الاسئلة و الأجوبة » العصمة » إدعاء مخاطر للقول بالعصمة


د. فارس / عمان
السؤال: إدعاء مخاطر للقول بالعصمة

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد..
كيف يمكن الرد على هذه الشبهة المطروحة في الانترنيت حول العصمة؟؟

*************************

كثيرا ما يُتّخذ قوله تعالى ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى ﴾ (النجم:4) حجّة لتأكيد عقيدة (العصمة) المطلقة، في حين أن الآية الكريمة مقيّدة من الداخل ومن الخارج:
أمّا الحصر الداخلي, فقوله تعالى ﴿ إن هو إلاّ وحي يوحى ﴾ وهذا يعني أنّ العصمة تتعلّق بالوحي، فلو كان كلّ قول الرّسول وحيا، لما كان لنا كتاب مميّزا عن باقي أقوال الرسول سمّاه الله تعالى قرآنا ونسبه لنفسه، فالوحي في هذه الآية يتعلّق بالقرآن.
أمّا الحصر الخارجي فيتمثّل في كلمة (هوى) وهي تعني ميلان النفس إلى غير جانب الحقّ وتوجيه الإرادة في ذلك الجانب لتأتي بأفعال بغرض إشباع رغبتها.
ولكن الخطأ لا يصدر عن (الهوى) فقط: قد يصدر عن النسيان والسهو والتسرّع وسوء التقدير والجهل والانفعال والمرض... وهذه كلّها لا علاقة لها بالهوى، إذن لماذا ذكر سبحانه وتعالى كلمة (الهوى) بالتحديد؟
لأنّ مضمون الآية يتعلّق بكلام الله سبحانه وتعالى، وهو يذكّر الكفار بأنّه ليس للرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم غرض مادي أو دنيوي، حتّى يأتي بهذا الكلام من عنده ويقصد بذلك تحقيق مآرب خاصة، فهو لا يريد منهم رئاسة ولا ملكا ولا مالا، ولا أيّ شيء ممّا تميل إليه النفس فتطمع فيه ويُعميها عن الحقّ.
ويمكنهم أن يتحقّقوا من ذلك، عندما ينظرون في القرآن الكريم فهم لا يجدون أن الرّسول قد حابى فيه نفسه ولا عشيرته ولا آله ولا دعا له بما يحقّق له مكاسب في الدّنيا، ولا دعا إليهم ليضمن لهم الرئاسة، بل لم يُذكر الرّسول بالاسم في القرآن الكريم سوى أربع مرّات (الفتح:29 - محمّد"2 - الأحزاب:40 - آل عمران:144) ولم يُذكر أحد من آله بالاسم ولا مرّة واحدة، ولم يذكر من أصحابه بالاسم إلاّ (زيد) (37 الأحزاب) وهذا أكبر دليل على أنّ الرّسول لم ينطق بالقرآن عن هوى وإنّما كلّما جاء به ﴿ هو وحي يوحى ﴾ إليه من الرحمان الرحيم، وقد كانت دعوته خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى.
ويَستدلّ الشيعة على العصمة أيضا بآية أخرى، في قوله تعالى ﴿ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾ (الأحزاب:33), ويقتصر الشيعة عند استشهادهم بهذه الآية على عبارة واحدة مقتطعة من جملة الآية وهي قوله سبحانه وتعالى ﴿ إنما يريد الله ليُذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ﴾، في حين أن سياق الآية وما سبقها من آيات يفيد - بما لا يدع مجالا للشك - بأنّ المقصود بالتطهير هن زوجات الرسول رضي الله عنهن و حتّى لو تعسفنا وأخذنا هذه الآية في غير سياقها من الآيات التي سبقتها ـ والتي تتعلّق بنساء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فقط - وتعسفنا أكثر وأخذنا منها العبارة المذكورة في غير سياقها أيضا, فإنّ هذه العبارة تحمل في داخلها تفنيدا واضحا لمبدأ العصمة، وفيها ردّ مباشر في إبطال مبدأ العصمة، لأنّ التطهير لا يكون لمن هو كامل الطهارة، فإذا وُجد منذ البداية طاهرا، فسيقع تطهيره من ماذا؟
وعندئذ ستكون الصيغة في هذه الآية (( ذهبَ عنكم الرجسُ آل البيت لأنّه خلقكم أطهارا )) ، أمّا قوله تعالى﴿ ويطهركم تطهيرا ﴾ أي أنّ عمليّة التطهير جاريّة عليهم في الزمن فكلما ارتكبوا ذنبا واستغفروا الله سبحانه وتعالى إلاّ وطهرهم منه ومن تبعاته، وكلّما عبدوا الله أكثر وأطاعوه فيما أمرهم به واعتمدوا عليه إلاّ وأبعد عنهم الرجس فلا يقربهم، إذن فعملية التطهير مشروطة بأعمال عليهم القيام بها، ولو كانت عمليّة منتهيّة إلى حدّ يبلغ فيه الطهر أقصاه لما جاءت كلمة (تطهيرا) كإضافة، و لوقفت الآية عند ﴿ يريدُ الله أن يذهب عنكم الرجس آل البيت ويطهّركم ﴾ والمقصود في الآية أنّ التطهير مستمرّ مع النبي وآله ما دموا مستمرّين في تجنّب المعاصي والإقبال على الطاعات والإكثار من الاستغفار من الذنوب.
وعبارة (يطهّركم) لم يختصّ بها آل البيت عليهم السلام فقط بل قال الله سبحانه وتعالى لعموم المؤمنين في آية الوضوء ﴿ ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ (المائدة:6) وفي سورة الأنفال أيضا ﴿ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ﴾ (الأنفال:11).
أين الخطر في القول بعصمة الأئمة؟؟
1- أنّ هذا سيؤدّي إلى تعدّد الشرائع وإلى تعدّد الأنبياء المتّبعين. وإلى تعدّد الوحي ـ وسيكون هذا التعدّد داخل كيان المسلمين أنفسهم.
2- ستكون العصمة مُدخلا للشيطان، فالذي سيحمل أقوال الإمام ليبلّغها إلى النّاس، إن لم يكن سليم النيّة، فسيتقوّل على الإمام بما لم يقل، وإن كان سليم النيّة، فسيُحمّل القول رغباته وانفعالاته وأهواءه وسيوجّهه الوجهة التي يريد.
3- تعدّد المراجع في الدين سيُـضعف مركزيّة كلّ المراجع، فلن تكون للرّسول أهمّية كونه المرجع الوحيد في السّنّة والسّلوك ولن يكون للقرآن أهمّية كونه المرجع الوحيد في الهداية (المعصوم) من كلّ خطأ.
4- سيؤكّد إخواننا الشيعة على نقاط الاختلاف باعتبارها تؤكّد الهويّة والتميّز وسيدفع هذا بهم إلى الغلوّ والشطط بحيث سيكون للإمام حضوة في الإتباع أكثر من الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنّ عصمة المعصوم الأخير تؤهّله ليكون ناسخا لأقوال المعصوم الذي قبله. فيصير الاختلاف في الإسلام شبيه بالاختلاف بين العهد القديم والعهد الجديد عند المسيحيين بل وأكثر من هذا، إذ سيكون كالاختلاف بين التوراة المحرّفة والقرآن (على أن يكون مثال التوراة المحرّفة مثال القرآن الذي بين أيدينا).
5- العصمة تُبطل قيمة الوحي. فإذا كان الإمام أو الرسول معصوما من الخطأ، فلماذا يوحى إليه؟ أو ربّما كان من الأجدى أن تنزّل عليه جملة واحدة (( يا ايّها النّاس اسمعوا لهذا الرّسول وأطيعوا فإنّي قد عصمته من الخطأ )).
إذن ليست المسألة مكابرة من المعترضين على القول بالعصمة وإنّما كانوا يخشون هذه النتائج التي ستضيّع الدّين وتجعل النّاس المتشيّعين شيعا بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى: متفرّقين في عقائدهم، متفرّقين في نظمهم، متفرّقين في ميولاتهم، متفرّقين في أئمّتهم، متفرّقين في أحلامهم، متفرّقين في ولائهم...
وقولي هذا ليس فيه استنقاص للأئمّة بل قدرهم عند الله كبير ولكن تنبيه لكم أنتم أيها الشيعة: أنّ ما تعتقدونه فيهم يؤدّي إلى نتائج خطيرة تضرّ بالدّين.
فإذا سُئلنا, أيُخطئ الأنبياء أم لا؟؟ قلتُ (خطأ الأنبياء ليس كخطئنا نحن، لأنّ صغائر ذنوبنا كبائر ذنوبهم، وقد يُذنبون بأشياء لا تعتبر في حقّنا ذنوبا، فنحن قد تحدّثنا أنفسنا بأشياء لا تُحسب علينا ذنوبا وتُحسب عليهم لمنزلتهم من الله سبحانه وتعالى وقربهم منه). فالنبيّ أو الرّسول من البشر، له غرائز، له رغبات، له حاجات وشهوات، يأكل ويشرب ويصوم، يتعرض لمصائب و يمرض بما يؤثر في عقله وفي مداركه، ينفعل بالغضب وبالسّرور وبالحزن و بالفرح، يعلّمه الله تعالى بطريق الوحي أو بطريق التجارب في الحياة وبالتفاعل مع النّاس, وكلّ هذه تكون مقترنة بأحوال مختلفة ومصحوبة بمؤثّرات مختلفة، فيُجهد الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه كرجل مكلّف بتطبيق الشرع وبإيصاله إلى النّاس على أن يؤدّي الأمانة فيما يتعلّق بالوحي وقد عصمه الله في هذا بأن يسّر له استيعاب القرآن وطمأنه على صيانته، وباشر حفظ ذلك قبل الوحي أو أثناءه أو بعده، يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ﴾ (الحج:52), ويُجهد نفسه فيما عدا ذلك على أن تكون حياته مطابقة لتعاليم الله سبحانه وتعالى فإن أخطأ في اجتهاده هداه الله تعالى إلى طريق الصّواب وفي ذلك عصمة لها وجهين: حماية الرّسول من الضلال وإتاحة الفرصة له للاستغفار والتوبة.
إذن الرسل عليهم السّلام يُخطئون ولكن يرعاهم الله دائما بالهداية بتنبيههم وحثّهم على التوبة والاستغفار.
فالذي لا يمكنه أن يُخطئ هو آلة معصومة أو قدّت لتـتبع قوانين صارمة اتّباعا صارما. أين الانفعالات؟ أين العواطف؟ أين الرّغبات والغرائز؟....
كلّ هذه المسائل الإنسانية تفقد معناها في هذا التصوّر الآلي للعصمة، وكأنّما ليس للرّسول شخصيّة مستقلّة ومسؤولة عن فعل يُردّ إليها فتُسأل عنه شرعيّا، يقول الله سبحانه وتعالى ﴿ قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ﴾ (إبراهيم:11) إذن اختلافهم على البشر يكمن فيما تفضّل الله به عليهم وهو الوحي، ويقول سبحانه وتعالى في سورة الكهف (( قل إنما أنا بشرمثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ﴾ ويقول الله سبحانه وتعالى أيضا ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين ﴾ (فصلت:6).

*************************

افتونا ماجورين جزاكم الله خيرا

الجواب:
الأخ د. فارس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
1- ورد النطق في الآية القرآنية مطلقاً وورد عليه النفي فكان مقتضاه نفي الهوى عن مطلق نطقه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان المعنى أنه لا ينطق إلا عن وحي، فحصر النطق بالوحي قال الآلوسي في تفسيره: ج27ص46: (( وقيل : المراد ما يصدر نطقه عليه الصلاة والسلام مطلقاً عن هوى وهو عائد لما ينطق به مطلقاً أيضاً وإحتج بالآية على هذا التفسير من لم يرَ الإجتهاد له عليه الصلاة والسلام.كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، ووجة الإحتجاج أن الله تعالى اخبر بأن جميع ما ينطق به وحي وما كان من إجتهاد وليس بوحي فليس ممّا ينطق، وأجيب بأن الله تعالى إذا سوغ له (عليه الصلاة والسلام) الاجتهاد كان الاجتهاد وما يسند إليه وحياً لا نطقاً عن الهوى... )) .
ولا يعترض على ذلك بعدم التمييز بين قول النبي وقول القرآن، وذلك لأنه ثبت عندنا نزول الوحي على النبي في مواضع عدة وبلغ بكلام منه (ص) بأن الوحي يخبر بأشياء غير القرآن كالأحاديث القدسية وأحاديث من كلامه (ص) بإخبار الوحي، فليس معنى أن نطقه ما هو إلا وحي أن يكون دائماً قرآناً،بل يمكن أن يكون غيره لأن الوحي كما يبلغ بالقرآن يبلغ بغيره والإشكال نشأ من افتراض أن الوحي لا يخبر إلا بالقرآن وهو خطأ.
وأما الإعتراض الثاني وهو أن الخطأ لا يصدر عن الهوى فقط بل يصدر عن غيره، فلو سلمنا بذلك، فإن الخطأ يمكن أن يصدر منه (ص) لو كانت الآية القرآنية تقول: وما ينطق عن الهوى فقط, ولكن لما حصرت الآية النطق بالوحي لا معنى لصدور الخطأ في نطقه الإّ بالقول بخطأ الوحي وهذا ما لا يقول به أُحد.
ثم إن سبب نزول الآية يتعلق بواقعة سقوط النجم، فليس النطق كان متعلقاً بالقرآن، وليس هناك قرينة تصرف سياق الآية للقرآن, وأما ما تمحله هذا المستشكل فليس إلا هذراً ممن لم يعرف العربية.
2- إرجع إلى موقعنا على الإنترنيت وتحت العنوان: (الأسئلة العقائدية / آية التطهير).
3- وأما المخاطر التي ذكرتها للقول بالعصمة فنجيب عنها:
أ- أن تصور إتصال الأئمة بالوحي معناه تعدد الشرائع تصور خاطئ، فالإمام حتى لو سدد من قبل الوحي فليس معناه أن يأتي بدين جديد وشريعة جديدة بل التسديد يكون لبيان شريعة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
ب- إذا كانت العصمة مدخلاً للشيطان في أصحاب الأئمة، فإنها أيضاً ستكون مدخلاً للشيطان في أصحاب الرسول (ص) فيتصرفون كما تصورت أن يتصرف أصحاب الأئمة، وهذا خلاف ما يقوله أتباع مدرسة الصحابة حيث قالوا بعدالة جميع الصحابة.
إذ لم يكن الإمام معصوماً فسيكون هو مدخلاً للشيطان وبالتالي تنحرف الأمة جميعاً بإنحرافه.
ج- ما يفعله المراجع ماهو إلا للوصول إلى فهم مراد المعصوم سواء كان قرآناً أم نبياً أم إماماً، وإذا لم يتعدد المراجع فمعناه القبول بقول مرجع واحد سواء كان على خطأ أم صواب كما حصل مع أتباع المذاهب الأربعة، وليس تعدد المراجع، هو إضعاف لدور الرسول (ص) والقرآن بل جلاء وبيان له.
د- ثم إنك إذ ترفض تعدد المراجع معناه أنك تجعل المسلمين يأخذون مباشرة من الرسول (ص) أو القرآن، وفي هذه الحالة فإن هذا يزيد في الخطأ، فأنت لم تقبل بتعدد المراجع وقبلت بتعدد أكثر من خلال المسلمين الآخذين من مصدر التشريع.
هـ- أن إفتراض كون الإمام معصوماً يعني أنه سوف يأتي بشيء صحيح، فحتى لو جاء بشيء جديد فإنه مسدد من قبل السماء نحو ذلك، وهذا الذي يأتي به ما هو إلا بيان لشريعة النبي التي لم تظهر كل شيء خلال الفترة القصيرة التي استمرت بها.
و- الإمام معصوم بتسديد الوحي، فالإتصال بالسماء هو الذي يجعله معصوماً، فالإمام والنبي يحتاج كل منهما لأن يسدد من قبل روح القدس ليكون معصوماً، وبعصمة الإمام سيتحد الناس على مصدر واحد للعلم والمعرفة لا يقبل الخطأ بخلاف القول: (بأيهم أقتديتم إهتديتم) فإن الإختلاف سيكون كبيراً.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال