الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » أدلة الإمامة من القرآن الكريم


حسين علي سنا / الكويت
السؤال: أدلة الإمامة من القرآن الكريم
إذا قلنا بأنّ الإمامة أصل من أُصول الدين، فهذا يعني أنّها من الأُسس والمرتكزات التي يُبنى عليها الدين الإسلامي‎.
وبما أنّ القرآن الكريم الكتاب المقدّس عند المسلمين، وفيه الأحكام المجملة والأساسية في الدين، كالإيمان بالله تعالى والنبوّة الخاتمة وذكر لبعض قصص الأنبياء السابقين(عليهم السلام)... فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم، قياساً على وضوح التوحيد في قوله تعالى: (( اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ )) (البقرة:255)، ووضوح النبوّة بشكل لا يحتاج لدليل معه في قوله تعالى بنص‎ّ الآية الصريحة: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ... )) (الفتح:29).
وعندما نقول: إنّ الإمامة يجب أن تكون واضحة أو موجودة في القرآن الكريم بهذه الصورة، فهذا يبطل الاستدلال بالآيات المعتادة مثل: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ... )) (البقرة:124)، و(( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ... )) (الأحزاب:33)، وغيرها من الآيات المتعارف‎ عليها..
وكذلك فإنّ الإمامة عندما تكون أصلاً من أُصول الدين، ويفترض حينها أن تكون واضحة في القرآن الكريم، كما اتّضح، فهذا أيضاً يبطل الاستدلال بالروايات، وإن كانت متّفق عليها وصحيحة ومفسّرة لنزول الآيات بنصّ صريح وواضح..
فإنّ عدم وجود الإمامة بهذا الشكل في القرآن، يعني: أنّها من القضايا الجزئية غير المهمّة، حيث تمّ بيان بعض أحكام فروع الدين، كالصوم والصلاة (ولو إجمالاً)، وتمّ ترك توضيح الإمامة.
فنرجو منكم التكرّم بالجواب ولو بعدّة طرق مختلفة ومعمّقة ومعقدة لا يفهمها إلاّ أهل العلم.
الجواب:

الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ كلّ نتاج فكري يقدّم على أنّه علمي، سواء كان دليلاً أو إشكالاً أو إجابة حلّية أو نقضية، لا بدّ وأن يبنى على مقدّمات ثابتة معروفة محدّدة، وخاصّة المصطلحات المستخدمة في الأدلّة، وخاصّة إذا كانت هي الحدّ الوسط من القياس البرهاني، وإلاّ كان الناتج مغالطة لا برهان؛ لاختلاط المراد من المصطلحات وضبابيتها، فلا نفع في الأساليب الخطابية التي تستخدم فيها المفاهيم العامّة غير المحدّدة وغير الدقيقة.

نقول هذا.. لتوضيح أنّ دعوى الوضوح أو المطالبة بالوضوح من القرآن في هذا الإشكال، أو النقض الدائر على الألسن كثيراً، خصوصاً من الوهابية، لم يحدّد المراد منها بدقّة علمية، وهي لحدّ الآن غير محدّدة اصطلاحاً، ولذا يكون ادّعاء الوضوح وعدم الوضوح والإصرار عليها سهلاً من الطرفين، وجهات الإبهام في المراد من الوضوح كثيرة جدّاً، أهمّها: عدم وجود معايير ثابتة محدّدة يقاس عليها هذا الوضوح المدّعى، أو المطالب به، وما هو مرتكزة العلمي، وهل المراد الوضوح في الألفاظ أو في المداليل، وغير ذلك من جهات الإبهام لا يسع المجال لإيراد أمثلة لها، وتعتمد على فهم السائل المطّلع على إفراز بعضها.
وعلى كلّ حال، فلنا أن نوضّح ما نريد قوله بسؤال ابتدائي مختصر بـ: ما هو هذا الوضوح المراد، أو: ما معنى الوضوح المدّعى؟

ولو فرضنا أنّه تمت الإجابة على هذا التساءل البسيط، فإنّه مع ذلك لا يكفي؛ إذ لا بدّ من تحديد المقتضيات العقلية للمطالبة بهذا الوضوح في هذا المورد أو ذاك من القرآن، ولا يكفي إيراد مقدّمات فرضية مدّعاة غير مبرهنة، أو استخدام طريقة التمثيل والقياس على النبوّة والتوحيد للاستدلال على لا بدّية الوضوح في الإمامة أو غيرها، وأنّه يتّسق مع المنهج القرآني، أو الغاية من نزوله؛ فإنّه كتاب هداية لا كتاب تفاصيل ومشتهيات.
فمثلاً، قلت: ((فهذا يعني أنّه يفترض أن توجد الإمامة بشكل واضح في القرآن الكريم)).
ولنا أن نجيب بالقول: بأنّه من قال بصحّة هذا الافتراض؟! إذ لا بدّ من إثباته عن طريق مقدّمات لا تصمد أمام المناقشة، أو على الأقل نريد أن نقول: أنّه لا بدّ من إثبات هكذا فرضيات شرعاً وعقلاً أوّلاً، ثمّ يأتي دور التطبيق على الإمامة.

ثمّ إنّنا قد ندّعي وجود مستوى معيّن من الاستدلال على الإمامة في القرآن، وندّعي وضوحه وكفايته لإقامة الحجّة، ولكن المقابل يطالب بمستوى آخر من الاستدلال، فينصبّ على خصوصية معيّنة، ويطالب بدرجة من الوضوح فيه حسب ما يراه ويدّعي لزومه لإثبات الحجّية عنده، وهكذا كلّما أراد التهرّب من ما نقيمه من أدلّة، فلا يخرج الأمر عنده عن دعوى بغير دليل، ودفعاً بالصدور.

ثمّ إنّه لا يخفى عليك اختلاف المورد المطالب فيه بالوضوح من القرآن، فمرّة يراد وضوح الألفاظ على أصل الإمامة، فإذا أوردنا الآيات، كانت المطالبة بالوضوح في لوازمها كالعصمة! فإذا أقمنا الحجّة بالآيات أيضاً، انتقلت المطالبة على الوضوح أو التصريح بأسماء الأئمّة(عليهم السلام) إلى المهدي(عجّل الله فرجه)! هكذا تتصاعد مدّعيات الوضوح مرحلة بعد مرحلة، مع أنّه لا يوجد أي دليل شرعي أو عقلي لهذه المطالبة بالوضوح من القرآن بمعزل عن السُنّة!!

ونريد أن ننبّهك على وجود خلط في المطالب به، فمرّة يراد دليل واضح على الإمامة من القرآن، ويقاس ذلك على التوحيد والنبوّة، كما فعلت أنت، ولكن غاب عنك أنّ الاستدلال على التوحيد والنبوّة لا يتم من القرآن؛ لأنّه يلزم الدور! وإنّما قامت الأدلّة الفطرية العقلية على وجود وتوحيد الله، وقامت المعجزة مثلاً على إثبات نبوّة نبيّنا، فإذا قامت الأدلّة على الإمامة أيضاً، فلا يسعنا إلاّ الإيمان بها.
وينحصر السؤال الفرضي عند ذاك بأنّه: لماذا لم تذكر الإمامة في القرآن؟ وأدنى جواب له يمكن أن يقال بعد أن ثبتت الإمامة بأدلّتها الأُخر، أنّه: العلم عند الله، لو سلّمنا بعدم ذكرها، ولا يكون لازم عدم ذكرها الفرضي عدم وجود أدلّة أُخر عليها، أو عدم وجوب الاعتقاد بها.

ثمّ إنّا لا نعرف لماذا أنّ المطالبة بالوضوح يبطل الاستدلال بآية: جعل إبراهيم إماماً؟! أو آية التطهير؟! إلاّ إذا كان الوضوح المطالب به مزاجي وحسب تشهّي المدّعي!!
فإنّ آية جعل إبراهيم(عليه السلام) واضحة في الدلالة على أصل الإمامة، وأنّها بجعل من الله، وأنّها عهد لا يناله الظالمين؛ وكذلك دلالة آية التطهير على إذهاب الرجس وإثبات التطهير مطلقاً، وهو معنى: العصمة.
ولا يصحّ النقض هنا بوجود اعتراضات وشبهات على الاستدلال باللآيتين، لأنّ الشبهات والأوهام لا تخرجهما من الوضوح، كما أنّ المغالطة بالدليل لا تخرجه عن الدليلية، وإنكار البديهي لا يخرجه عن بداهته!

وأخيراً؛ فلنا أن نجيب على الاعتراض، بردّه مباشرةً، فنقول:
لقد وردت الإمامة في القرآن الكريم بشكل واضح وصريح, ولكن محنة التأويل والمعاندة ولَيّ النصوص إلى غير وجهتها التي قادها المناوئون لهذا الخط - أي: خط الإمامة - هو الذي أوقع البعض في هذه الضبابية في فهم النصوص القرآنية الواردة بهذا الشأن..
وإلاّ فالعربي السليم الذهن، الخالي من الشبهات والموروث القبلي والاجتماعي تجاه هذه المسألة، لو قرأ آية الولاية، وهي: قوله تعالى: (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم رَاكِعُونَ )) (المائدة:55), لفهم منها على الفور معنى القيادة والإمرة وإدارة شؤون الأُمّة؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر من معاني الولاية هنا سوى معنى: ولاية الأمر, ولا يمكن أن نتصوّر فيها معنى المحبّة أو النصرة؛ لعدم انحصار هذين المعنيين بالمذكورين في هذه الآية فقط, أي: الله ورسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين عليّ(عليه السلام), بل آية الولاية التي يراد بها المحبّة والنصرة هي: قوله تعالى: (( وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ )) (التوبة:71), وإنّما الآية (55) من سورة المائدة فهي تفسّر - لمحلّ (( إِنَّمَا )) - بـ(ولاية الأمر).. وقد أجمع المفسّرون على نزول هذه الآية بحقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) عند تصدّقه بالخاتم أثناء الركوع.

وأيضاً يكفيك أن تراجع قوله تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59), وما ذكره الرازي في تفسيره لهذه الآية الكريمة, وأنّ المراد منها: المعصومون(1).
فإذا قلنا بوجود المعصومين في الأُمّة، وهم: الأئمّة الطاهرون(عليهم السلام), إذ لم يدّعِ أحد غيرهم العصمة بالإجماع, ثبت المطلوب, وإن قلنا بعدم وجود المعصوم، فهذا يعني التكليف بالمحال، والتكليف بالمحال باطل..
وهذا شيء يسير ممّا جاء في القرآن الكريم في شأن الإمامة وهناك المزيد.
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير الرازي 10: 144 ذيل الآية (55) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.

صلاح / العراق
تعليق على الجواب (1)
لكن هذا ليس رأي الرازي؟
نرجو التوضيح.
الجواب:

الأخ صلاح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ذكر الرازي في تفسيره للآية: أنّ الله تعالى أمر بطاعة (أُولي الأمر) على سبيل الجزم والقطع، ومن أمر الله بطاعته كذلك لا بدّ أن يكون معصوماً.

نعم، هو قال بعد ذلك أنّ طاعة أُولي الأمر مشروطة بكوننا عارفين بهم، قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم.
ثمّ قال: ونحن نعلم بالضرورة أنّا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم. ثمّ استند من خلال هذه الحالة: أنّه ليس المراد بالمعصوم بعض من أبعاض الأُمّة، بل: إجماع الأُمّة.

ونحن نقبل منه أنّ يكون (أُولي الأمر) كما قال، ولكن لا نقبل منه أنّنا غير عارفين بهم! بل نقول: إنّنا نعرف المعصومين، وهم: الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)، الذين أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) باتّباعهم(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: تفسير الرازي 10: 144 ذيل الآية (55) من سورة المائدة، المسألة الثالثة.

احمد / العراق
تعليق على الجواب (2)
هل من آيات أُخرى للاستدلال على الإمامة؟
الجواب:

الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بالإضافة إلى الآيتين اللّتين ذكرناهما، هناك آيات آُخر سنقتصر على إيرادها دون وجه الاستدلال بها:
1- آية: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي القَومَ الكَافِرِينَ )) (المائدة:67).
2- آية: (( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيراً )) (الأحزاب:33).
3- آية: (( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي القُربَى )) (الشورى:23).
4- آية: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ )) (البقرة:207).
5- آية: (( فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلمِ فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُم وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُم ثُمَّ نَبتَهِل فَنَجعَل لَعنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ )) (آل عمران:61).
6- آية: (( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِمَاتٍ )) (البقرة:37).
7- آية: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي )) (البقرة:124).
8- آية: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدّاً )) (مريم:96).
9- آية: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَومٍ هَادٍ )) (الرعد:7).
10- آية: (( وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسؤُولُونَ )) (الصافات:24).

وآيات أُخُر كثيرة غير ما ذكرنا هنا، تستطيع أن تراجعها مع وجه الاستدلال فيها في كتاب (دلائل الصدق) للشيخ المظفّر.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال