الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » محاولة لرد برهان الصديقين


ابن سينا / بريطانيا
السؤال: محاولة لرد برهان الصديقين

كتب أحد الملحدين ما يلي:

*************************

**رد على برهان صدر المتألهين** :
هناك برهان مشهور في الفلسفة الالهية يعرف باسم برهان الصديقين الذي وضعه الملا صدر الدين الشيرازي (او ملا صدرا) عندما كان في البصرة في رحلته للحج، وبرهانه هو نوع من الاستدلال المباشر على وجود الواجب, وملخص الاستدلال هو انه لما ثبت عندنا ان الاصالة تكون للوجود وان الوجود حقيقة لاتقبل العدم فان وجودنا انا وانت ووجود سائر المحسوسات ليس هو الوجود الحقيقي لانه قابل للعدم فانا موجود هنا وغير موجود هناك وانا موجود الان وربما غير موجود غداً فانا محدود بحدود مكانية وزمانية ومحدود بجنس وفصل وكل هذه هي حدود عدمية فاذن وجودي ليس هو الوجود الحقيقي ولما لم يكن وجودنا هو الوجود الحقيقي فاذن الوجود الحقيقي هو ليس هذا الذي نراه حولنا وانما هو غيره وهذا الغير هو الواجب.
اذن صدر المتألهين وضع البرهان والاستدلال للعلاقة بين الخالق وبين المخلوق فهذه العلاقة ارقى من علاقة الصانع بالمصنوع بل هي علاقة الظل بصاحب الظل فالعالم كله ليس سوى تجلي من تجليات الخالق وهذا هو المقصود بوحدة الوجود فالعامة تفهم من وحدة الوجود ان الله هو العالم والعالم هو الله بينما المقصود هو ان العالم هو تجلي من تجلياته, وانعكاس لوجود الخالق فكل شيء يكون في الحقيقة مرآة لوجود الله, وبهذا المعنى يقول ابن الفارض:

جلت في تجليه الوجود لناظري ***** ففي كل مرئيٍ اراها برؤيته

وبرهان صدر المتألهين يشبه برهان انسلم الذي يعد احد اولياء الدين المسيحي وتابعه عليه جملة من الفلاسفة الغربيين مثل ديكارت وسبينوزا وليبنتز ولكن الفيلسوف كنت انتقده وعده برهان غير سليم وفي الحقيقة برهان صدر المتألهين اكثر احكاماً من برهان انسلم المقدس.
من عجائب الامور ان الالهيين حينما يتحدثون عن العالم يتحدثون عن الكرة والصخرة والانسان وكأن هناك من قال ان الانسان واجب وجود من الملحدين من دون ان نعلم !
نحن في حديثنا كله ومن ايام ابي العلاء المعري نتحدث عن كليات العالم وكليات العالم هذه موجودة في كل مكان ومحيطة بكل شيء وحديثنا ليس عن جزئيات العالم، وهذه الكليات خارجة عن كلام صدر المتأهلين فهي ليست عين المحدودية وتوأم العدم وان كان هو يريد ان يجعلها رغماً عنا محتاجة ومعوزة في وجودها الى اله فنحن لانناقش مثل هذا المستوى من الكلام الغصبي !
ان ما اغفله صدر المتألهين ومن تبعوه هو ان الحدود التي نراها في ماحولنا من المحسوسات سببها محدودية المشاهد (بكسر الهاء) لامحدودية المشاهد (بفتح الهاء) فنحن لانرى من الجسم سوى اسقاطه على الابعاد المكانية الثلاثية الابعاد ولو اننا تسنى لنا ان نرى الاشياء على حقيقتها وبكامل ابعادها فلن نرى عندها أي محدودية واي تجسم بل ان كل شيء سيمتد امتداد لانهائي بلا ان يكون له حدود بل ان كل الاجسام ستصبح جسماً واحداً وذاتاً واحدة وما التمايز في ما نرى الا تمايز مجازي واعتباري عائد الى نقص في المشاهد والناظر ولقد صدق المتصوفة قديماً حينما قالوا:
( ان الواقع ليس الا ذات واحدة لا تركيب فيها اصلاً، بل لها صفات هي عينها، وهي حقيقة الوجود المنزهة في حد ذاتها عن شوائب العدم وسمات الامكان، ولها تقيدات بقيود اعتبارية، بحسب ذلك تتراءى موجودات متمايزة، فيتوهم من ذلك تعدد حقيقي )
والمحقق اللاهيجي حينما اورد كلامهم في كتابه شوارق الالهام رد عليهم بان هذا خروج من طور العقل لان البداهة شاهدة بتعدد الموجودات تعدداً حقيقياً.
ولكن ماذا اذا كان مانظنه بديهياً ومحصلاً بالمشاهدة وهماً وخداع بصر؟ ماذا اذا كانت كل تصوراتنا للواقع ليست سوى تصورات مغلوطة بعيدة كل البعد عن عين الواقع؟

**ماذا يقول البحث العلمي**؟
احدى اهم الحقائق الفيزيائية والمحيرة في نفس الوقت هي الطبيعة المزدوجة للمادة، فالمادة تتصرف كاجسام لها ابعاد محدودة بابعاد مكانية وزمانية معينة وهذا هو ما نلاحظه في طبيعة الاجسام التي حولنا، وطبيعة اخرى هي طبيعة موجية فالاجسام تتصرف كامواج مثلما تتصرف كاجسام، واذا كانت كتلة الجسم من حيث هو جسم محصورة ومحبوسة في ابعاده المكانية فانه من حيث هو موجة تنتشر كتلته على طول خط انتشار الموجة والامواج لانها تنتشر في كل مكان فان كل جسم سيكون له امتداد لانهائي، وكوننا لانلاحظ هذه الطبيعة الموجية في الاجسام المحسوسة فلانه يرجع الى كون الطول الموجي لتلك الاجسام قليل جداً الى درجة يصعب معها قياسه، ولكنه مع هذا فهو قابل للقياس والتجربة مع الاجسام دون الذرية مثل الالكترونات
والفوتونات وهناك العديد من التجارب لاثبات الطبيعة الثنائية للاجسام.
مشكلتنا كبشر هي اننا نحكم على اشياء لم نصل بعد الى درجة اليقين حول طبيعتها، فالفيلسوف يتحث عن المادة وكأنه مدرك لماهيتها !
ان الكون في ظل النظريات الموحدة يبدو كجسد واحد ذو طبيعة واحدة فكل القوى صارت في الحقيقة قوة واحدة ولكن عن اي قوى اتحدث؟ ان الطاقة/الكتلة لست سوى خاصية من خواص الفراغ ولكن نحن اعتدنا ان نتحدث عن ان الكتلة/الطاقة هي الاساس والموجود القائم بذاته وان الزمكان خاصية من خواصه !!! ان العلم الحديث قلب الصورة وقلب فهمنا لكثير من الامور.

**ملخص القول**
اننا نطعن في استدلال الفلاسفة على كون وجودنا ليس هو الوجود الحقيقي ونطرح حجج المتصوفة كسند لادعاءنا والعلم الحديث كتأييد لمانقوله ولايمكن عندها الاستدلال على ان هذا الواقع ليس هو الواقع الحقيقي لان الاحتمال يبطل الاستدلال، ثم اننا باثباتنا ان هذا هو الواقع الحقيقي فانه يستحيل ان يكون هناك غيره ويستحيل ان يكون هناك اله من اي نوع حتى وان كنت لا اعرفه.

*************************

هل عندكم رد؟
شكرا

الجواب:

الأخ إبن سينا المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أن أول من نسب برهان الإلهيين إلى الصديقين هو ابن سينا وقرره بتقرير ذكره في الإشارات ثم توالت تقارير أخصر وامتن له من قبل الفلاسفة:
قال ابن سينا في النمط الرابع من الإشارات تحت عنوان تنبيه: كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته من غير التفات إلى غيره - فاما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أولا يكون فان وجب فهو الحق بذاته الواجب وجوده من ذاته وهو القيوم وإن لم يجب لم يجز أن يقال: أنه ممتنع بذاته بعد ما فرض موجوداً, بلى إن قرن بأعتبار ذاته شرط مثل شرط عدم علته صار ممتنعاً أو مثل شرط وجود علته صار واجباً وان لم يقرن بها شرط لا حصول علة ولا عدمها بقي له في ذاته الأمر الثالث وهو الأمكان فيكون باعتبار ذاته الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع فكل موجود أما واجب الوجود بذاته وأما ممكن الوجود بحسب ذاته.
اشارة: ما حقه في نفسه الأمكان فليس موجوداً من ذاته فأنه ليس وجوده من ذاته اولى من عدمه من حيث هو ممكن فان صار احدهما اولى فلحضور شيء أو غيبته فوجود كل ممكن الوجود هو من غيره.
تنبيه: أما أن يتسلسل ذلك إلى غير النهاية.... ثم بدأ إبن سينا بأبطال التسلسل والدور.
- إلى أن قال في نهاية النمط الرابع - : تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول وواحدانيته وبرائته عن الصمات إلى تأمل لغير نفس الوجود؟ ولم يحتج إلى أعتبار من خلقه وفعله وان كان ذلك دليلاً عليه, ولكن هذا الباب أوثق واشرف أي إذا اعتبرنا حال الوجود فشهد به الوجود من حيث هو وجود وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود وإلى مثل هذا أشير في الكتاب الإلهي (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق) فصلت 53: أقول ان هذا حكم لقوم, ثم يقول (أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد )أقول: إن هذا حكم الصديقين الذين يستشهدون به لاعليه . ( الإشارات والشبهات : النمط الرابع ) .
فانظر اليه كيف ينفي احتياج الأستدلال إلى غير الوجود الحق من قوله ( ولم يحتج إلى إعتبار من خلقه وفعله ) وقوله : (الذين يستشهدون به لا عليه ) . حتى تعرف مدى ما بَعُد هذا المستشكل عن فهمه فيما يأتي من كلامه .
وقد أشير إلى هذا البرهان بالشرح من قبل الكثيرين كما عن شارحي الإشارات الخواجة الطوسي والقطب والرازي .
وقال العلامة الطباطبائي في نهاية الحكمة : من البراهين عليه أنه لاريب ان هناك موجوداً ما, فإن كان هو أو شيء منه واجباً بالذات فهو المطلوب, وإن لم يكن واجباً بالذات وهو موجود فهو ممكن بالذات بالضرورة, فرجح وجوده على عدمه لأمر خارج من ذاته وهو العلة وإلا كان مرجحا ً بنفسه فكان واجباً بالذات وقد فرض ممكناً وهذا خلف, وعلته إما ممكنة مثله أو واجبة بالذات وعلى الثاني يثبت المطلوب وعلى الأول ينقل الكلام إلى علته وهلم جرا فإما ان يدور أو يتسلسل وهما محالان أو ينتهي إلى علة غير معلولة هي الواجب بالذات وهو المطلوب ( نهاية الحكمة / المرحلة الثانية عشرة / الفصل الثاني ) .
وقال الشيخ المصباح في تعليقته : ( والبراهين التي تفيد هذا العلم الإكتسابي كثيرة وأمتنها ما يتشكل من مقدمات عقلية محضة ولا تحتاج إلى مقدمات حسية وتجريبة ونحوها كالبرهان الذي أقامه الشيخ في الإشارات وحاصله أن الموجود أما أن يكون واجباً فهو المطلوب وإما أن يكون ممكنا ً فيحتاج إلى علة ترجح وجوده والعلة أما هو الواجب فيثبت المطلوب واما ان يكون ممكناً آخر فلابد من إنتهاء سلسلة العلل إلى الواجب دفعاً للدور والتسلسل ( تعليقة على نهاية الحكمة, رقم (396)) .
وقال المحقق الطوسي في شرحه : المتكلمون يستدلون بحدوث الأجسام والإعراض على وجود الخالق وبالنظر إلى أحوال الخليقة على صفاته واحدة فواحدة والحكماء الطبيعيون يستدلون بوجود الحركة على المحرك, وبإمتناع اتصال المحركات لا إلى نهاية على وجود محرك أول غير متحرك, ثم يستدلون من ذلك على وجود مبدأ أول وأما الإلهيون فيستدلون بالنظر في الوجود وأنه واجب أو ممكن على إثبات الواجب ثم في النظر في ما يلزم الوجود والإمكان على صفاته ثم يستدلون بصفاته على كيفية صدور أفعاله عنه واحداً بعد واحد ( تعليقة على نهاية الحكمة رقم (396) ).
وقرره في التجريد بأخصر عبارة, قال : الموجود إن كان واجباً وإلا إستلزمه لإستحالة الدور والتسلسل .
وشرحه العلامة بقوله : اقول يريد إثبات واجب الوجود تعالى وبيان صفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز وبيان أفعاله وآثاره وإبتدأ بإثبات وجوده لأنه الأصل في ذلك كله, والدليل على وجوده أن نقول هنا موجود بالضرورة فإن كان واجباً فهو المطلوب وإن كان ممكناً إفتقر إلى مؤثر موجود بالضرورة فذلك المؤثر إن كان واجباًَ فالمطلوب وإن كان ممكناً افتقر إلى مؤشر موجود فإن كان واجباً فالمطلوب وإن كان ممكناً تسلسل أو دار وقد تقدم بطلانهما وهذا برهان قاطع أشير اليه في الكتاب العزيز بقوله : ( أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ) . ( كشف المراد : 392 ) .
فإنظر إلى كيفية استدلالهم بالوجود لا غير تصريحهم بذلك كما ذكر الطوسي وهذا ما غفل عنه المستشكل الملحد .
ثم أن صدر المتأهلين ذكر دليل إبن سينا بهذا الشكل : فمنها ما أشرنا إليه في العلم الكلي والفلسفة الأولى لإننا بينا خواص واجب الوجود ووحدته حيث ذكرنا أن الموجود ينقسم بحسب المفهوم إلى واجب وممكن والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه, فلا بد له من مرجح من خارج, وإلا ترجح بذاته فكان ترجحه واجباً لذاته فكان واجب الوجود بذاته وقد فرض ممكنا وكذا في جانب العدم فكان ممتنعاً وقد فرض ممكنا هذا خلف، فواجب الوجود لابد من وجوده فأن الموجودات حاصلة فإن كان شيء منها واجباً فقد وقع الإعتراف بالواجب وإلا فوقع الإنتهاء عليه لبطلان ذهاب السلسلة إلى غير نهاية كما مر بيانه والدور مستلزم للتسلسل فهو محال أيضاً, مع انه يوجب تقدم الشيء على نفسه وذلك ضروري البطلان, ولا يدفع بطلانه اختلاف الحيثية التعليلية لأنها غير مكثرة للذات الموضوعة لهما فالدور مع أنه يستلزم التسلسل يستلزم تقدم الشيء على نفسه وهذا المسلك اقرب المسالك إلى منهج الصديقين, وليس بذلك كما زعم لأن هناك يكون النظر إلى حقيقة الوجود وهاهنا يكون النظر في مفهوم الموجود.
وحاصله: أن النظر في مفهوم الوجود والموجودية يعطي أنه لا يمكن تحققه إلا بالواجب إذ لو انحصر الموجود في الممكن لم يتحقق موجود أصلاً لأنه على هذا التقدير تحقق الممكن إما بنفسه بدون علة وهو محال بديهة أو بغيره وذلك الغير أيضاً ممكن على هذا التقدير فأما أن يتسلسل الآحاد أو يدور أو يؤدي إلى الواجب والشقان الأولان باطلان وكذا الثالث لأنه خلاف المقدر وإن كان حقاً لازما لأن نقيضه وهو خلو الممكن عنه باطل فهذا ما وصفه الشيخ في الإشارات بأنه طريقة الصديقين وتبعه المتأخرون فيه . ( الأسفار 6: 25 ) .
ثم أجاب الشيرازي على إشكال هو الأصل فيما حاول هذا الملحد قوله دون أن يستطيع أن يصوغه فلسفياً .
قال ملا صدرا : قيل عليهم ألستم قد أخذتم في الدليل وجود الممكن لما يشاهد من عدمه بعد وجوده أو قبله .
فأجابوا : بأن هذا البرهان غير متوقف إلا على موجود ما فان كان واجباً فهو المرام وإن كان ممكنا فلابد أن يستند إلى الواجب بالبيان المذكور .
وأوضحه السبزواري في الهامش : لا وجود الممكن بنحو المفروغية عنه وعلى سبيل الجزم به كما في طريقة الإمكان والحدوث أو غيرها فإنها فيها ملحوظة بنحو المفروغية عنها والموضوعية, ومن هنا قال المحقق القوشجي أيضاً ( لا شك في وجود موجود ) إلى آخره فالوجود ليس أجنبياً عنه تعالى كالاماكن والحدوث وغيرها بل حقيقته حقيقة الواجب كما مر في طريقة المتأهلين ومفهومه وجهه تعالى وهو تعالى فرده كما في طريقة الإلهين ( الأسفار 6: 26)
ثم أن الملا صدرا بعد أن لم يرتض ِ وصف إبن سينا برهانه ببرهان الصديقين ذكر برهانه الخاص : قال وتقريره أن الوجود كما مر حقيقة عينية واحدة بسيطة لا اختلاف بين أفرادها لذاتها إلا بالإكمال والنقص والشدة والضعف او بأمور زائدة كما في أفراد مهية نوعية وغاية كمالها ما لا أتم منه وهو الذي لا يكون متعلقاً بغيره ولا يتصور ما أتم منه إذ كل ناقص متعلق بغيره مفتقر إلى تمامه, وقد تبين أن التمام قبل النقص والفعل قبل القوة والوجود قبل العدم, وبّين أيضاً أن تمام الشيء هو الشيء وما يفضل عليه فإذن الوجود اما مستغن عن غيره واما مفتقر لذاته إلى غيره.
والأول هو واجب الوجود وهو صرف الوجود الذي لا أتم منه ولا يشوبه عدم ولا نقص والثاني هو ما سواه من أفعاله وآثاره ولا قوام لما سواه إلا به لما مر من أن حقيقة الوجود لا نقص لها وإنما يلحقه النقص لأجل المعلولية وذلك لأن المعلول لا يمكن أن يكون في فضيلة الوجود مساوياً لعلته فلو لم يكن الوجود مجعولاً ذا قاهر يوجده ويحصله ( كما يقتضيه ) لا يتصور أن يكون له نحو من القصور لأن حقيقة الوجود كما علمت بسيطة لا حد لها ولا تعين إلا محض الفعلية والحصول وإلا لكان فيه تركيب, أو له مهية غير الموجودية . وقد مر أيضاً أن الوجود إذا كان معلولاً كان مجعولاً بنفسه جعلاً بسيطاً وكان ذاته بذاته مفتقراً إلى جاعل وهو متعلق الجوهر والذات بجاعله، فإذن قد ثبت واتضح أن الوجود إما تام الحقيقية واجب الهوية وإما مفتقر الذات اليه متعلق الجوهرية, وعلى أي القسمين يثبت ويتبين أن وجود واجب الوجود غني الهوية عما سواه وهذا هو ما أردناه . ( الاسفار 6/15 ).
وقد قرره السيد الطابطبائي بصورة أخصر قال : واوجز ما قيل أن حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها فإذن الواجب بالذات موجود وهو المطلوب ( نهاية الحكمة / المرحلة الثانية عشرة / الفصل الأول ) .
ثم نقل ما أورده السبزواري في تعليقته على الأسفار, قال : وفي معناه ما قرر بالبناء على أصالة الوجود إن حقيقة الوجود التي هي عين الأعيان وحاق الواقع حقيقة مرسلة يمتنع عليها العدم إذ كل مقابل غير قابل لمقابله والحقيقة المرسلة التي يمتنع عليها العدم واجبة الوجود بالذات فحقيقة الوجود الذاتية واجبة بالذات وهو المطلوب ( نهاية الحكمة : المرحلة الثانية عشرة : الفصل الأول ) و ( الأسفار 6: 17 تعليقة السبزواري ).
وهذا الأخير عن السبزواري هو الذي حاول الملحد نسبته إلى الملا صدرا وليس بذاك؟
ولو دققت في كل ما ذكرنا من التقارير السابقة تجد أنهم ( أي الفلاسفة ) لم يستدلوا على واجب الوجود إلا بحقيقة الوجود كما عن ملا صدرا والسبزواري والطباطبائي أو بمفهوم الوجود كما عن ابن سينا ومن تبعه وإن كان مفهوم الوجود تعبير عن حقيقة الوجود, ولم تدخل الممكنات كحد وسط في الاستدلال كما نقلنا عبارة المحقق الطوسي في شرحه على الإشارات ونبهنا عليه عند ذكرنا لدليل الملا صدرا.
وقد نص العلامة الطباطبائي على أن هذا البرهان برهان (إني) ينتقل فيه من لازم إلى لازم, قال: البراهين الدالة على وجوده تعالى كثيرة متكثرة وأوثقها وأمتنها هو البرهان المتضمن للسلوك إليه من ناحية الوجود وقد سموه برهان الصديقين كما أنهم يعرفونه تعالى به لا بغيره وهو كما سنقف عليه برهان (إني) يسلك فيه من لازم من لوازم الوجود إلى لازم آخر (نهاية الحكمة / المرحلة الثانية عشرة / الفصل الأول).
فليس صحيحاً ما ذكره هذا الملحد من أن صدر المتألهين وضع البرهان والاستدلال للعلاقة بين الخالق والمخلوق فإن هذه الطريقة طريقة المتكلمين.
قال الشيخ المصباح اليزدي: البراهين التي تفيد العلم الاكتسابي كثيرة وامتنها ما يتشكل من مقدمات عقلية محضة ولا تحتاج إلى مقدمات حسية وتجريبية ونحوها كالبرهان الذي أقامه الشيخ في الإشارات (تعليقة على نهاية الحكمة : رقم (396) ).
ومن هنا يتضح لك قيمة ما حاوله هذا الملحد من النقد بما ثبت في العلم الحديث من الطبيعة المزدوجة للإلكترون اعني الجسمية والموجبة وسيأتي الكلام عنها لاحقاً.
ولنرجع إلى البرهان حسب ما قرره الملا صدرا والطباطبائي نجد أن (اما) المذكورة في كلام الملا صدرا في قوله (فإذن الوجود إما مستغن عن غيره واما مفتقر لذاته إلى غيره).
نجد أن السبزواري قد نص على انها للتقسيم وهو تقسيم عقلي بحت غير ناظر إلى ما ثبت واقعاً في الخارج (الاسفار 6: 16, تعليقة السبزواري).
و (إما) عند الطباطبائي في قوله (ان حقيقة الوجود إما واجبة وإما تستلزمها) فهي إما للتقسيم أو للترديد والاثنان من وجهة نظر العقل فقط دون النظر إلى ما هو متحقق في الخارج والفلاسفة يأخذون التقسيم والعرفاء الترديد.
وقد اشرنا إلى ما ربما يتوهم من الإشكال على التقسيم بما أجاب به الملا صدرا على الاشكال الذي أورده على برهان ابن سينا فراجع ثمة، ونضيف هنا قول الشيخ المصباح: قال: أن الميزة التي نؤكد عليها هي ما أشرنا إليه من تركب هذا البرهان من مقدمات عقلية محضة بخلاف البراهين المنسوبة إلى المتكلمين والطبيعيين مضافاً إلى قلة مقدماته بالنسبة إليها فإن تلك البراهين تثبت أولاً وجود محرك غير متحرك ومحدث غير حادث ثم تحتاج في إثبات وجوب ذلك المحّرك والمحدث إلى ما مثل ما أخذ في هذا البرهان من مقدمات.
ويمكن اعتبار ميزة ثالثة للبرهان الإلهي هي أنه لا يتوقف على قبول وجود الممكن في الخارج فضلاً عن معرفة صفاته وأحواله بل يكفي فيه الترديد بين كون الموجود الذي لا شك في وجوده واجباً أو ممكناً, بخلاف سائر البراهين التي تحتاج إلى معرفة صفات المخلوقات من الحدوث والأمكان وغيرهما بعد قبول وجودها في الخارج ولعله إلى هذا أشار الشيخ حيث قال (ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه).
ولكن يمكن من جهة أخرى إثبات ميزة لتلك البراهين بإزاء هذه الميزة وهي كفايتها لإثبات كون الواجب غير العالم بخلاف هذا البرهان الذي إنما يثبت موجوداً واجباً بالذات ثم يحتاج في إثبات كونه غير العالم إلى بيان صفات الواجب بالذات وعدم انطباقها على صفات العالم ( تعليقة على نهاية الحكمة: رقم 396) .
فلم يكن في البرهان نظر إلى ما قاله الملحد (فإن وجودنا أنا وأنت ووجود سائر المحسوسات ليس هو الوجود الحقيقي الخ...) أصلاً، فإن هذا لا يثبت بهذا البرهان وإنما ببراهين أُخر كما نص الشيخ المصباح.
والذي يثبت في هذا البرهان فقط هو وجود واجب الوجود لا غير اما ما هو وما هي صفاته وهل هو غير العالم أو لا؟ فمسكوت عنه يحتاج بيانه إلى أدلة أُخر, فلاحظ.
وبالتالي فلم يكن في البرهان نظر إلى العلاقة بين الخالق والمخلوق وانها ارقى من علاقة الصانع والمصنوع وهي علاقة الظل بصاحب الظل وكونها تجلي وبمعنى أخر وجود رابط أو فقري كما حاول إيهامه هذا الملحد.
وبالتالي فلم يكن هناك معنى لما قاله الملحد (من عجائب الأمور أن الإلهين حينما يتكلمون عن العالم يتحدثون عن الكره والصخرة والإنسان وكأن هناك من قال أن الإنسان واجب وجود من الملحدين من دون ان نعلم) فان البرهان لم يكن ناظراً أصلاً إلى تعيين من هو واجب الوجود وصفاته بل أنه لم يكن ناظراً إلا إلى حقيقة الوجود وان هناك واجب الوجود دون النظر إلى العالم أصلاً.
وبالتالي فلا معنى ولا مدخلية لما قاله لاحقاً (نحن في حديثنا كله من أيام أبي العلاء المعري تتحدث عن كليات العالم وكليات العالم هذه موجودة في كل مكان ومحيطة بكل شيء....).
فمع أنه لم يوضح ماذا يريد بالكليات فان للكلي عدة مصطلحات، ولكن ذكرها منه على صيغة الجمع يدل على أن هناك كليات متعددة واحداها غير الأخرى فهي متمايزة بينها وهذا يكفي في إثبات محدوديتها وتركبها ومن ثم امكانها فان هذه الكلية مثلاً غير تلك الكلية والأولى عدم إذا لاحظنا الثانية فان زيد مثلاً عدم عند لحاظ عمرو وفي مجاله ووجوده فلاحظ مافي كلامه من تناقض.
ومن هنا يتوضح ما ربما حاوله هذا الملحد من الإشكال على كون (إما) للترديد ولو أننا على يقين من أنه لم يفهم ذلك. وذلك عندما ساق كلام المتصوفة من قولهم بوحدة الوجود.
فان أخذ (إما) على الترديد يثبت أيضاً وجود واجب الوجود وأن لم يحدده.
ما هو؟ هل هو العالم أو غيره، على عكس ما ذكره هذا الملحد من أنه ينفي وجود واجب الوجود في آخر كلامه، فان المتصوفة لا ينفون وجود واجب الوجود وانما يقولون بوحدة هذا العالم مع واجب الوجود وان الواجب وهذا العالم شيء واحد بالحقيقة - اعوذ بالله - وهو ما رده اللاهيجي بالبداهة.
وحتى لو سلمنا بما حاول أثباته هذا الملحد من خطأ الحواس وان ما نحسه بالحواس وهم وخداع بصر - وهي دعوى سفسطائية قديمة - وان هذه الموجودات المتعددة ليست محدودة فإن أقصى ما يرجع إليه هذا التشكيك هو الوقوف على كلام المتصوفة بوحدة الوجود لا نفي وجود واجب الوجود كما رامه الملحد.
واما ما ذكره بخصوص الطبيعة المزدوجة للاجسام (الالكترون) فلدينا عليه عدة ملاحظات :
1- لقد ذكرنا آنفاً أن برهان الصديقين برهان ذو مقدمات عقلية لا تدخل فيها المقدمات الحسية والتجريبية بل أنه برهان إني يسلك فيه من لازم الوجود إلى لازم آخر بل لم يحتج فيه ألا إلى حقيقة أو مفهوم الوجود.
2- من الواضح أن منهج فلاسفة الإسلام منهج عقلي وهو منهج أغلب الإلهيين وأما أنكار هذا المنهج والاقتصار على الحس والتجربة فذلك منهج حسي ترعرع في أحضان المدارس الغربية وهو منهج اغلب الملحدين.
3- أن ما طرحه من نظريات العلم الحديث بخصوص طبيعة الجسم لا تنسجم مع ما طرحه من تساؤل حول مدى مصداقية الحواس لاثبات الواقعيات وهو احد مناهج التشكيك لأن ما يدرك الآن بالأدوات التكنلوجية والتقنية راجع للحواس بالضرورة فيرجع السؤال عن مدى مصداقية ما نحصل عليه الآن بحواسنا جذعاً.
ومن الواضح أن المنهج المعرفي التجربي يناقض منهج التشكيك بمعطيات الحواس.
4- أن التشكيك بمعطيات الحواس ناتج من التشكيك بقيمة المعرفة وهو مختص بعلم المعرفة وأما أنكار واجب الوجود ومناقشة برهان الصديقين نابع من التشكيك في الوجود وحقيقة الوجود ولا علاقة له بنظرية المعرفة ومدى واقعيتها.
ونحن قد لا ننكر خطأ الحواس ومن هنا نعطي المنهج العقلي هذه الاهمية إذ أكتشاف خطأ الحواس لا علاقة له ولا يعني خطأ الإدراكات العقلية خاصة البديهية, وما حاول طرحه هذا الملحد ما هو إلا خلط.
5- أن معطيات العلم الحديث لا تخرج الماديات عن الحدود والمحدودية فحتى لو أسقطنا بعدي الزمان والمكان فإن هذا لا يخرجها عن كونها ماديات بل حتى لو أنكرنا ماديتها فإننا نثبت أيضاً عالم المثال وعالم العقل وهما أيضاً من الممكنات المكونة من زوج تركيبي هما الوجود والماهية فإن كل ذلك لا مدخلية له بمقدمات برهان الصديقين فإنه لم يحتج إلى غير حقيقة الوجود.
6- إن ثبوت الطبيعة المزدوجة للأجسام لا ينفي ماديتها فضلاً عن التسليم بسقوط بعد الزمان وللمناقشة في سقوط بعد المكان مجال واسع فإن الموجات لا تنتشر في كل مكان كما أدعى فان مسيرها مستقيم فضلاً عن احتياجها إلى الوقت للوصول إلى الأبعاد المختلفة.
مع أن الفلاسفة يثبتون وجود الهيولي والصورة للجسم ويسقطوها على ما ثبت في العلم الحديث من دقائق موجية او فوتونات أو الأصغر منها, والهيولي والصورة هما عماد الجسم والمادة فلاحظ وحتى لو سلمنا بأن الأجسام هي بالأساس كمية متراكمة من الطاقة فستكون الطاقة نوعاً أعلى يدخل تحتها الجسم.
وأخيراً :
إن الملا صدرا لم يعن بالوجود الحقيقي للواجب: أن وجودنا نحن غير حقيقي، ولكنه يقسم الموجود إلى قسمين: ما وجوده لذاته وبذاته وهذا هو واجب الوجود، وما وجوده لذاته ولكن بغيره وهذا هو ممكن الوجود، وقد أطلق على هذا الصنف من الوجود بالوجود الرابط، أي الذي يكون متعلق أبداً بعلته ولا يمكن أن يكون له وجود من دون تعلق، وهذا النوع من الإمكان الوجودي أطلق عليه بالفقر الذاتي.
ولكن الوجود الرابط من حيث هو من مراتب الوجود من حيث هو وجود، فالوجود له مراتب كثيرة متمايزة, غير أن تمايز كل مرتبة منه عن الأخرى لا يكون بشيئ خارج عن نفس الوجود، بمعنى أن ما به الإمتياز يعود ألى ما به الاشتراك وهو الوجود في الحالتين، وقد مثل له بتفاوت مراتب النور بين الشدة والضعف، فشدة النور الشديد وضعف النور الضعيف ليست بخارجة عن أصل النورية.
وقول ملا صدرا بأن الأشياء تجليات الواجب لا يعني أن الأشياء لا حقيقة لها كما توهمت . فحقيقة الوجود وإن كانت واحدة غير أن الموجودات متكثرة، وهذا ما يسمى وحدة الوجود والموجود في عين كثرتهما، بينما ذهب المتصوفة إلى القول بوحدة الوجود والموجود معاً.
وليست النتائج العلمية تؤيد ما ذهب إليه المتصوفة كما ذكرتم، بل العكس هو الصحيح، فإن المتصوفة ينفون أية حقيقة خارجية سوى الذات الإلهية، ولذا قال شاعرهم:

وما الناس في التمثال إلا كثلجة ***** وأنت لها الماء الذي هو نابع
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه ***** ويثبت حكم الماء والأمر واقع

ومنه يتبين بأن الاشياء عندهم لا حقيقة لها بل هي مجرد أوهام وخيالات.. ولذا قال شاعرهم :

كل ما في الكون وهم أو خيال ***** أو عكوس في المرايا أو ظلال

ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال