الاسئلة و الأجوبة » أصول الفقه » الإجماع لدى الإمامية


احمد ناجي / النرويج
السؤال: الإجماع لدى الإمامية

أرجو الردّ على هذه الشبهة الوهابية:

*************************

من عجائب الشيعة أنّه إذا اختلفوا في مسألة، وكان أحد القولين يُعرف قائله، والآخر لا يُعرف قائله, فالصواب عندهم هو القول الذي لا يُعرف قائله!
إنّهم يزعمون أنّه قد يكون قول الإمام المعصوم! حتّى انتقدهم شيخهم الحرّ العاملي وتعجّب قائلاً: ((وقولهم باشتراط دخول مجهول النسب فيهم أعجب وأغرب، وأيّ دليل عليه؟ وكيف يحصل مع ذلك العلم بكونه هو المعصوم أو الظنّ به)) عن: مقتبس الأثر (3/63).
يا سبحان الله! يأخذون بالمجهول، ولا يعلمون ما هو يمكن كذّاب، أو الصحيح أنّ دينهم كذب والعياذ بالله عند قراءتي لكتب الفقه وخاصّة الكتب الأربعة: (الاستبصار)، و(مَن لا يحضره الفقيه)، و(الفروع من الكافي)، و(التهذيب) عند الشيعة، وجدت الطامات والتناقضات لا حدّ لها في ما ذكره أخونا الفاضل في موضوعه!!!
المعصوم عندهم له عدّة أحاديث في الباب الواحد عدّة تناقضات عجيبة وغربية!!
حتّى أنّ شيخهم الطوسي والصدوق في شرحهما لتناقضات المعصوم لا يعرفون كيف المخرج من هذه الورطة!!
ولا يعرفون كيف الخروج منها؟!!
فأكثر أقوالهم كالآتي:
1- تارة يحملون الرواية على التقيّة؟!!
2- وتارة يطعنون في الراوي!!
3- وتارة أنّ المعصوم أفتى على مذهب الشافعي، أو المالكي، أو أبو حنيفة، أو إمام أحمد!!!
وأمثال هذا الكلام وجدت كثيراً ودونتها عندي!!!

*************************

أشكركم على ما تبذلونه لخدمة الدين والمذهب.

الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
واحد من الأدلّة الأربعة هو: الإجماع، والإجماع عند الإمامية لا يتحقّق إلاّ بدخول الإمام المعصوم ضمن المجمعين، فالحجّة هي لدخول المعصوم لا لإجماع جماعة معيّنين! وعند خروج شخص من إجماع معيّن وكان ذلك الشخص معلوم النسب، يقول الفقهاء: إنّ هذا الخروج لا يضرّ بالإجماع على بعض الأقوال؛ لأنّ الخارج معلوم النسب وهو غير الإمام، أمّا مع حصول الإجماع وعلم دخول المعصوم ضمن المجمعين عندها يكون هذا الإجماع حجّة، فليس بمجرّد دخول شخص مجهول النسب مع المجمعين يكون الإجماع حجّة!
بل لو لم يعلم دخول الإمام فلا يكون ذلك الإجماع حجّة، فالإجماع بما هو إجماع لا قيمة علمية له عند الإمامية ما لم يكشف عن قول المعصوم، فيكون الإجماع منزلته منزلة الخبر المتواتر الكاشف بنحو القطع عن قول المعصوم!
وإذا كان الإجماع حجّة من جهة كشفه عن قول المعصوم، فلا يجب فيه اتّفاق الجميع بغير استثناء، كما هو مصطلح أهل السُنّة على مبناهم، بل يكفي كلّ ما يستكشف من اتّفاقهم قول المعصوم، كثروا أم قلّوا، إذا كان العلم باتّفاقهم يستلزم العلم بقول المعصوم.
نعم، على بعض المسائل في الإجماع لا بدّ من إحراز اتّفاق الجميع.

أمّا كيف يستكشف من الإجماع على سبيل القطع قول المعصوم؟ قد ذكروا لذلك طرقاً، منها:
الأوّل: طريق الحسّ: وبها يسمّى الإجماع: (الإجماع الدخولي)، وحاصل هذه الطريقة أن يعلم بدخول الإمام في ضمن المجمعين على سبيل القطع من دون أن يعرف بشخصه من بينهم.
وهذه الطريقة إنّما تُتصوّر إذا استقصى الشخص المحصّل للإجماع بنفسه، وتتبّع أقوال العلماء فعرف اتّفاقهم، ووجد من بينها أقوالاً متميّزة معلومة لأشخاص مجهولين حتّى حصل له العلم بأنّ الإمام من جملة أولئك المتّفقين، أو يتواتر لديه النقل عن أهل بلد أو عصر، فعلم أنّ الإمام كان من جملتهم، ولم يعلم قوله بعينه من بينهم، فيكون من نوع الإجماع المنقول بالتواتر.
وقد ذكروا أنّه لا يضرّ في حجّية الإجماع على هذه الطريقة مخالفة معلوم النسب، وإن كثروا ممّن يعلم أنّه غير الإمام, بخلاف مجهول النسب على وجه أنّه الإمام, فإنّه في هذه الصورة لا يتحقّق العلم بدخول الإمام في المجمعين.

الثاني: طريقة قاعدة اللّطف، وهي: أن يستكشف عقلاً رأي المعصوم من اتّفاق من عداه من العلماء والموجودين في عصره خاصّة، أو في العصور المتأخّرة، مع عدم ظهور ردع من قبله لهم بأحد وجوه الردع الممكنة, خفيّةً أو ظاهرة؛ فإنّ قاعدة اللطف كما اقتضت نصب الإمام وعصمته تقتضي أيضاً أن يظهر الإمام الحقّ في المسألة التي يتّفق المفتون فيها على خلاف الحقّ وإلاّ لزم سقوط التكليف بذلك الحكم، أو إخلال الإمام بأعظم ما وجب عليه، ونصب لأجله، وهو: تبليغ الأحكام المنزلة.
ولازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة مطلقاً، سواء كان من معلوم النسب أو مجهوله، مع العلم بعدم كونه الإمام، ولم يكن معه برهان يدلّ على صحّة فتواه.

الثالث: طريقة الحدس: وهي أن يقطع بكون ما اتّفق عليه الفقهاء الإمامية وصل إليهم من رئيسهم وإمامهم يداً بيد؛ فإنّ اتّفاقهم مع كثرة اختلافهم في أكثر المسائل يعلم منه أنّ الاتّفاق كان مستنداً إلى رأي إمامهم.
ولازمها: أنّ الاتّفاق ينبغي أن يقع في جميع العصور من عصر الأئمّة إلى العصر الذي نحن فيه؛ لأنّ اتّفاق أهل عصر واحد مع مخالفة من تقدّم يقدح في حصول القطع، بل يقدح فيه مخالفة معلوم النسب ممّن يعتدّ بقوله، فضلاً عن مجهول النسب.
وهذه أهمّ الطرق التي ذكرت لتحقّق الإجماع، وقد ظهر منها: إنّ الإجماع إنّما يكون حجّة عند دخول المعصوم مع المجمعين, ويكشف هذا الدخول بالطرق المتقدّمة(1).

أمّا التناقضات التي يقولها بين الروايات, فهي تبدو للوهلة الأولى تناقضات! لكن الفقيه يستطيع الجمع بينها، وردّ ما لم يثبت صحّته، فصاحب الشبهة بنظره القاصر يراها تناقضات، فأيّ تناقض بين رواية صحيحة السند ورواية ضعيفة لا يُعتدّ بها؟! وأيّ تناقض بين كلام صدر من الإمام تقيّة، وبين كلام صدر بلا تقيّة؟!

وأخيراً قد ظهر ممّا دوّنا: أنّ هذا المستشكل لم يفهم من البداية قول علمائنا، سواء الأُصوليين منهم بخصوص الإجماع، أم الفقهاء بخصوص التعارض بين الروايات!! فتطفّل على أمر لا علم له به كشف به عن جهله، وما أكثر ابتلائنا بهؤلاء الجهّال.
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: فرائد الأُصول 1: 192 المقصد الثاني (الظنّ)، المقام الثاني (الإجماع المنقول).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال