفسه وعيش شخصه هذا. والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري ولا ذمت هذه الداعية الغريزية بل مدحته وندبت إليه, وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تدل على ذلك كقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: ﴿ رب هب لي من الصالحين ﴾ (الصافات:100)، وقوله:﴿ الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربى لسميع الدعاء ﴾ (إبراهيم:39)، وقوله حكاية عن المؤمنين: ﴿ ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾(الفرقان:74) إلى غير ذلك من الآيات.
11- أن خوف زكريا من أن يصرف بنو عمه ماله في المعصية لمّا عرف عنهم من عدم تقيدهم بالشريعة وممارستهم للموبقات من أهم الدواعي لمنع وصول المال إليهم وهل هذا إلا من واجبات النبوة التي منها المنع من وقوع المعصية.
12- وأما ما قيل من أنه خاف شرار بني إسرائيل أن لا يحسنوا خلافته ويحرفوا الأحكام الإلهية والشرائع الربانية، فإن فيه: إن كان خوفه من وراثتهم لكتب علمه فإن هذا يدخل في وراثة المال، وأن كان يخاف أن يرثوا علمه الذي هو شرائع الله وأحكامه فيحرفوها فهذا مما لا ينبغي أن يخافه لأن من واجب الأنبياء نشر أحكام الله لكافة الناس، فكيف بأبناء عمومته؟ وما سيقومون به من التحريف يقع عليهم ولا يكون داعياً إلى كتمه عنهم وخوفه من أن ينالوه.
وإن كان يخاف أن يرثوا أسرار النبوة وعلومها الخاصة فإنه لا قدرة لهم للإطلاع عليها إلا من جهته بأن يعلمهم أو من جهة الله، والله أجل من أن يعلمها شرار خلقه, وإن كان خوفه من أن يذهب العلم ويندرس، فليس في محله لأن النبي يعلم بأن الله يحفظ حجة في خلقه ولابد أن يقيض من يكون مرضياً ليقوم بحفظ هذا العلم.
13- وقوله حمل اللفظ على المجاز لضرورة عدم تكذيب المعصوم مبني على ما حكم أهل السنة بصحة حديث أبي بكر، ونحن نكذبه ونقول ان النبي7 لم يقله حتى نحتاج إلى التحفظ على صحته. مع ما فيه من إقراره بظهور لفظة (يرثني) في الآية بوراثة المال حتى أحتاج إلى صرفها عن ظاهرها بالاستعانة بالحديث المزعوم من أبي بكر.
وأما قوله: ان الوراثة صار لغلبة الاستعمال في العرف مختصاً بالمال, نقول سلمنا أنه لو كان كذلك ولكن مدّعانا هو أن الوراثة سواء كانت حقيقة في المال أم لغلبة الاستعمال فيه فإنها لو جاءت مطلقة لنصرفت إليه ولا تنصرف إلى غيره في الاستعمال إلا بقرينة ولا قرينة في البين. بخلاف الآيات التي استشهد بها من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ ﴾ ، و﴿ أُورِثُوا الكِتَابَ ﴾ فإن القرينة وهي ذكر الكتاب واضحة.
14- وأما قوله بأن الحجر كانت مملوكة لنساء النبي7 فأنا أول ما نطالبه هو تقديم الدليل عليه ومن قال به وأين النص عليه؟ وأن تعلق بأنه محتمل وممكن، فنقول ليس بمثل هذا تقطع الأحكام ولكن كيف كفى الإمكان هنا ولم يكف الإمكان مع فاطمة مع أنها صرحت فيه بحقها؟!!
ثم من أين يكون في الشرع والعرف أن بيت الرجل يكون ملكاً لأزواجه في حياته بل كيف ينفي ملك رسول الله7 لحجراته في حياته وإنه كان يتصرف في غير ملكه - أعوذ بالله - ما هذا إلا تجرؤ على رسول الله!!
وأما التعلق بقوله تعالى: ﴿ وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾ فإن الإضافة فيه لا تقتضي الملك بل السكنى فقط، فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلاَّ أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾, بل معارض لصريح القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤذَنَ لَكُم ﴾.
وأما أن الإمام الحسن (عليه السلام) سأل عائشة: أن تعطيه موضعاً للدفن ففيه أنه طلب أن يطاف به بقبر جده، ثم انه أراد انتهاج أسلم الطرق لما كان من استيلاء عائشة على حجرات الرسول7 مع أنا نمنع كون رسول الله7 دفن في حجرة عائشة بل في حجرة فاطمة (عليها السلام) فإن حجرة عائشة كانت في جهة القبلة لا شرق المسجد.
15- وأما ما قاله من أن الإرث صار بعد النبي7 بحكم الوقف, فإنه يحتاج إلى دليل ولا دليل، ثم ان حكم الوقف يكون بيد أولياء الميت يتصرفون هم به.
وأما أن أبا بكر أعطى فلان وفلان ولم يعط فاطمة فهو من الخساسة، وهل تمنع مثل فاطمة (عليها السلام), وأما أنها رضيت بعد ذلك فهو من البهتان، فالروايات عند أهل السنة فضلاً عن الشيعة تكذبه.
وأما أنها عدلت بعد الإرث إلى الهبة فإن الأمر بالعكس فإن فدك كانت نحلة فلما منعت طالبت بالإرث كما تنص عليه الروايات.
16- وأما أن أبا بكر خصص آية المواريث بما سمعه عن رسول الله7, فهو إقرار بعموم الآيات التي أنكرها أولاً, ثم أن تخصيصه للعلم اليقني الذي عنده منقوض بفعله عندما كتب كتاباً إلى فاطمة بالإرث ومزقه عمر.
إضافة إلى كونه كان طرفاً للدعوى وشهادته شهادة واحد، مع أن الزهراء وعلي (عليه السلام) قد كذّباه، فحكم تعارض الشهادات التساقط, نعم هو حكم بما رآه بسلطته ولكن هذا لا يبرأه من التهمة، وهو ما يقوله الشيعة.
وأما ما قاله بعد ذلك فكله تكرار ومردود بنصوص الروايات, أو بنص القرآن كما في ثبوت عصمة الزهراء (عليها السلام) بآية التطهير وإنها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وأما ما ادعاه عن رضاها في آخر حياتها فما هو منه إلا البهت والكذب.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال