الاسئلة و الأجوبة » القرآن وتفسيره » تفسير قوله تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر), وقوله تعالى (وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث)


مكي النسيم / البحرين
السؤال: تفسير قوله تعالى: (إنّا أنزلناه في ليلة القدر), وقوله تعالى (وقرآن فرقناه لتقرأه على الناس على مكث)
ماهو تفسير هذه الاية (( إِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَةِ القَدر ))
وهذه الاية (( وقرانا فرقناه لتقراه على الناس على مكث )) ؟
الجواب:
الأخ مكي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 20 ص 330 قال:
قوله تعالى: (( إنا أنزلناه في ليلة القدر )) ضمير (( أنزلناه )) للقرآن وظاهره جملة الكتاب العزيز لا بعض آياته ويؤيده التعبير بالانزال الظاهر في اعتبار الدفعة دون التنزيل الظاهر في التدريج.
وفي معنى الآية قوله تعالى: (( والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة )) (الدخان:3) وظاهره الأقسام بجملة الكتاب المبين ثم الاخبار عن إنزال ما أقسم به جملة.
فمدلول الآيات أن للقرآن نزولا جمليا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير نزوله التدريجي الذي تم في مدة ثلاث وعشرين سنة كما يشير إليه قوله: (( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا )) (أسرى:106), وقوله: (( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا )) (الفرقان:32). فلا يعبأ بما قيل: إن معنى قوله: (( أنزلناه )) ابتدأنا بإنزاله والمراد إنزال بعض القرآن.
وليس في كلامه تعالى ما يبين ان الليلة أية ليلة هي غير ما في قوله تعالى: (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن )) (البقرة:185) فإن الآية بانضمامها إلى آية القدر تدل على أن الليلة من ليالي شهر رمضان.
وأما تعيينها أزيد من ذلك فمستفاد من الاخبار وسيجئ بعض ما يتعلق به في البحث الروائي التالي إن شاء الله.
وقد سماها الله تعالى ليلة القدر, والظاهر أن المراد بالقدر التقدير فهي ليلة التقدير يقدر الله فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في صفة الليلة: (( فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك )) (الدخان:6) فليس فرق الامر الحكيم إلا إحكام الحادثة الواقعة بخصوصياتها بالتقدير.
ويستفاد من ذلك أن الليلة متكررة بتكرر السنين ففي شهر رمضان من كل سنة قمرية ليلة تقدر فيها أمور السنة من الليلة إلى مثلها من قابل إذ لا معنى لفرض ليلة واحدة بعينها أو ليال معدودة في طول الزمان تقدر فيها الحوادث الواقعة التي قبلها والتي بعدها وإن صح فرض واحدة من ليالي القدر المتكررة ينزل فيها القرآن جملة واحدة. على أن قوله: (( يفرق )) - وهو فعل مضارع - ظاهر في الاستمرار, وقوله: (( خير من الف شهر )) و (( تنزل الملائكة )) الخ يؤيد ذلك. فلا وجه لما قيل: إنها كانت ليلة واحدة بعينها نزل فيها القرآن من غير أن يتكرر, وكذا ما قيل: إنها كانت تتكرر بتكرر السنين في زمن النبي صلى الله عليه وآله ثم رفعها الله, وكذا ما قيل: إنها واحدة بعينها في جميع السنة وكذا ما قيل: إنها في جميع السنة غير أنها تتبدل بتكرر السنين فسنة في شهر رمضان وسنة في شعبان وسنة في غيرهما. وقيل: القدر بمعنى المنزلة وإنما سميت ليلة القدر للاهتمام بمنزلتها أو منزلة المتعبدين فيها, وقيل: القدر بمعنى الضيق وسميت ليلة القدر لضيق الأرض فيها بنزول الملائكة. والوجهان كما ترى. فمحصل الآيات - كما ترى - أنها ليلة بعينها من شهر رمضان من كل سنة فيها إحكام الأمور بحسب التقدير, ولا ينافي ذلك وقوع التغير فيها بحسب التحقق في ظرف السنة فإن التغير في كيفية تحقق المقدر أمر والتغير في التقدير أمر آخر كما أن إمكان التغير في الحوادث الكونية بحسب المشية الإلهية لا ينافي تعينها في اللوح المحفوظ قال تعالى: (( وعنده أم الكتاب )) (الرعد:39). على أن لاستحكام الأمور بحسب تحققها مراتب من حيث حضور أسبابها وشرائطها تامة وناقصة ومن المحتمل أن تقع في ليلة القدر بعض مراتب الاحكام ويتأخر تمام الاحكام إلى وقت آخر لكن الروايات كما ستأتي لا تلائم هذا الوجه
في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 13 ص 220قال:
قوله تعالى: (( وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا )) معطوف على ما قبله أي أنزلناه بالحق وفرقناه قرآنا, قال في المجمع: معنى فرقناه فصلناه ونزلناه آية آية وسورة سورة ويدل عليه قوله: (( على مكث )) والمكث - بضم الميم - والمكث - بفتحها - لغتان. انتهى.
فاللفظ بحسب نفسه يعم نزول المعارف القرآنية التي هي عند الله في قالب الألفاظ والعبارات التي لا تتلقى الا بالتدريج ولا تتعاطى الا بالمكث والتؤدة ليسهل على الناس تعقله وحفظه على حد قوله (( انا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وانه في أم الكتاب لدينا لعلى حكيم )) (الزخرف:4). ونزول الآيات القرآنية نجوما مفرقة سورة سورة وآية آية بحسب بلوغ الناس في استعداد تلقي المعارف الأصلية للاعتقاد والاحكام الفرعية للعمل واقتضاء المصالح ذلك ليقارن العلم العمل ولا يجمح عنه طباع الناس بأخذ معارفه وأحكامه واحدا بعد واحد كما لو نزل دفعة وقد نزلت التوراة دفعة فلم يتلقها اليهود بالقبول الا بعد نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. لكن الأوفق بسياق الآيات السابقة وفيها مثل قولهم المحكي: (( حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه )) الظاهر في اقتراح نزول القرآن دفعة هو أن يكون المراد بتفريق القرآن انزاله سورة سورة وآية آية حسب تحقق أسباب النزول تدريجا وقد تكرر من الناس اقتراح أن ينزل القرآن جملة واحدة كما في: (( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة )) (الفرقان:32), وقوله حكاية عن أهل الكتاب: (( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء )) (النساء:153). ويؤيده تذييل الآية بقوله: (( ونزلناه تنزيلا )) فإن التنزيل وهو انزال الشئ تدريجا أمس بالاعتبار الثاني منه بالأول.
ومع ذلك فالاعتبار الثاني وهو تفصيل القرآن وتفريقه بحسب النزول بانزال بعضه بعد بعض من دون أن ينزل جملة واحدة يستلزم الاعتبار الأول وهو تفصيله وتفريقه إلى معارف وأحكام متبوعة مختلفه بعدما كان الجميع مندمجة في حقيقة واحده منطوية مجتمعة الاعراق في أصل واحد فارد.
ولذلك فصل الله سبحانه كتابه سورا وآيات بعدما ألبسه لباس اللفظ العربي ليسهل على الناس فهمه كما قال: (( لعلكم تعقلون )) ثم نوعها انواعا ورتبها ترتيبا فنزلها واحدة بعد واحدة عند قيام الحاجة إلى ذلك وعلى حسب حصول استعدادات الناس المختلفة وتمام قابليتهم بكل واحد منها وذلك في تمام ثلاث وعشرين سنة ليشفع التعليم بالتربية ويقرن العلم بالعمل.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال