الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » رواية تكلّم الله سبحانه بصوت أبي بكر


اسد حيدر / العراق
السؤال: رواية تكلّم الله سبحانه بصوت أبي بكر
في بعض مصادر أبناء العامّة، رواية عن ابن عبّاس: بأنّ الله كلّم النبيّ الأكرم أبي القاسم محمّد(صلّى الله عليه وعلى آله) بلغة كلغة أبي بكر.
أرجو منكم بيان مدى مصداقية هذه الرواية، ومواضع الضعف فيها؟
الجواب:

الأخ أسد حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بدّ أن نبيّن أوّلاً: إنّ ما سألت عنه هو جزء من قصّة منمّقة مسبوكة طويلة لمعراج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عن ابن عبّاس، فيها من الأوهام والخيال ما لا يصدّقه مسلم عاقل، ولا يمكن أن يتما إلاّ في ذهن من عاش الحضر وأبعد ما يكون عن حياة العرب والمسلمين الأوائل.
وثانياً: إنّا لم نجد لهذا الخبر والقصّة أثر في كتب |أهل الحديث من المتقدّمين والمتأخّرين، مع التدقيق في البحث والتفحّص.
وأوّل من ذكره على ما وجدنا أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي (توفّي في حدود 520هـ) في كتابه (شفاء الصدور/مخطوط)، ذكر ذلك القسطلاني (ت923هـ) في (المواهب اللدنّية)، نقلاً عن أبي الحسن بن غالب.

قال القسطلاني: ((وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلّم فيه على أحاديث الحجب السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب، وعزاها لأبي الربيع بن سبع في شفاء الصدور من حديث ابن عبّاس: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد في الأُمّهات: أتاني جبريل وكان السفير بي إلى ربّي، إلى أن انتهى إلى مقام ثمّ وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل! في مثل هذا المقام يترك الخليل خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): يا جبريل! هل لك من حاجة؟ قال: يا محمّد! سل الله أن أبسط جناحي على الصراط لأُمّتك حتّى يجوزوا عليه، قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): ثمّ زجّ بي في النور زجّاً، فخرق بي إلى السبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه حجاباً، وانقطع عنّي حسّ كلّ إنسي وملك، فلحقني عند ذلك استيحاش، فعند ذلك ناداني مناد بلغة أبي بكر: قف إنّ ربّك يصلّي، فبينا أنا أتفكّر في ذلك فأقول: هل سبقني أبو بكر؟ فإذا النداء من العلي الأعلى، أدن يا خير البرية، أدن يا محمّد، أدن يا محمّد، ليدن الحبيب، فأدنانى ربّي حتّى كنت كما قال تعالى: (( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوسَينِ أَو أَدنى )) (النجم:8-9).

قال: وسألني ربّي؟ فلم أستطع أن أجيبه، فوضع يده بين كتفي - بلا تكييف ولا تحديد - فوجدت بردها بين ثديي، فأورثني علم الأوّلين والآخرين، وعلّمني علوماً شتّى، فعلم أخذ عليَّ كتمانه إذ علم أنّه لا يقدر على حمله أحد غيري، وعلم خيّرني فيه، وعلّمني القرآن فكان جبريل(عليه السّلام) يذكّرني به، وعلم أمرني بتبليغه إلى العامّ والخاصّ من أُمّتي. ولقد عاجلت جبريل(عليه السّلام) في آية نزل بها عليَّ، فعاتبني ربّي، وأنزل عليَّ: (( وَلا تَعجَل بِالقُرآنِ مِن قَبلِ أَن يُقضى إِلَيكَ وَحيُهُ وَقُل رَبِّ زِدنِي عِلماً )) (طه:114).

ثمّ قلت: اللّهمّ، إنّه لمّا لحقني استيحاش قبل قدومي عليك سمعت منادياً ينادي بلغة تشبه لغة أبي بكر، فقال لي: قف إنّ ربّك يصلّي، فعجبت من هاتين، هل سبقني أبو بكر إلى المقام؟ وإنّ ربّي لغنيّ عن أن يصلّي، فقال تعالى: أنا الغنيّ عن أن أصلّي لأحد، وإنّما أقول: سبحاني سبحاني، سبقت رحمتي غضبي، اقرأ يا محمّد: (( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُم وَمَلائِكَتُهُ لِيُخرِجَكُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيماً )) (الأحزاب:43)، فصلاتي رحمة لك ولأُمّتك، وأمّا أمر صاحبك يا محمّد، فإنّ أخاك موسى كان أُنسه بالعصا، فلمّا أردنا كلامه قلنا: (( وَمَا تِلكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ )) (طه:17-18)، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة. وكذلك أنت يا محمّد، لمّا كان أنسك بصاحبك أبي بكر، وأنّك خلقت أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك في الدنيا والآخرة، خلقنا ملكاً على صورته، يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش، فلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك...)).
ثمّ ذكر حديثاً آخر، وقال في آخره: ((رواه والذي قبله في كتاب (شفاء الصدور)، كما ذكره ابن غالب، والعهدة عليه في ذلك))(1).

والحديث ظاهر في أنّه من مخترعات الصوفية، مرسل لا سند له ولا أصل، مملوءاً من جنس خيالاتهم واصطلاحاتهم، ونُسج على سبك ونوع كلامهم في كتبهم، وتعاقب على نقله صوفي أو من له هوى صوفي عن مثله، ولم يخرج عنهم إلى غيرهم، وأغلب الظنّ أنّه جاءتنا به رياح صوفية المغرب الإسلامي، فأبو الربيع بن سبع السبتي من سبتة، وأبو الحسن بن غالب من المغرب الأقصى(2).

قال الزرقاني (ت1122هـ) في (شرح المواهب) في بداية شرحه لحديث ابن عبّاس هذا: ((وظاهره أن ابن عبّاس رواه بلا واسطة وليس كذلك، فالمنقول عن ابن غالب، عن ابن سبع، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ: (سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبريل ولا ميكائيل، أعلمني رسول الله ممّا علمه ليلة الإسراء، قال: علّمني ربّي علوماً شتّى...)).
إلى أن قال: ((فلمّا كانت ليلة الإسراء بعد أن بعثني الله أتاني جبريل وكان السفير...) الحديث)).

ثمّ قال الزرقاني في نهاية شرحه: قال الشامي بعد نقل كلام المصنّف هذا: ((وهو كذب بلا شكّ انتهى، والعجب من النعماني حيث أورد الروايتين بطولهما ساكتاً عليهما، قائلاً: ولا يستبعد وقوع هذا كلّه في بعض ليلة!!!))(3).
وقد عدّه الشامي في كتابه (الآيات العظيمة الباهرة في معراج سيّد أهل الدنيا والآخرة) من الأحاديث الموضوعة، كما نقل ذلك عنه محمّد بن علوي المالكي(4).
وقد علّق ابن علوي على بطلان هذا الحديث بقوله: ((وهذه القصّة المنسوبة لابن عبّاس لا يشكّ عاقل في بطلان أكثر ما جاء فيها))، ثمّ ذكر أهمّ أدلّته على ذلك من ناحية السند، وأنّه ليس لهذه القصّة أيّ سند صحيح، أو غير صحيح، ومن ناحية الأفكار والمعاني، ومن ناحية الأُسلوب، ووجود عبارات تدلّ على واضع القصّة(5).
وذكر الخبر أيضاً علاء الدين محمّد بن عبد الرحمن البخاري (ت546هـ) في التفسير العلائي، نقله عنه صاحب (نزهة المجالس ومنتخب النفائس) عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري (ت894هـ) في ضمن سرده لقصّة المعراج المذكورة عن العلاء المذكور(6).

ومحلّ الشاهد: قوله: ((قال النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم): ثمّ زجّني في النور زجّة خرقت سبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه الآخر، ونادى مناد بلغة أبي بكر: قف فإنّ ربّك يصلّي عليك، فتعجّبت من لغة أبي بكر! وقلت: هل سبقني صاحبي أبو بكر؟ وتعجّبت من صلاة ربّي...))(7).

وظاهر عبارة ما أوردناه من هذه القصّة، أنّ التكلّم بلغة أبي بكر كان على لسان ملك من الملائكة، ولكن لحق العبارة بعض التزويق عند آخرين من الصوفية، فصار ظاهرها يحتمل أنّ المتكلّم هو الله تعالى، كما في (الفتوحات المكّية) لابن عربي (ت638هـ) في عدّة مواضع(8)، و(العهود المحمّدية)(9) للشعراني (ت973هـ)، وقد نقل صاحب (السيرة الحلبية) علي الحلبي (ت1044هـ) أجزاء من هذه القصّة وشرحها على طول الصفحات(10)، ولكنّه لم يشر إلى مصدرها وعبارة ما نقله عبارة القسطلاني في (المواهب اللدنية).

ونقل الشيخ إبراهيم بن عامر العبيدي المالكي (ت1091هـ) المقطع الخاص بتكلّم المنادي بلغة أبي بكر من هذه القصّة على نحو البلاغ في كتابه (عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق)، فقال: ((وبلغنا أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله صوت أبي بكر، فاطمأنّ قلبه واستأنس بصوت صاحبه، وهذه كرامة للصدّيق انفرد بها))(11)، وفي كلامه إيحاء أنّ النداء كان من الله على خلاف ما أوردناه في أصل القصّة. وقد تصفّحنا هذا الكتاب فوجدناه مملوء بالسفاسف والأوهام والموضوعات وخيالات الصوفية.

وقد علّق الشيخ الأميني(رحمه الله) في كتابه (الغدير) بعد أن عدّ ما أورده العبيدي المالكي في الموضوعات بقوله: ((أبو بكر في قاب قوسين: بلغنا أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) لمّا كان قاب قوسين أو أدنى، أخذته وحشة، فسمع في حضرة الله تعالى بصوت أبي بكر(رضي الله عنه)، فاطمأنّ قلبه استأنس بصوت صاحبه. ذكره العبيدي المالكي في (عمدة التحقيق ص 154)، فقال: هذه كرامة للصدّيق انفرد بها(رضي الله تعالى عنه).

قال الأميني: لماذا تلك الوحشة؟ ولماذا ذلك الأُنس؟ وهو (صلّى الله عليه وآله) في ساحة القدس الربوبي, وكان لا يأنس إلاّ بالله, وكانت نفسه القدسية في كلّ آناته منعطفة إليها، فهل هو يستوحش إذا حصل فيها؟! وهي أزلف مباءة إلى المولى سبحانه لا تقل غيره. حتّى أنّ جبرئيل الأمين انكفئ عنها، فقال: إن تجاوزت احترقت بالنار.

لمّا جذبه الله تعالى إليها وحفّته قداسة إلهية، تركته مستعدّاً لتلقّي الفيض الأقدس, وهل هناك وحشة لمثله (صلّى الله عليه وآله) يسكّنها صوت أبي بكر؟! وهل كانت له (صلّى الله عليه وآله) وهو في مقام الفناء لفتة إلى غيره، جلّت عظمته حتّى يأنس بصوته؟ لا ها الله, وما كان قلب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقل غيره سبحانه، فهو مستأنس به ومطمئنّ بآلائه, فلا مدخل فيه لأيّ أحد يطمئنّ به, (( مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلبَينِ فِي جَوفِهِ )) (الأحزاب:4), (( وَلَقَد رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ )) (التكوير:23), (( فَأَوحَى إِلَى عَبدِهِ مَا أَوحَى * مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى * عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى * إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى )) (النجم:10-18), ولم تبرح نفسه الكريمة مطمئنّة ببارئها، حتّى خوطب بقوله سبحانه: (( يَا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ * ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرضِيَّةً )) (الفجر:27-28).

هذا مبلغ الرواية من نفس الأمر، لكن الغلوّ في الفضائل آثر أن يعدّوها من فضائل الخليفة، وإن كانت مقطوعة عن الإسناد))(12).
ودمتم في رعاية الله

(1) المواهب اللدنّية بالمنح المحمّدية 2: 482 المقصد الخامس: الإسراء والمعراج.
(2) سير أعلام النبلاء 22: 12 (5) ترجمة القصري.
(3) شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمّدية 8: 194، 200 المقصد الخامس.
(4) انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى): 290 الأحاديث الباطلة والموضوعة في هذا الباب.
(5) انظر: كتاب (وهو بالأُفق الأعلى): 256 قصص المعراج المتداولة.
(6) نزهة المجالس ومنتخب النفائس 2: 95 - 126 باب قوله تعالى: (سُبحَانَ الَّذِي أَسرَىٰ بِعَبدِهِ لَيلا)، فصل في المعراج.
(7) نزهة المجالس ومنتخب النفائس 2: 117 فصل في المعراج.
(8) الفتوحات المكّية 1: 84 الباب الثاني، و 3: 45 الباب السابع عشر وثلاثمائة، و 3: 342 الباب السابع والستّون والثلاثمائة.
(9) العهود المحمّدية: 684 النهي عن التهاون بصلاة الجماعة.
(10) السيرة الحلبية 2: 129 باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس.
(11) عمدة التحقيق في بشائر آل الصدّيق، بهامش كتاب روضة الرياحين في حكايات الصالحين، لليافعي: 158 ط الحلبي 1307هـ.
(12) الغدير 7: 293 أبو بكر في قاب قوسين.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال