الاسئلة و الأجوبة » أبو هريرة » كذب أبي هريرة على عليّ(عليه السلام)


ابو الحسن / فلسطين
السؤال: كذب أبي هريرة على عليّ(عليه السلام)
ما الأحاديث التي وضعها أبو هريرة في أمير المؤمنين(عليه السلام)، ومصادرها من كتب السُنّة؟
الجواب:

الأخ أبا الحسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا نستطيع الإحاطة بكلّ ما وضعه، أو أضافه، أو حرّفه من أحاديث بخصوص أمير المؤمنين(عليه السلام)، فهو يحتاج إلى تحقيق واسع وجهد ووقت كبيرين، ولكن نذكر مثالاً واحداً مشهوراً، وهو:

ذكر ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة): ((ثمّ نعود إلى حكاية كلام شيخنا أبي جعفر الإسكافي(رحمه الله تعالى)، قال أبو جعفر: وروى الأعمش, قال: لمّا قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة, جاء إلى مسجد الكوفة, فلمّا رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه, ثمّ ضرب صلعته مراراً, وقال: يا أهل العراق! أتزعمون أنّي أكذب على الله وعلى رسوله, وأحرق نفسي بالنار! والله لقد سمعت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يقول: (إنّ لكلّ نبيّ حرماً, وإنّ حرمي بالمدينة, ما بين عير إلى ثور, فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين), وأشهد بالله أنّ عليّاً أحدث فيها، فلمّا بلغ معاوية قوله، أجازه وأكرمه، وولاّه إمارة المدينة))(1).

وفي المقابل وضع أيضاً أحاديث تخدم مآرب أعداء أمير المؤمنين(عليه السلام) وتمجّدهم، مثل: ما وضعه على لسان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: ((ستلقون بعدي فتنة واختلافاً - أو قال: اختلافاً وفتنة ــ. فقال له قائل: يا رسول الله! بما تأمرنا؟ قال: عليكم بالأمير وأصحابه، وهو يشير بذلك إلى عثمان(رضي الله عنه) ))(2).

وما وضعه لمّا جمع عثمان المصاحف؛ ففي تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر، بسنده: ((لمّا نسخ عثمان المصاحف، قال له أبو هريرة: أصبت ووفّقت، أشهد لسمعت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) يقول: إنّ أشدّ أُمّتي حبّاً لي، قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، يعملون بما في الورق المعلّق. فقلت: أيّ ورق! حتّى رأيت المصاحف. فأعجب ذلك عثمان، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله، ما علمت أنّك لتحبس علينا حديث نبيّنا(صلّى الله عليه وسلّم) ))(3).

ومنها كذبته الصلعاء؛ روى الحاكم في (المستدرك) عن أبي هريرة، قال: ((دخلت على رقية بنت رسول الله(صلّى الله عليه وآله) امرأة عثمان وبيدها مشط، فقالت: خرج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من عندي آنفاً رجّلت رأسه، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد الله؟
قلت: بخير.
قال: أكرميه فإنّه من أشبه أصحابي بي خُلقاً.
- قال الحاكم:- هذا حديث صحيح الإسناد، واهي المتن؛ فإنّ رقيّة ماتت سنة ثلاث من الهجرة عند فتح بدر، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر، والله أعلم! وقد كتبناه بإسناد آخر))(4).

وكان يختلق القصص والأقوال في الدعاية لمعاوية، فنظر يوماً إلى عائشة بنت طلحة - وكانت فائقة الجمال - فقال: ((سبحان الله! ما أحسن ما غذّاك أهلك! والله ما رأيت وجها أحسن منك إلاّ وجه معاوية على منبر رسول الله))(5).
وقال: ((رأيت هنداً بمكّة جالسة كأنّ وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبي يلعب، فمرّ رجل، فنظر إليه، فقال: إنّي لأرى غلاماً إن عاش ليسودنّ قوماً. فقالت هند: إن لم يسودنّ إلاّ قومه، فأماته الله))(6). وأنت تعلم أنّ أبا هريرة لم يأتِ إلى المدينة إلاّ سنة سبع، وقد كان معاوية عند فتح مكّة رجلاً!
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 4: 67 (56) فصل في ذكر الأحاديث الموضوعة في ذمّ عليّ، وانظر: الإيضاح، لابن شاذان: 490 قول النبيّ: (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور).
(2) المستدرك على الصحيحين 4: 434 كتاب الفتن والملاحم، إخبار النبيّ بفتنة عثمان، المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 491 الحديث (27)، كتاب الفضائل، ما ذكر من فضل عثمان بن عفّان، دلائل النبوة، للبيهقي 6: 393، باب ما جاء في إخبار النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بالبلوى التي أصابت عثمان بن عفّان.
(3) تاريخ مدينة دمشق 39: 244 ترجمة عثمان بن عفّان، البداية والنهاية 7: 243 سنة خمس وثلاثين، ومقتل عثمان، فصل: ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنّه جمع الناس على قراءة واحدة.
(4) المستدرك على الصحيحين 4: 48 ذكر وفاة رقية ودفنها(رضي الله عنها).
(5) العقد الفريد 7: 118 كتاب المرجانة الثانية، قولها في المناكح.
(6) ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، للزمخشري 5: 166 باب الملك والسلطان، البداية والنهاية 8: 126 سنة ستّين من الهجرة، ترجمة معاوية.

عادل عوض الاسواني / مصر
تعليق على الجواب (1)

هذا الحديث المذكور هو محض افتراء! فالحكاية التي حكاها ابن أبي الحديد عن شيخه الإسكافي لا وجود لها في أي كتاب من كتب الحديث، أو الأجزاء، بل نقيضها هو ما ورد، فنقول بإذن الله تعالى:
أوّلاً: إنّ حديث: (لكلّ نبيّ حرماً) لم يأتِ برواية أبي هريرة(رضي الله عنه) في أي مكان، أو على الأقل في الكتب المشهورة في الحديث من صحاح ومسانيد وأجزاء.

ثانياً: ورد الحديث بهذا اللفظ: (أخبركم أبو الفضل الزهري، نا عبد الله بن سليمان، نا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدّثني أبي، حدّثني إبراهيم بن طهمان، عن إسماعيل السدّي، عن مرّة الهمداني، أنّه قال: قرأ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) صحيفة قدر أصبع، كانت في قراب سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، هكذا قال أحمد: فإذا فيها: (إنّ لكلّ نبيّ حرماً، وأنا أحرّم المدينة، من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)، أو ما يقاربه، ولكن برواية عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) في حديث أبي الفضل الزهري، وكذلك في حديث إسماعيل بن جعفر، وكذلك في (كنز العمّال).
والرواية الثانية عن عبد الله بن عبّاس جاءت في مسند ابن الجعد، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر، و(جمع الجوامع) للسيوطي، و(كنز العمّال) للمتّقي الهندي.
والرواية الثالثة عن الحسن بن عليّ(رضي الله عنه)، وجاءت في (فتوح البلدان) للبلاذري.
والرواية الرابعة جاءت عن أنس بن مالك(رضي الله عنه)، ووردت في (كتاب الأموال) لابن زنجويه.

ثالثاً: ابن أبي الحديد معتزلي معروف، وشيخه أبي جعفر الإسكافي معتزلي مشهور، ولهم خلافات كبيرة مع أهل السُنّة والجماعة، فمن النزاهة العلمية أن لا ينقل قول من المخالف المعتزلي ويكون حجّة على أهل السُنّة، وإلاّ كانت أقوالهم حجّة عليكم، وهذا لا نقوله بالطبع، مع أنّهم يشاركونكم في أكثر العقائد.

رابعاً: الإسكافي روي عن الأعمش، والأعمش توفي 148 هجرية، وتوفي الاسكافي عام 240، أي: إنّ الإسكافي لو ولد عام 148 لكان عمره عند وفاته 96 عاماً! فروايته عن الأعمش تقتضي أنّ الإسكافي عاش أكثر من 120 سنة وهو ما يحتاج إلى إثبات.

خامساً: إنّ رواية الأعمش لهذا الحديث وإن اختلف في اللفظ، ورد في الصحاح وليس فيه ذكر لأبي هريرة، أو معاوية، بل هو يرويه عن إبراهيم التيمي، عن عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه)، ونصّه من صحيح البخاري: ((2936 - حَدَّثَنِي محمّد، أَخبَرَنَا وَكِيعٌ، عَن الأَعمَشِ، عَن إِبرَاهِيمَ التَّيمِيِّ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا عِندَنَا كِتَابٌ نَقرَؤُهُ إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، فَقَالَ: فِيهَا الجِرَاحَاتُ وَأَسنَانُ الإِبِلِ وَالمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَينَ عيرٍ إلى كَذَا فَمَن أَحدَثَ فِيهَا حَدَثاً، أَو آوَى فِيهَا مُحدِثاً، فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لاَ يُقبَلُ مِنهُ صَرفٌ وَلاَ عَدلٌ، وَمَن تَوَلَّى غَيرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ مِثلُ ذَلِكَ، وَذِمَّةُ المُسلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَن أَخفَرَ مُسلِماً فَعَلَيهِ مِثلُ ذَلِكَ)).

الجواب:

الأخ عادل المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: لا يجعل الاعتزال قسماً في قبال أهل السُنّة، بل أهل السُنّة قسم منهم في الأُصول أشاعرة، وقسم معتزلة، وأمّا في الفروع فهم أربعة، وابن أبي الحديد حنفي في الفروع، فدخوله تحت أهل السُنّة لا يمكن إنكاره!
نعم، لعلّه لا يعد ثقة في نقله عند بعضهم، وهذا أمر آخر.

ثانياً: إنّ عدم رواية الرواية في كتب الحديث، سببه واضح بعد أن كان فيه فضح أبي هريرة، ومع ذلك فإنّ مثل هذا لا يردّ به الرواية، ونحن لا نريد أن نقول أنّ الرواية صحيحة، فهي مرسلة، وقد تكون مقطوعة، ولكن أوردناها مثلاً يطابق حقيقة ما كان عليه أبو هريرة، وما فيها لا يتناقض مع فعله، واتّباعه لمعاوية، وولايته على المدينة، وثبوت كذبه على رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

هذا وللتحقيق في الرواية، نقول: إنّ الصحيح أنّ أهل السُنّة لم يرووا الزيادة التي قالها أبو هريرة بحقّ عليّ في كتبهم، وأمّا أصل الحديث عن أبي هريرة، فقد رواه البيهقي في (السنن الكبرى)، قال: ((وأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمّد بن القاسم الغضائري ببغداد، ثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن السمّاك، ثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبّار، فذكره بإسناده مثله، وزاد: (لا يقبل منه صرف ولا عدل)، أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث زائدة، وغيره، عن الأعمش))(1).

وهذا الحديث برواية الأعمش هو نصّ القول المزعوم عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) الذي نقله الإسكافي عن أبي هريرة، وأمّا الزيادة من قول أبي هريرة، فالدواعي الكثيرة عند أهل السُنّة لعدم نقلها واضحة عندنا! خاصّة وأنّها ليست حديثاً، وإنّما كذبة من كذبات أبي هريرة.
فقولك: إنّ هذا الحديث لم يرو عن أبي هريرة في أيّ مكان من الصحاح أو المسانيد خطأ، ودعوى لم تصدر إلاّ عن تسرّع!

وأمّا أنّ أبا هريرة كان كاذباً في هذا الحديث، وأنّه من وضعه، فذلك واضح من متنه؛ لأنّه قال: ((من عير إلى ثور))، وثور جبل في مكّة فيه الغار الذي اختفى فيه النبيّ(صلّى الله عليه وآله) عند الهجرة، ولا يعرف أهل المدينة جبلاً باسم ثور قربها، ومن هنا احتار الشرّاح في تفسير هذا الحديث، فحمله بعضهم على غلط الراوي، وقال بعضهم: إنّ الصحيح (أحد)، وأبهمه البخاري، فقال: ((من كذا إلى كذا))!! وضرب بعضهم على (ثور)، وجعله آخرون بياضاً(2).
ولنا في هذا رأي آخر، وهو: إنّ الكذب اشتبه على أبي هريرة، فسبق على لسانه اسم الجبل المشهور في هجرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يفطن لعدم وجود جبل باسم (ثور) في المدينة، وذلك لقلّة مكوثه فيها، فإنّه جاء سنة سبع للهجرة، وخرج عنها سنة ثمان مع العلاء الحضرمي إلى البحرين، والظاهر أنّه بقي في البحرين إلى أن صرفه عمر عن إمارتها، واستدعاه وحاسبه وأغلظ له، واتّهمه على ما كسبه من أموال.

ولعلّ قائلاً يقول: إنّ الرواية: (من عير إلى ثور)، مروية عن عليّ(عليه السلام) في خبر الصحيفة المعلّقة في قراب سيفه، في أكثر الصحاح والمسانيد!
فنقول: صحيح أنّ ما نقله أهل السُنّة في صحاحهم ومسانيدهم لرواية صحيفة الإمام عليّ(عليه السلام) جاء في بعضها: (من عير إلى ثور)، ولكن هذا النقل بهذا المتن لم يرد في رواياتهم إلاّ عن الأعمش(3)، وهو إدراج من الأعمش في رواية عليّ(عليه السلام)، أخذه من قول أبي هريرة، الذي نقله هو أيضاً كما عرفت!
وإدراجه العبارة في المتن إمّا اشتباهاً وغفلة، وربّما نسيان، أو عن عمد بقصد التفسير لحدود الحرم المدني، ظانّاً صحّته عن أبي هريرة!
والدليل على ذلك إنّ جميع الطرق الأُخرى التي أوردت رواية صحيفة عليّ(عليه السلام) من السُنّة والشيعة خالية من هذه الزيادة!

فعن أبي جحيفة: ((قال: قلت لعليّ: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلاّ كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر))(4).
وعن أبي الطفيل، قال: ((سُئل عليّ(رضي الله عنه): هل خصّكم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بشيء؟ فقال: (ما خصّنا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بشيء لم يعمّ به الناس كافة، إلاّ ما كان في قراب سيفي هذا)، قال: فأخرج صحيفة مكتوب فيها: (لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثاً) ))(5).

وعن قيس بن عبّاد، قال: ((انطلقت أنا والأشتر إلى عليّ(رضي الله عنه)، فقلنا: هل عهد إليك نبيّ الله(صلّى الله عليه وسلّم) شيئاً لم يعهده إلى الناس عامّة؟ قال: (لا، إلاّ ما في كتابي هذا)، قال: وكتاب في قراب سيفه، فإذا فيه: (المؤمنون تكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده، من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) ))(6).

وعن الأشتر أنّه قال لعليّ(عليه السلام): ((إنّ هذا الذي تقول قد تفشغ في الناس، أفشيء عهده إليك رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ قال عليّ(رضي الله عنه): (ما عهد إليَّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) شيئاً خاصّة دون الناس إلاّ شيء سمعته منه، فهو في صحيفة في قراب سيفي). قال: فلم يزالوا به حتّى أخرج الصحيفة، قال: فإذا فيها: (من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل)، قال: وإذا فيها: (إنّ إبراهيم حرّم مكّة وإنّي أُحرّم المدينة حرام ما بين حرّتيها وحماها كلّه، لا يختلى خلاها، ولا ينفّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلاّ لمن أشار بها، ولا تقطع منه شجرة إلاّ أن يعلف رجل بعيره، ولا يحمل فيها السلاح لقتال)، قال: وإذا فيها: (المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده) ))(7).

وعن طارق بن شهاب، قال: ((شهدت عليّاً(رضي الله عنه) وهو يقول على المنبر: (والله ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلاّ كتاب الله تعالى، وهذه الصحيفة معلّقة بسيفه أخذتها من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فيها فرائض الصدقة معلّقة بسيف له حليته حديد، أو قال: بكراته حديد، أي: حلقه) ))(8).

وعن هانئ مولى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): ((إنّ عليّاً(رضي الله عنه) قال: (يا هانئ! ماذا يقول الناس؟) قال: يزعمون أنّ عندك علماً من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لا تظهره، قال: (دون الناس؟) قال: نعم، قال: (أرني السيف)، فأعطيته السيف، فاستخرج منه صحيفة فيها كتاب، قال: (هذا ما سمعت من رسول الله(صلّى الله عليه وآله): لعن الله من ذبح لغير الله، ومن تولّى غير مواليه، ولعن الله العاقّ لوالديه، ولعن الله منتقص منار الأرض) ))(9).

وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أحد بني نوفل بن عبد المناف، قال: ((فلمّا كان ذات يوم، جاء حتّى صعد المنبر، في إزار ورداء، متوشّحاً قرناً، فجاء الأشعث بن قيس حتّى أخذ بإحدى عضادتي المنبر.
ثم قال عليّ(عليه السلام): (ما بال أقوام يكذبون علينا، يزعمون أنّ عندنا عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ما ليس عند غيرنا؟! ورسول الله(صلّى الله عليه وآله) كان عامّاً، ولم يكن خاصّاً، وما عندي عنه ما ليس عند المسلمين إلاّ شيء في قرني هذا)، فأخرج منه صحيفة، فإذا فيها: (من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل).
فقال له الأشعث بن قيس: دعها يا رجل! فإنّها عليك، لا لك!
فقال(عليه السلام): (قبّحك الله، ما يدريك ما علَيَّ، لا لي؟)

أضحت هزالة راعي الضأن تهزأ بي ***** ماذا يريبك منّي راعي الضأن))(10).

وأصل هذه الصحيفة كانت في قراب سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والنصوص التي نقلت محتوى هذه الصحيفة خالية أيضاً عن عبارة (من عير إلى ثور)!

فعن محمّد بن إسحاق، قال: ((قلت لأبي جعفر محمّد بن علي: ما كان في الصحيفة التي كانت في قراب سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ فقال: كان فيها: (لعن الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولّى غير وليّ نعمته فقد كفر بما أنزل الله على محمّد(صلّى الله عليه وسلّم) ))(11).

وفي نصّ آخر: ((عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، قال: وجد في قائم سيف النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) كتاب: (إنّ أعدى الناس على الله سبحانه وتعالى القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن تولّى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله سبحانه على محمّد(صلّى الله عليه وسلّم) ))(12).

وفي نصّ آخر: عن أبي جعفر بن محمّد بن علي، قال: ((وجدت في قائم سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله) صحيفة مكتوب فيها: (ملعون من سرق تخوم الأرض، ملعون من تولّى غير مواليه - أو قال - ملعون من جحد نعمة من أنعم عليه))(13).

وفي رواية أبو العريان المجاشعي، عن محمّد بن الحنفية: ((قال: فبلغ محمّداً أنّهم يقولون إنّ عندهم شيئاً، أي: من العلم، قال: فقام فينا، فقال: إنّا والله ما ورثنا من رسول الله إلاّ ما بين هذين اللوحين، ثم قال: اللّهمّ حلا، وهذه الصحيفة في ذؤابة سيفي. قال: فسألت: وما كان في الصحيفة؟ قال: (من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً...) ))(14).

وفي صحيفة الإمام الرضا(عليه السلام): ((وبإسناده - أي الرضا(عليه السلام) - قال: حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): (ورثت عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) كتابين: كتاب الله عزّ وجلّ، وكتاباً في قراب سيفي)، قيل: يا أمير المؤمنين! وما الكتاب الذي في قراب سيفك؟ قال: (من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه، فعليه لعنة الله) ))(15).

وفي مصنّف عبد الرزّاق: ((عن أبن جريج، قال: أخبرنا جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه: أنّه وجد مع سيف النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) صحيفة معلّقة بقائم السيف، فيها: (إنّ أعدى الناس على الله القاتل غير قاتله، والضارب غير ضاربه، ومن آوى محدثاً لم يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، ومن تولّى غير مولاه فقد كفر بما أنزل على محمّد). قلت لجعفر: من آوى محدثاً: الذي يقتل؟ قال: نعم))(16).

وفي (تحف العقول عن آل الرسول)، من وصيّة الإمام الكاظم(عليه السلام) لهشام: ((يا هشام! وجد في ذؤابة سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (إنّ أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه، وقتل غير قاتله، ومن تولّى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيّه محمّد(صلّى الله عليه وآله)، ومن أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) ))(17).

وفي مسائل علي بن جعفر: عن أخيه موسى الكاظم(عليه السلام)، وقال: ((ابتدر الناس إلى قراب سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بعد موته، فإذا صحيفة صغيرة وجدوا فيها: (من آوى محدثاً فهو كافر، ومن تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله، ومن أعتى الناس على الله عزّ وجلّ: من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه) ))(18).

وعن موسى بن جعفر(عليه السلام)، عن آباءه، عن عليّ(عليه السلام)، قال: (وجدنا في قائم سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في الصحيفة: أنّ الأقلف لا يترك في الإسلام حتّى يختتن، ولو بلغ ثمانين سنة)، وهذا حديث ينفرد به أهل البيت(عليهم السلام) بهذا الإسناد) ))(19).

وفي (الكافي): ((عن أبي عبد الله(عليه السلام)، أنّه قال: (وجد في ذؤابة سيف رسول الله(صلّى الله عليه وآله صحيفة مكتوب فيها: لعنة الله والملائكة على من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، ومن ادّعى إلى غير أبيه فهو كافر بما أنزل الله عزّ وجلّ، ومن ادّعى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله) ))(20).

وفي (طبقات ابن سعد): ((عن عامر، قال: قرأت في جفن سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ذي الفقار: العقل على المؤمنين، ولا يترك مفرح في الإسلام - والمفرح: يكون في القوم لا يعلم له مولى - ولا يقتل مسلم بكافر) ))(21).

وفي (التاريخ الكبير) للبخاري: عن الشعبي: ((أخرج عليّ بن الحسين سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، مكتوباً: العقل على المسلمين))(22).

في (المعجم الكبير): ((عن ابن عبّاس، قال: ما أورثنا رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) صفراء في بيضاء إلاّ ما بين دفتيه، فقمت إلى قائم سيفه، فوجدت في حمائل سيفه صحيفة مكتوب فيها: من (أحدث) حدثاً، أو آوى محدثاً، أو انتمى إلى غير أبيه، أو مولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))(23).

وعن عائشة، أنّها قالت: ((وجد في قائم سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كتابان، فذكر أحدهما، قال: وفى الآخر: المؤمنون تكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملّتين، ولا تنكح المرأة على عمّتها، ولا على خالتها، ولا صلاة بعد العصر حتّى تغرب الشمس، ولا تسافر المرأة ثلاث ليال إلاّ مع ذي محرم))(24).

وفي رواية أُخرى عنها، قالت: ((وجد في قائم سيف رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كتابان: إنّ أشدّ الناس عتوّاً في الأرض رجل ضرب غير ضاربه، أو رجل قتل غير قاتله، ورجل تولّى غير أهل نعمته، فمن فعل ذلك، فقد كفر بالله وبرسله، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. وفي الآخر: المؤمنون تتكافأ دماؤهم))(25).

وعن أنس بن مالك: ((أنّه لم يوجد للنبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) كتاب إلاّ القرآن، إلاّ صحيفة في قرابه فيها: إنّ لكلّ نبيّ حرماً، وإنّ حرمي المدينة، حرّمتها كما حرّم إبراهيم مكّة، لا يحمل فيها سلاح لقتال، من أحدث حدثاً فعلى نفسه، من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، المؤمنون يد على من سواهم، تكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده))(26).
وبما أسردنا عليك من الروايات، يظهر جليّاً أنّ عبارة: (من عير إلى ثور) غير موجودة في كتاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّما هي من كيس أبي هريرة، أقحمها في الحديث عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عندما كذب كذبته الصلعاء في مسجد الكوفة.
ودمتم في رعاية الله

(1) السنن الكبرى 5: 196 جماع أبواب جزاء الصيد، باب: ما جاء في حرم المدينة، كنز العمّال 12: 231 الحديث (34805) فضائل المدينة وما حولها.
(2) انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري 4: 70 باب حرم المدينة.
(3) انظر: مسند أحمد 1: 81، و 151 مسند عليّ بن أبي طالب، صحيح البخاري 8: 10 كتاب الفرائض، صحيح مسلم 4: 115، كتاب الحجّ، باب فضل المدينة، و 4: 217 كتاب العتق، باب فضل العتق، سنن الترمذي 3: 297 الحديث (2210)، باب ما جاء في من تولّى غير مواليه، السنن الكبرى، للبيهقي 5: 196 جماع أبواب جزاء الصيد، باب: ما جاء في حرم المدينة، مسند أبي داود: 26، علي بن أبي طالب(كرّم الله وجهه)، مصنّف عبد الرزّاق 9: 263 الحديث (17153) باب حرمة المدينة، مصنّف ابن أبي شيبة 8: 381 الحديث (2) مسألة حرم المدينة، السنن الكبرى، للنسائي 2: 486 الحديث (4278)، منع الدجّال من المدينة، مسند أبي يعلى 1: 228 الحديث (263)، مسند عليّ بن أبي طالب، صحيح ابن حبّان 9: 33 باب فضل مكّة، ذكر لعن المصطفى من أحدث في حرمه حدثاً، علل الدارقطني 4: 154 (481) بقية مسند عليّ بن أبي طالب.
(4) صحيح البخاري 1: 36 كتاب العلم، وعنه أيضاً باختلاف: صحيح البخاري 4: 30 كتاب الجهاد، باب فكاك الأسير، اختلاف الحديث للشافعي: 565، باب قتل المؤمن بالكافر، المسند، للشافعي: 190 من كتاب اختلاف الحديث وترك المعاد، مسند أحمد 1: 79 مسند عليّ بن أبي طالب، سنن الدارمي 2: 190، باب لا يقتل مسلم بكافر، سنن الترمذي 2: 433 الحديث (1433).
(5) مسند أحمد 1: 118، و 152 مسند عليّ بن أبي طالب، صحيح مسلم 6: 85 كتاب الصيد والذباحة، باب تحريم الذبح لغير الله تعالى ولعن فاعله، السنن الكبرى، للبيهقي 9: 25 باب ما ذبح لغير الله.
(6) مسند أحمد 1: 122 مسند عليّ بن أبي طالب، سنن أبي داود 2: 374 الحديث (4530)، كتاب الديات، باب إيقاد المسلم بالكافر، سنن النسائي 8: 19 باب القود، السنن الكبرى، للبيهقي 7: 134 جماع أبواب اجتماع الولاة، باب اشتراط الدين في الكفاءة، مسند أبي يعلى 1: 462 مسند عليّ بن أبي طالب، المستدرك على الصحيحين 2: 141 لا يقتل مؤمن بكافر.
(7) مسند أحمد 1: 119 مسند عليّ بن أبي طالب، سنن النسائي 8: 24 سقوط القود عن المسلم لكافر، سنن الدارقطني 3: 79 كتاب الحدود والديّات.
(8) مسند أحمد 1: 100، 102، 110، 119 مسند عليّ بن أبي طالب.
(9) المستدرك على الصحيحين 4: 153 كتاب البرّ والصلة، لعن الله العاقّ لوالديه، كنز العمّال 1: 74 الحديث (43988).
(10) الرحلة إلى طلب الحديث:  129 الحديث (45) رحلة عبيد الله بن عدي إلى عليّ(رضي الله عنه).
(11) المسند، للشافعي: 198 من كتاب جراح العبد، السنن الكبرى، للبيهقي 8: 26 جماع أبواب تحريم القتل، باب إيجاب القصاص على القاتل دون غيره، مجمع الزوائد 4: 232 كتاب الفرائض، باب في من تولى غير مواليه، مسند أبي يعلى 1: 277 مسند عليّ بن أبي طالب.
(12) المسند للشافعي: 190 من كتاب جراح العبد، السنن الكبرى، للبيهقي 8: 26 جماع أبواب تحريم القتل، باب إيجاب القصاص على القاتل دون غيره، مصنّف عبد الرزّاق 10: 207 الحديث (18847) باختلاف، و9: 47 الحديث (16304) باختلاف.
(13) جامع بيان العلم وفضله 1: 71 باب ذكر الرخصة في كتاب العلم.
(14) الطبقات الكبرى 5: 105 محمّد بن الحنفية.
(15) صحيفة الإمام الرضا: 237 الحديث (139).
(16) مصنّف عبد الرزّاق 10: 207 الحديث (18847) باب النهبة ومن آوى محدثاً، المحاسن 1: 18 باب وصايا النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، و105 الحديث (86) عقاب القتل، قرب الإسناد: 103 الحديث (348)، الكافي 7: 274 الحديث (1)، كتاب الديّات.
(17) تحف العقول عن آل الرسول: 391 ما روي عن الإمام الكاظم، وصيته (عليه السلام) لهشام بن الحكم.
(18) مسائل علي بن جعفر: 292 الحديث (746)، قرب الأسناد: 258 الحديث (1020).
(19) السنن الكبرى، للبيهقي 8: 324 باب السلطان يكره على الإختتان.
(20) الكافي 7: 272 الحديث (7) كتاب الديات.
(21) الطبقات الكبرى 1: 486 ذكر سيوف رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
(22) التاريخ الكبير 4: 325 الحديث (2997)، باب صاعد.
(23) المعجم الكبير 12: 114 عنترة عن أبيه عن ابن عبّاس.
(24) السنن الكبرى، للبيهقي 8: 30 جماع أبواب تحريم القتل، باب لا قصاص بينه باختلاف الدينين.
(25) نصب الراية 4: 247 أحاديث تكافأ دماء المسلمين، المستدرك على الصحيحين 4: 349 كتاب الحدود، أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله، السنن الكبرى، للبيهقي 8: 26 جماع أبواب تحريم القتل، باب إيجاب القصاص على القاتل دون غيره، سنن الدارقطني 3: 99 الحديث (3222).
(26) الأموال، لابن زنجويه 2: 442 الحديث (720).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال