الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » لماذا البحث عن معرفة الله؟


صالح / البحرين
السؤال: لماذا البحث عن معرفة الله؟
لماذا البحث عن معرفة الله؟
الجواب:

الاخ صالح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا توجد حركة بدون محفّز, وبالطبع فلا يمكن للحركة في طريق معرفة مبدأ عالم الوجود أن تكون بلا محفّز, ومن هنا يذكر الفلاسفة والعلماء ثلاثة محفّزات أساسيّة للبحث عن الله. وجميعها مشار إليها في القرآن الكريم إشارات واضحة.
1- الحافز العقلي.
2- الحافز الفطري.
3- الحافز العاطفي.

الحافز العقلي:
الإنسان يحبّ الكمال, ويعدّ هذا الحبّ حبّاً خالداً عند كلّ الناس، ويبقى أنّ كلّ إنسان يرى كماله في شيء معيّن, فيذهب نحوه, وبعضهم يذهب باتّجاه السراب بدل الماء، ويلهثون خلف القيم الوهميّة والكمالات الخياليّة ويتصوّرونها واقعاً.
قد يسمّى هذا المبدأ أحياناً بـ (غريزة حبّ المنفعة ودفع الضرر) التي يجد الإنسان في ضوئها بأنّه ملزم أن يكون له تعامل جاد مع كلّ موضوع يتعلّق بمصيره (بلحاظ النفع والضرر).
لكن إطلاق كلمة (غريزة) على هذا الحبّ أمر غير سليم؛ فالغريزة عادة تطلق على أُمور تؤثّر في أفعال البشر، أو باقي الأحياء، بدون تدخّل التفكير, ومن هنا تستعمل بالنسبة للحيوانات أيضاً.
وعلى هذا الأساس فمن الأفضل أن نستخدم عنوان: (الميول السامية)، التي استعملها بعض العلماء لمثل هذه الموارد.
وعلى كلّ حال, فهذا الحبّ للكمال، والميل نحو المصالح المعنويّة والماديّة، ودفع كلّ أنواع الضرر، يجبر الإنسان على التحقيق حتّى في مواضع الاحتمال, وكلّما كان هذا الاحتمال أقوى, وذلك النفع والضرر أعظم, كان التحقيق والنظر أوجب، فمن المستحيل أن يحتمل شخص تأثير أمر مهم في مصيره, ولا يرى من واجبه التحقيق فيه.
وقضيّة الإيمان بالله والبحث عن الدين تعدّ من هذه القضايا بلا شكّ؛ لأنّ هنالك في محتوى الدين كلام عن القضايا المصيريّة, وعن القضايا التي يرتبط بها خير الإنسان وشرّه ارتباطاً وثيقاً.
بعضهم يذكر مثالاً من أجل إيضاح هذا الأمر, فيقولون: لنفترض أنّنا نجد إنساناً واقفاً على مفترق طريقين ونسمعه يقول: إنّ البقاء هنا خطر يقيناً, واختيار هذا الطريق (إشارة إلى أحد الطريقين) هو الآخر خطر, والطريق الثاني هو طريق النجاة, ثمّ يذكر قرائن وشواهد لكلّ ما قاله.
فما من شكّ أنّ أي عابر سبيل يرى نفسه ملزماً بالتحقيق ويعتقد أنّ اللا أُباليّة اتّجاه هذه الأقوال مخالفة لحكم العقل. والأصل العقلي المعروف بـ(دفع الضرر المحتمل) فرعٌ من الحافز العقلي.
والقرآن يخاطب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيقول: (( قُل أَرَأَيتُم إِن كَانَ مِن عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرتُم بِهِ مَن أَضَلُّ مِمَّن هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ )) (فصلت:52)، (أَرَأَيتُم) تأتي عادةً بمعنى: (أخبروني)، وتفسّر بالمعنى نفسه.
ومن الواضح أنّ هذا الكلام إنّما يقال للأشخاص الذين لا ينفع معهم أيّ دليل منطقي لشدّة عنادهم وتعصّبهم؛ فالآية تقول لهؤلاء: إذا كنتم ترفضون حقانية القرآن والتوحيد ووجود عالم ما بعد الموت وتصرّون عليه, فأنتم لا تملكون حتماً دليلاً قاطعاً على هذا الرفض, لذا يبقى ثمّة احتمال في أن تكون دعوة القرآن وقضية المعاد حقيقة موجودة, عندها عليكم أن تتصوّروا المصير الأسود الموحش الذي ينتظركم؛ لعنادكم وضلالكم ومعارضتكم الشديدة إزاء الدين الإلهي.
إنّه الأسلوب نفسه الذي نقرأ في محاججة أئمّة المسلمين لأمثال هؤلاء الأفراد, كما نرى ذلك واضحاً في الحادثة التي ينقلها العلاّمة الكليني في (الكافي) إذ يذكر فيه الحوار الذي دار بين الإمام الصادق(عليه السلام) وابن أبي العوجاء.
فمن المعروف أنّ عبد الكريم بن أبي العوجاء كان من ملاحدة عصره ودهرييها, وقد حضر الموسم (الحجّ) أكثر من مرّة والتقى بالإمام الصادق(عليه السلام) في مجالس حوار, انتهت إلى رجوع بعض أصحابه عنه إلى الإسلام, ولكن ابن أبي العوجاء لم يسلم, وقد صرّح الإمام(عليه السلام) بأنّ سبب ذلك هو: أنّه أعمى ولذلك لا يُسلم.
والحادثة موضع الشاهد هنا, هي أنّ الإمام بصر بابن أبي العوجاء في الموسم، فقال له: ما جاء بك إلى هذا الموضع؟
فأجاب ابن أبي العوجاء: عادة الجسد, وسُنّة البلد, ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة!
فقال له الإمام: أنت بعد على عتوّكِ وضلالك يا عبد الكريم (يناديه الإمام بهذا الاسم, وهو اسمه الحقيقي مع كونه منكراً لله؛ لكي يشعره مهانة ما هو عليه وهذا اسمه).
وعندما أراد أن يبدأ بالمناقشة والجدال قال له الإمام(عليه السلام): لا جدال في الحجّ. ثمّ قال له: إن يكن الأمر كما تقول, وليس كما تقول, نجونا ونجوت. وإن يكن الأمر كما نقول, وهو كما نقول، نجونا وهلكت.
فأقبل عبد الكريم على من معه وقال: وجدت في قلبي حزازة (ألم) فردّوني. فردّوه، فمات(1).

الحافز العاطفي:
ثمّة مثل معروف يقول: ((إنّ الناس عبيد الإحسان)).
وورد هذا المعنى نفسه تقريباً في حديث عن أمير المؤمنين الإمام عليّ(عليه السلام): (الإنسان عبد الإحسان)(2).
ونقرأ في حديث عن الإمام(عليه السلام): (بالإحسان تملك القلوب)(3).
وفي حديث عن الإمام أيضاً: (وأفضل على من شئت تكن أميره)(4).
وجذور كلّ هذه المفاهيم في حديث الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ إذ يقول: (إنّ الله جَبل قلوب عباده على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها)(5).

والخلاصة: هي أنّ هنالك حقيقة تقول: إنّ الذي يسدي خدمة لشخص آخر، أو ينعم عليه نعمة، فسيكون محطّاً لعواطفه, ويكون هذا الآخر مُحبّاً لصاحب الخدمة والنعمة, يحبّ أن يتعرف عليه تماماً ويشكره, وكلّما كانت هذه النعمة أهمّ وأوسع, كان تحريك العواطف نحو المنعم ومعرفته أكثر.
ولهذا جعل علماء علم الكلام (العقائد) مسألة (شكر المنعم) ومنذ القدم إحدى المحفّزات على التحقيق عن الدين ومعرفة الله.
ولكن يجب الانتباه إلى أنّ (شكر المنعم), هو أمر عاطفي قبل أن يكون حكماً عقليّاً.
نقرأ في حديث عن الإمام الباقر(عليه السلام): أنّه قال: (كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله! لم تتعب نفسك وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: يا عائشة! ألا أكون عبداً شكوراً)(6).

الحافز الفطري:
فعندما نتحدّث عن الفطرة، فمرادنا تلك الإحساسات والإدراكات نفسها التي لا تحتاج إلى أيّ استدلال عقلي؛ عندما نشاهد منظراً طبيعيّاً جميلاً جدّاً، أو زهرة ذات لون ورائحة طيّبة، نحسّ في داخلنا بانجذاب قوّي نحوها. ونسمّي هذا الإحساس بـ(الميل نحو الجمال وحبّه) ولا نرى أي حاجة للبرهنة هنا.
أجل, إنّ الإحساس بالجمال من الميول المتعالية للروح الإنسانية.
والاندفاع نحو الدين وخاصّة معرفة الله هو أيضاً من هذه الإحساسات الذاتية والداخلية, بل هو من أقوى الحوافز في أعماق روح جميع البشر.
ولهذا السبب لا نشاهد قوماً أو أُمّة، لا في الحاضر ولا في الماضي التاريخي، لم تكن تمتلك نوعاً من العقائد الدينية تتحكّم في فكرها وروحها. وهذه علامة على أصالة هذا الإحساس العميق.
عندما يذكر القرآن قصص نهضة الأنبياء العظام فإنّه يؤكّد في عدّة مواضع على هذه النقطة، وهي أنّ الرسالة الأصيلة للأنبياء تتمثّل بإزالة آثار الشرك والوثنيّة وليس إثبات وجود الله؛ لأنّ هذا الموضوع مخبّأٌ في أعماق طبيعة كلّ إنسان.

وبتعبير آخر: إنّهم لم يكونوا بصدد غرس بذور عبادة الله في قلوب الناس, بل كانوا بصدد سقاية البذور الموجودة واستئصال الأشواك والأدغال الزائدة المضرّة التي قد تقتل أو تذبل هذه البذور بصورة تامّة في بعض الأحيان.
ووردت جملة: ((ألاّ تعبدوا إلاّ الله))، أو ((ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه)) في كلام الكثير من الأنبياء في القرآن الكريم, وهي عبارات تفيد نفي الأصنام وليس إثبات وجود الله، كما جاء في دعوة رسول الإسلام(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سورة هود الآية (2), ودعوة النبيّ نوح(عليه السلام) في سورة هود الآية (26)، ودعوة النبيّ يوسف(عليه السلام) في سورة يوسف الآية (40)، ودعوة النبيّ هود(عليه السلام) في سورة الأحقاف الآية (21).
وفضلاً عن هذا فإنّنا نمتلك في داخل أرواحنا أحاسيس فطريّة أصيلة أُخرى، منها: ما نراه في نفوسنا في الانجذاب الشديد اتّجاه العلم والمعرفة والاطّلاع.
فهل من الممكن أن نشاهد النظام العجيب في هذا العالم المترامي, ولا تكون لنا رغبة في معرفة مصدر هذا النظام؟
وهل من الممكن أن يجد عالم لمدّة عشرين سنة من أجل التعرّف على حياة النمل, ويثابر عالم آخر عشرات السنين لمعرفة بعض الطيور أو الأشجار أو أسماك البحار بدون أن يكون في داخله حافز حبّ العلم؟ هل يمكن أنّهم لا يريدون معرفة مصدر هذا البحر اللا متناهي الذي يشمل الأشياء من الأزل إلى الأبد؟!
نعم, هذه حوافز تدعونا إلى (معرفة الله), العقل يدعونا إلى هذا الطريق, العواطف تجذبنا نحو هذا الاتّجاه, والفطرة تدفعنا إلى هذه الجهة.
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي 1: 77 - 78 حديث (2) كتاب التوحيد، باب حدوث العالم.
(2) غرر الحكم: 77 حديث (1813) حرف الألف، عيون الحكم والمواعظ: 61 الباب الأوّل، الفصل الأوّل: ممّا أوّله الألف واللام.
(3) غرر الحكم: 98 حديث (2310) حرف الباء، عيون الحكم والمواعظ: 186 الباب الثاني حرف الباء.
(4) الإرشاد 1: 303 ومن كلامه (عليه السلام) في وصف الإنسان.
(5) تحف العقول: 53، (وروي عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قصار هذه المعاني).
(6) أُصول الكافي 2: 95 حديث (6)كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال