الاسئلة و الأجوبة » الخلفاء » لا خصوصية للقرب المكاني من رسول الله (صلى الله عليه و آله)


عبد الخالق
السؤال: لا خصوصية للقرب المكاني من رسول الله (صلى الله عليه و آله)
لماذا لأبي بكر وعمر مكانة قريبة من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - القرب المكاني - لو كان يعلم منهم ما لا يرضاه فمثلاً أرسل أبا بكر ثم عمر لقتل ذا الثدية ولفتح خيبر ولانهم لم يفلحوا أرسل علياً (عليه السلام)؟؟
الجواب:

الأخ عبد الخالق المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تصوير إختصاص هذين الرجلين بالقرب المكاني من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه مغالطة كبيرة ومفتعل في واقع الأمر، وهو خطأ كبير، حاول إثباته الخط المخالف لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ما توحي به روايات أهل السنة. ولو راجعنا سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله) بموضوعية ، نجد قرب هذين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقارب لقرب بقية الصحابة منه (صلى الله عليه وآله)، بل قد يكون أقل من بعضهم ، ما عدا قرب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فهو واضح يكفي في الدلالة عليه حديث المؤاخاة.
والامثلة المذكورة في السؤال نجد مثلها وأكثر منها لبقية الصحابة . وأما لماذا لم يبعدهما النبي (صلى الله عليه وآله) عنه وهو يعلم حقيقتهما؟ فلأن النبي (صلى الله عليه وآله) على خلق عظيم لا يطرد أحداً ولا يجانب شخصاً ولا يقاطع مسلماً مهما كان باطنه, بل مهما كان ظاهره, بل إن ذلك من أخلاق الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً ، فقد حكي في القرآن الكريم عن نوح (عليه السلام) قال تعالى: (( قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين )) (الشعراء:111-115)، وقال تعالى: (( وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون * ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون )) (هود:29-30). فأخلاق النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) تأمره أن يتعامل مع كل الفئات بمستوىً راق رائع مبشر لا منفر متواضع لا متكبر لانه يمثل الرحمة الالهية التي تنال وتطول كل مخلوق في هذا الكون. فالقرب المكاني المزعوم (ان كان) ليس مختصاً بأحد دون أحد من الصحابة، بل حتى المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول كان قريباً مكاناً منه (صلى الله عليه وآله)، حتى أنه حضر دفنه وكفنه بقميصه وصلّى عليه وأصر عليها مع اعتراض ونهي البعض على ذلك. وكذلك كان يخرجه وباقي المنافقين للغزوات والقتال وغيرها من الصلاة خلف النبي (صلى الله عليه وآله) والاطلاع على أسرار المسلمين وما الى ذلك. وكل ذلك وهذا الرجل هو رأس المنافقين ومعلوم النفاق ونزلت فيه آيات النفاق بل الكفر والردة، وهو الذي تخلّى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جهاراً في أحلك الظروف فأرجع ثلث الجيش الاسلامي من معركة أحد قبل بدئها، وهو الذي قال: (( لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذلّ )) ويقصد أنه الاعز ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ حاشاه ـ الاذل.
وكذلك فعل (صلى الله عليه وآله) مع خالد وعمرو بن العاص وغيرهم حتى أنه لم يعاقب أو يطرد خالداً مع قتله المسلمين ومخالفاته الواضحة والوشاية بعلي (عليه السلام) وبغضه له. وكذا مع بعض نسائه إذ كن يؤذينه (صلى الله عليه وآله)، فلم يفعل لهن شيئاً من ابعاد أو طلاق. وهكذا قبل قول عمر وغيره في آخر لحظات حياته الشريفة (إنه يهجر) والعياذ بالله، فما قال(صلى الله عليه وآله) غير: (قوموا عني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه).

وأما نقاش الامثلة المذكورة في السؤال، فهي مختلفة. إذ أن النبي (صلى الله عليه وآله) في قضية ذي الثدية لم يرسلهما بالخصوص ولم يختر أن يقدمهما لقتله، بل خيّر جميع المسلمين ووجه أمره (صلى الله عليه وآله) بقتله من قبل أي شخص، فبادر الاول ولم يفعل, ثم تبعه الثاني, واجتهد كلاهما في مقابل النص وخصوصاً الثاني بعد أن بين النبي (صلى الله عليه وآله) عدم قبوله عذر الاول وغضبه منه, فأعاد نفس الكرة واجتهد نفس اجتهاد صاحبه, فأقبل علي (عليه السلام) ملبياً وذهب مباركاً عازماً على تطبيق أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلا اجتهاد في قباله ولا توهين لقوله فأجابه (صلى الله عليه وآله) وهو أعلم به (أنت له إن أدركته), فرجع علي محققاً علم النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم إدراكه، فقال (صلى الله عليه وآله) مجيباً من خالف أمره: (لو قتلوه ما اختلف بعدي إثنان). فينبئ ذلك عن إرادة النبي (صلى الله عليه وآله) بيان حقيقة بعض الصحابة ومنهجهم بالاجتهاد في مقابل النصوص الالهية والنبوية، وأن هناك شخصاً يطبق الامر بحذافيره دون أي نقاش أو رأي أو اجتهاد، وهذا يذكرنا بارسال رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) إلى خيبر وقوله له: (أنفذ ولا تلتفت...)، فذهب علي (عليه السلام) بعيداً وتذكر شيئاً مهماً وهو كيف يعامل هؤلاء وقبل قتالهم فتوقف (عليه السلام) وصاح عالياً ولم يلتفت للنبي (صلى الله عليه وآله) قائلاً: (علامَ أقاتلهم يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم...(.) فهذه النصوص كلها تبين أن هناك مدرستين لا تلتقيان بتطبيق الاسلام وقيادة الامة بخلافة الله وخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وان ذلك صعباً ولا يفعله إلا رجل واحد يكون إماماً قائداً خليفة مطبقاً وأسوة حسنة.

وأما إرسالهما في خيبر. فمن الواضح ان الارسال بحد ذاته لم يكن مختصاً بهما، فقد كان (صلى الله عليه وآله) يرسل الكثير من الصحابة مهما كانت درجاتهم أو إيمانهم، فقد أرسل عمرو بن العاص وأمره عليهما في إحدى الغزوات، وكذلك أمر خالداً عليهما، وكذلك أسامة بن زيد وهو فتى لم يبلغ، وغيرهم، فأين هذه المزية وأين هذا الاختصاص؟! بالاضافة الى هروبهم وفرارهم وعجزهم حتى رجع الثاني يجبن أصحابه ويجبنونه فأعلنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) عالية مدوّية بفضل علي (عليه السلام): (لأبعثن غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار ليس بفرار يفتح الله على يديه...)، واهتمامه بكونه علياً (عليه السلام) مع مرضه الشديد وعدم استطاعته البصر وكان مصاباً بالرمد، فأرسل إليه أن احضروه فقادوه للنبي (صلى الله عليه وآله) لا يبصر فبصق (صلى الله عليه وآله) بعينه فانفتحت كأن لم يصبها شيء، وقولته تلك في حقه بعد أن أرسل قبله الاثنين فعادا فاشلين ينبيء عن غاية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الأمر! أراد أن يظهرها بالفعل لا بالقول وتبقى واقعة على مر التاريخ لا يستطيع أحد إنكارها، فكأنها رسالة لاصحابه وللمسلمين على مر العصور بأنكم لو وضعتم علياً (عليه السلام) في كفة والآخران في كفة لرجحت كفة علي (عليه السلام)، والقلب الحي لأي مسلم يفهم غاية الرسول (صلى الله عليه وآله) من هذه الرسالة ويفهم لماذا اختصهما بالارسال أولاً قبل علي هنا.

ويمكن أن نقول بعبارة أخرى: ان القرب المكاني وإن لم يكن له ميزة بحد ذاته، ولكنه يتصور من جهتين: فمن جهة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانه شامل للجميع كما بينا آنفاً، ويوضحه أكثر قوله (صلى الله عليه وآله): (لا يتحدث الناس ان محمداً يقتل أصحابه) عندما طلب منه ذلك في القصة المعروفة، فان أدنى ابعاد لأحد من المسلمين سوف يؤثر على جماعة المسلمين من الداخل حيث لا يأمن الضعاف من المسلمين من الطرد وفيه الفرقة، ومن الخارج بأن يخاف الداخل في الاسلام الطرد وسوف يروج لها المشركون بأن محمداً يطرد أصحابه.
وأما من جهة الآخرين، فهو أمر طبيعي يحدث لكل مبرز في قومه وجيهاً كان أو ملكاً أو قائداً أو نبياً ، فان الاخرين يحاولون التقرب اليه بمختلف الدواعي إذ تتراوح بين الاخلاص والايمان به الى الطمع والرياء واظهار القرب والحضوة أمام الآخرين.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال