الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » إشكالات حول بعض الآيات والنصوص المتعلقة بالإمامة


تميم / الدنمارك
السؤال: إشكالات حول بعض الآيات والنصوص المتعلقة بالإمامة

ردّ أهل السُنّة على مسألة الإمامة والنصّ الإلهية بهذا الردّ‎:

*************************

((نقول: كيف يكون منصب إلهي وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا‎ غيري؟!!)(نهج البلاغة ج1 ص181)، بل وقال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم, وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميراً!!!)(نهج البلاغة ج1 ص182).

أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: ‎(( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) (البقرة:124).
فنقول: كيف تفسّرون إذن قوله تعالى: ‎(( وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )) (المائدة:60)، فهل الله تعالى جعل عبادة‎ الطاغوت منصب إلهي؟! أو قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا قُلُوبَهُم قَاسِيَةً )) (المائدة:13)، فهل قسوة القلوب أمر ألهي؟! ألا قبح الله الجهل!

ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: (( سَل بَنِي إِسرَائِيلَ كَم آتَينَاهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ )) (البقرة:211)‎، وقوله: (( وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذِي آتَينَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنهَا )) (الأعراف:175)، فهذا‎ يعني أنّ بني إسرائيل الملعونين إخوة القردة والخنازير أصبحوا أنبياء بمقياسكم العجيب!!

وإذا كان (الاصطفاء) يعني النبوّة، فكيف يفسّر قوله: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ )) (آل عمران:33)، وبعد ذلك قال‎: (( فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً )) (النساء:54-55)، فهذا يعني أنّ هناك من‎ الأنبياء من آمن ومنهم من صدّ عنه، أي كفر!! ويقول: (( ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سَابِقٌ بِالخَيرَاتِ بِإِذنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبِيرُ )) (فاطر:32).. وهذه الآيات لو أنزلناها على الأنبياء أو الأئمّة فلاتّضح لنا أنّ منهم ظالم ومنهم مقتصد ومنهم سابق؟!! فهل يقول بذلك عاقل؟!)).

*************************

ونرجو منكم الردّ راجين من المولى لكم العون والسداد.

الجواب:

الأخ تميم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في جوابنا على قولهم: ((كيف تكون الإمامة منصب إلهي وعليّ بن أبي طالب نفسه يقول: (دعوني والتمسوا غيري)؟ بل قال أيضاً: (وإن تركتموني فأنا كأحدكم...)(1))).
نقول: إنّ هذه الكلمات قالها الإمام عليّ(عليه السلام) بعد مقتل عثمان مباشرة, وفي وقت كانت الفتنة تعصف بالمسلمين من كلّ حدب وصوب, وكان هناك من يتّهمه(عليه السلام) بأنّه ممّن شارك في مقتل عثمان، أو ممّن أعان عليه, لذا كان من الوجيه سياسياً أن يظهر براءته(عليه السلام) من هذه الافتراءات والشبهات التي بدأت تبثّها هذه الدعاية الأموية, وذلك بأن يبيّن للمسلمين أنّه غير راغب بالحكم بما هو حكم وسلطة, وأنّ الشبهات التي تطاله لا أساس لها, وإنّ أدّل دليل على ذلك هو عدم سعيه للوصول إلى الحكم، بل هو في هذا الجانب كأحد المسلمين..
فكانت كلماته(عليه السلام) هنا مختصّة بمرحلة سياسية خطيرة معروفة، وبخصوص السلطة المدنية الدنيوية، ولا علاقة لها بإثبات الإمامة الإلهية أو نفيها.. بل لك أن تراجع ما قاله الإمام(عليه السلام) في نفس المصدر الذي ينقلون منه هذه المقاطع, ونعني به: (نهج البلاغة), لتطالع النصوص الكثيرة الواردة في إثباته(عليه السلام) لإمامته وأنّها - أي: الإمامة - حقّ له لا يحقّ لأحد منازعته فيه..
كما في قوله(عليه السلام) من خطبته المعروفة بالشقشقية: (أما والله؛ لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إلَيَّ الطير. فسدلتُ دونها ثوباً، وطويتُ عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا. حتّى مضى الأوّل لسبيله، فأدلى بها إلى ابن الخطّاب بعده)(2).
وقوله(عليه السلام): (وقد قال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين، هبّ كأنّه بهت لا يدرى ما يجيبني به! اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم! فإنّهم قطعوا رحمي، وصغّروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي، ثمّ قالوا: ألا إنّ في الحقّ أن تأخذه، وفي الحقّ أن تتركه)(3).
وقوله(عليه السلام): (أين الذين زعموا أنّهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا؟!... إنّ الأئمّة من قريش، غرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم)(4).
وغيرها من النصوص لا حاجة بنا إلى سردها كلّها؛ فراجع!

وأمّا قولهم: ((أمّا استدلالهم بالآية الكريمة: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً )) - إلى قولهم - فهل قسوة القلوب أمر إلهي؟)).
نقول: إنّ هذا الرادّ بلسان أهل السُنّة لم يقرّر استدلال الشيعة بهذه الآية حتّى يتبيّن لنا طريقة ومقدّمات استدلالهم بها، والمعنى الذي أقاموه للجعل فيها، ولم يبيّن لنا في المقابل أيضاً ما يفهمه أهل السُنّة من الآية ومعنى الجعل فيها، وإنّما أورد نقضاً على شكل تساؤل بآيتين من القرآن، ثمّ اتهمنا بالجهل!
مع أنّ لفظة الجعل ومشتقاتها الواردة في القرآن لم تأت على معنى واحد في المراد من ماهية الجعل وكيفيته، وإن كان فاعل الجعل واحداً وهو الله سبحانه وتعالى، فإنّ تحديد ذلك يكون من خلال تشخيص ما تعلّق به الجعل (أي: المجعول)، سواء عبر وضوح المراد منه أو بالقرائن الموجودة في النص، من كون المتعلّق (المجعول) أمراً تكوينياً كأعيان الممكنات ومراتبها وعلاقاتها، والسنن الإلهية المنصبّة عليها التي قدّرها الله لها، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً تكوينياً، أو أمراً تشريعياً من غير الأعيان، كالمناصب والألقاب والعناوين الصرفة والتكاليف الشرعية، فيكون الجعل المتعلّق بها جعلاً تشريعياً يحتاج إلى نصب وإقرار ووضع وحكم ممّن له حقّ التشريع المطلق وصاحب الولاية المطلقة، وهو المالك الحقّ سبحانه وتعالى.

وهناك أمرٌ ثالث له جهتان، أحدهما متوقّفة على الأُخرى، فهو من جهة أمرٌ تكويني خاضع للسنن الإلهية المقدّرة على نسق الحكمة والعدل، ومن جهة أُخرى متوقّفة على حصول الجهة الأُولى أمرٌ تشريعي يحتاج إلى نصب وإقرار، فمن الجهة الأُولى يكون جعله تكوينياً، ومن الجهة الثانية يكون جعله تشريعياً، كالمناصب الحقيقية ذات الرتبة الكمالية كالنبوّة والرسالة والإمامة.
ولعلّنا نستطيع تقريب الأمر من خلال التمثيل بالرتب والمقامات العلمية: إنّ الحصول على شهادة الدكتوراه لا يكون جزافاً من دون الحصول على مستوى علميّاً حقيقياً وبذل الجهد من أجله، ثمّ يترتّب عليه منح الشهادة وإعطاء الرتبة والمقام العلمي، وهذا المنح يحتاج إلى إقرار وحكم من الجهة المانحة للرتبة العلمية.
والإمامة كقريناتها النبوّة والرسالة في إحدى جهاتها، وهي: المرتبة الوجودية الكمالية الملكوتية، التي يصل إليها الإمام بعد ترقّيه في مدارج الكمال، أمراً تكوينياً مجعولاً من قبل الله سبحانه وتعالى، لا على نحو الاعتباط والجزاف، وإنّما خاضع للسنن الإلهية المهيمنة على نظام الخلقة غير الخارج عن الجود والفضل واللّطف والعدل الإلهي..
فإنّ الترقّي إلى مرتبة النبوّة فالرسالة فالإمامة يتم على مراحل، لكلّ منها شروطها الوجودية الحقيقية ذات الأثر التكويني المترتّب على تحقّقها في نفس المبعوث نبيّاً، أو المرسل رسولاً، أو المجعول إماماً؛ فانظر إلى قوله تعالى: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)!
فدخالة الصبر واليقين (العلم) واضحة في الحصول على مرتبة الإمامة الهادية في الآية، لا على نحو الجبر كما قد يتوهّم، ولكن بما علمه الله في سابق علمه من استعدادهم وصفاتهم واختيارهم، فاصطفاهم وفضّلهم وجعلهم أئمّة للهدى.
وقد تقول: إنّ هذه المراتب يحصل عليها العبد بفعله، فكيف ينسب الجعل إلى الله؟
نقول: إنّ تمكّن العبد من الحصول على هذه المراتب كان بإقدار الله وهدايته وفضله، فصحّ نسبتها إلى الله من هذه الجهة، كما في قوله تعالى: (( وَمَا رَمَيتَ إِذ رَمَيتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى )) (الأنفال:17).

ثمّ إنّ الإمام بمعناه اللغوي، هو: المقتدى به، سواء في الهداية أو الضلال، فيصدق في مقابل الأئمّة المجعولين للهدى أئمّة للضلال، وهم المقتدى بهم في الضلالة والكفر والغيّ والعصيان، بعد أن تنطبق عليهم أيضاً السنن الإلهية وشروطها ذات الأثر التكويني عند حصولها، حتّى يصلوا إلى مرتبتهم الوجودية السلبية الشيطانية الدنيوية، فيصبحوا أعلاماً للضلالة، لا عن جبر وإكراه، بل بما علمه الله في سابق علمه من صفاتهم وأفعالهم وجبروتهم وعنادهم، قال سبحانه وتعالى: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ )) (القصص:41)، فنبّه إلى سُنّة من سننه فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى، إذ قال عزّ من قائل: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا وَأَوحَينَا إِلَيهِم فِعلَ الخَيرَاتِ )) (الأنبياء:72)..

وكلا الجعلين يرجعان في الأصل إلى قدرة الله وتمكينه، ولكن الاختيار بيد العبد، فإذا اختار طريق الهداية وصبر على الابتلاء وتحمّل العلم، كان من المجعولين أئمّة للهداية، وإن اختار طريق الضلال وتمادى في اتّباع هواه، فيتركه الله لنفسه وعماها، فيكون من المجعولين أئمّة للكفر.

وأمّا جهة الإمامة الأُخرى المترتّبة والمتوقّفة على الجهة الأُولى، فهي: الحصول على مرتبة المطاعية والحاكمية، التي يثبت بها للإمام حقّ الطاعة من قبل الناس، وله التصرّف في أُمورهم وشؤونهم وأنفسهم، وهي مختصّة بإمام الهدى ولا تشمل إمام الكفر؛ إذ لا مطاعية له، كما هو واضح، وهذه الجهة أمر تشريعي يحتاج إلى إقرار ونصب وتفويض ممّن له حقّ التشريع بالأصالة، وهو المالك المطلق سبحانه وتعالى، لمن اختاره لمنصب الإمامة؛ قال تعالى: (( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم )) (النساء:59)، فتكون طاعته في طول طاعة الله وبتفويض منه، ولو نصب العبد نفسه إماماً أو نصبه الناس، كان متعدّياً، وهم معتدين، على حقّ الله المطلق، ومتصرّفين في ما ليس لهم التصرّف فيه من التشريع.
ومن خلال ما توضّح نحتاج إلى تحديد الجهة والرتبة المقصودة من الإمامة، التي تعلّق بها الجعل الصادر منه الله تعالى، لمعرفة نوع الجعل من كونه تكوينياً أو تشريعياً، وتحديد الجهة المقصودة بالجعل يكون عن طريق القرائن المحتفّة بالنصّ القرآني.

ومن هنا.. نرجع إلى آية مورد البحث، وهي: قوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ))، لنرى ما هي جهة الإمامة التي تعلّق بها الجعل في الآية: هل هي جهة التكوين؟ أو جهة التشريع؟
فإنّ الله سبحانه سمّى الإمامة عهداً عند قوله: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124)، فبيّن أنّها هنا من العهود، والعهود تحتاج إلى إقرار؛ لأنّها من الأحكام الوضعية، والأحكام كلّها من المجعولات الشرعية، فإذا كانت الإمامة هنا من المجعولات الشرعية، فإنّها تحتاج إلى (جعل) شرعي، أي: تنصيب وتعيين، وهذا التنصيب الشرعي بصريح الآية مختص بالله سبحانه وتعالى؛ فإنّ فاعل (الجعل) هنا هو الله، وقد أُعطي لإبراهيم بعد النبوّة والرسالة؛ لأنّه كان يوحى إليه حينذاك، وجيء باسم الفاعل (جاعل) ليدلّ على الحال أو الاستقبال، لا وقوع الجعل في الماضي الذي ربّما يوهم كون (الجعل) جعلاً تكوينياً.
وأنت ترى ترتّب جهتي الإمامة التكوينية والتشريعية واضحة في الآيات الخاصّة بجعل إبراهيم(عليه السلام) إماماً؛ قال سبحانه وتعالى: (( وَإِذِ ابتَلَى إِبرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ )) (البقرة:124)، وهي مبيّنة للجهة التكوينية وشروطها، وقال: (( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي )) ، وهي مبيّنة لترتّب جهة الجعل المولوي التشريعي للإمامة على الجهة التكوينية لها بقرينة قوله: (( لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ ))، التي توضّح أنّ هذا العهد المجعول يختصّ بأهل العصمة.

ومنها قوله تعالى: (( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ )) (ص:26)، فإنّ الحكم بين الناس الذي هو مظهر الإمامة والولاية قد فرّع بالفاء على جعل داود خليفة، وهو قرينة على أنّ (الجعل) هنا بمعنى: التعيين والتنصيب، والإشارة إلى ترتّب هذا الجعل المولوي على مرتبة الأمر التكويني في الإمامة نجده في قوله تعالى الخاص بأئمّة بني إسرائيل وداود منهم: (( وَجَعَلنَا مِنهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بِأَمرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ )) (السجدة:24)، وكذلك تجد مثل هذا الربط والترتّب في قوله تعالى: (( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً )) إلى قوله: (( وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسمَاءَ كُلَّهَا )) (البقرة:30-31).
ولا تجد مثل هذا الربط والترتّب في آية جعل أئمّة الكفر: (( وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةً يَدعُونَ إِلَى النَّارِ ))، فلا ذكر للعهد أو الحكم بالعدل أو إيجاب الطاعة هنا، وإنّما الإشارة فقط إلى فعلهم وسمتهم، وهي: الدعوة إلى النار، فالآية مقتصرة فقط على الجعل التكويني من غير جبر، وإنّما بإقدار الله واختيارهم لأنفسهم كسُنّة إلهية فيهم مقابل سُنّته في أئمّة الهدى.
ومثل (جعل) أئمّة الكفر، (جعل) عبدة الطاغوت في قوله تعالى: (( وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ )) (المائدة:60)، وأمّا جعل القردة والخنازير إذا كان المراد منه: جعل أجسامهم أجسام القردة والخنازير، فهو: جعل تكويني مباشر، وأمّا إذا كان المراد: جعل أرواحهم، فهو: كجعل عبدة الطاغوت، والجعلين - أي: جعل الأجسام أو الأرواح - كان بما كسبت أيديهم لا جبر فيه البتة.
ومثل الجعل التكويني الصرف كما في قوله تعالى: (( وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَناً )) (الأنعام:96)، فعليك أن تستوضح المراد من لفظة الجعل الواردة في القرآن كلٌ حسب الآية الواردة فيها؛ فتأمّل!

وأخيراً نقول: نعم، قبّح الله الجهل، وقبّح من يتعالم بغير علم!!
وقولهم: ((ثمّ إذا كان معنى (الإتيان) أي: النبوّة، فكيف يفسّر قوله تعالى: (( سَل بَنِي إِسرائيلَ كَم آتَينَاهُم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ... )) (البقرة:211)...))، إلى آخر ما قالوه.
نقول: لم يذكروا هنا المصدر الذي يفسّر الإتيان بالنبوّة, وإن ورد ذلك في كتاب ما أو تفسير ما، فهو ناظر إلى متعلّق الإتيان لا الإتيان نفسه.. فهذه من غرائب الإشكالات وطرائفها. والكلام في المراد منه على نسق ما بيّناه في المراد من (الجعل).
قولهم: ((وإذا كان (الاصطفاء) يعني: النبوّة، فكيف يفسّر قوله: (( إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ )) ...)), إلى آخر المقال.
نقول: إنّ الاصطفاء على العالمين نوع اختيار وتقديم وتفضيل للمصطفى على العالمين في أمر ما، لا يملكه الآخرين، وهذا الأمر لا بدّ أن يكون فيه ميزة وفضيلة حتّى يفضّل به المصطفى عن غيره.
والاصطفاء هنا لبعض ذرّية إبراهيم(عليه السلام)؛ لأنّ معنى (الآل) يطلق على من يختص بالإنسان الشريف من أهله وقرابته، والآية عطفت آل عمران على آل إبراهيم، وآل عمران بعض ذرّية إبراهيم، فإخراجهم منهم وتخصيصهم بالذكر والعطف على آل إبراهيم يدلّ على أنّ المراد بعض ذرّية إبراهيم(عليه السلام) لا كلّ ذرّيته(5).

وأمّا قوله تعالى: (( فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ))، فقد سبقه آيات تبيّن المعنى المراد منه، ولكن المستشكل قطع تلك الآيات عن هذه ليحرّف كلام الله، وقد لعن الله الذين يحرّفون الكلم عن مواضعه.
قال تعالى في آيات عديدة تذمّ بني إسرائيل، منها: (( أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الكِتَابِ يُؤمِنُونَ بِالجِبتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً * أَم لَهُم نَصِيبٌ مِنَ المُلكِ فَإِذاً لاَ يُؤتُونَ النَّاسَ نَقِيراً * أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُلكاً عَظِيماً * فَمِنهُم مَن آمَنَ بِهِ وَمِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً )) (النساء:51-55)، فالضمير (هم) في (( مِنهُم مَن صَدَّ عَنهُ )) يعود على: الذين أوتوا نصيباً من الكتاب وآمنوا بالجبت والطاغوت، ولعنهم الله، ولم يكن لهم نصيب من الملك، وحسدوا الناس على ما آتاهم.. لا على الأنبياء والأئمّة من آل إبراهيم(عليه السلام)، الذين آتاهم الله الكتاب والحكمة والملك، كما يدّعي هذا المدّعي المحرّف لكلمات الله!
والملك العظيم المعطى لآل إبراهيم(عليه السلام)، وهم بعض ذرّيته، والذي حسدهم عليه الحاسدون هو الإمامة التي طلبها إبراهيم(عليه السلام) لذرّيته، في قوله تعالى: (( وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهدِي الظَّالِمِينَ )) (البقرة:124).

وأمّا قوله تعالى: (( ثُمَّ أَورَثنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصطَفَينَا مِن عِبَادِنَا... )) الآية، فقد فصّلنا الكلام في تفسيرها ضمن عنوان: (القرآن وتفسيره)، فراجع يتّضح لك أن لا نقض فيها على ما قلناه.. وخلاصة القول فيها: أنّ المفسّرين اختلفوا في المراد من (( الَّذِينَ اصطَفَينَا )) في الآية على أقوال كثيرة، واختلفوا في المراد من الضمير (هم) في موارده في الآية على أقوال أكثر، وضرب هذه الاحتمالات مع بعضها يؤدّي إلى أقوال كثيرة جدّاً، لا يصلح للنقض منها إلاّ بعض الأقوال الشاذّة غير الصحيحة عندنا.
وأيضاً قوله تعالى: (( فَمِنهُم ظَالِمٌ لِنَفسِهِ )), ليس المراد به: أنّ الظالم من المصطفين, بل المراد به: أنّ من الناس من يكون ظالماً لنفسه، ومنهم من هو مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات, ويفسّر العلماء هؤلاء الثلاثة بالكافر والمنافق والمؤمن -على نحو اللف والنشر المرتّب-(6).
ودمتم في رعاية الله

(1) نهج البلاغة 1: 181، 182 خطبة (92).
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1: 151 - 162 خطبة (3).
(3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 305 خطبة (173).
(4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9: 84 خطبة (144).
(5) انظر: تفسير الميزان للطباطبائي 3: 144 سورة آل عمران، قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحاً...)).
(6) انظر: تفسير السمرقندي 3: 100.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال