الاسئلة و الأجوبة » الاجتهاد والتقليد » مَن الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول؟


ابو حيدر الشاكر / العراق
السؤال: مَن الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول؟

باسمه تعالى

من الذي أمر باتّباع الفقهاء العدول، وجعل الرادّ عليهم كالرادّ على الله تبارك وتعالى؟

الجواب:

الأخ أبا حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بدّ للمكلّف - إذا لم يكن أهلاً للاجتهاد أو الاحتياط - من التقليد لمعرفة الحكم الشرعي والوظيفة العملية، بمعنى رجوع المكلّف الجاهل بالأحكام إلى العالم بها، ويستدلّ على ذلك بعدّة أدلّة، منها:
الأوّل: سيرة المتشرّعة وإجماعهم العملي على الاجتزاء بأخذ الأحكام من المجتهدين.
والظاهر أنّ السيرة المذكورة متفرعة ارتكازاً عن سيرة العقلاء في جميع أمورهم على الرجوع إلى أهل الخبرة، فكلّ من لا يتسنّى له العلم بشيء يرجع إلى العالم به، ولولاه لاختلّ النظام؛ لتعذّر العلم لهم بجميع ما يحتاجونه، فتكون سيرة المتشرّعة كاشفة عن إمضاء الشارع الأقدس لسيرة العقلاء المذكورة.

الثاني: قوله تعالى: (( فَلَولا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَومَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِم لَعَلَّهُم يَحذَرُونَ )) (التوبة:122)؛ فانّ التفقّه عبارة عن تعلّم الأحكام واستنباطها من أدلّتها، وظاهر الإنذار هو: الإنذار بما تفقّهوا فيه، فيدخل فيه بيان الأحكام الإلزامية المستتبعة للعقاب والفتوى بها، وحيث كان ظاهر جعل الحذر غاية للإنذار الواجب مطلوبيّته كان ظاهراً في حجّية الفتوى بالأحكام الإلزامية، ويتمّ في غيرها بعدم الفصل.

الثالث: قوله تعالى: (( فَاسأَلوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لا تَعلَمُونَ )) (النحل:43)؛ فانّه ظاهر في أنّ وظيفة الجاهل السؤال من العالم، والمنصرف إرادة السؤال للعمل، فيكشف عن حجّيّة الجواب.

الرابع: النصوص الكثيرة الواردة في فضل العلم، وتحصيله، والانتفاع به، والرجوع للعلماء، والأخذ منهم... كالتوقيع الشريف: (وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم)(1)، وقول الإمام(عليه السلام): (فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)(2).

ويشترط في الفقيه توفّر أُمور حتّى يصحّ الرجوع إليه؛ ففي (الذكرى) للشهيد الأوّل، قال: ((يعتبر في الفقيه أُمور ثلاثة عشر قد نبّه عليها في مقبولة عمر بن حنظلة عن الإمام الصادق(عليه السلام): (انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً؛ فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم الله استخفّ، وعلينا ردّ وهو رادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله, فإذا اختلفا فالحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما).
الأمر الأوّل: الإيمان؛ لقوله: (منكم)، لأنّ غير المؤمن يجب التثبت عند خبره، وهو ينافي التقليد.
الثاني: العدالة - لذلك أيضاً - وعليه نبّه بقوله: (أعدلهما).
الثالث: العلم بالكتاب.
الرابع: العلم بالسُنّة، ويكفي منهما ما يحتاج إليه، ولو بمراجعة أصل صحيح.
الخامس: العلم بالإجماع والخلاف لئلا يفتي بما يخالفه.
السادس: العلم بالكلام.
السابع: العلم بالأُصول.
الثامن: العلم باللغة والنحو والصرف، وكيفية الاستدلال، وعلى ذلك دلّ بقوله: (وعرف أحكامنا)؛ فإنّ معرفتها بدون ذلك محال.
التاسع: العلم بالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والظاهر والمؤوّل، ونحوها ممّا يتوقّف عليه فهم المعنى والعمل بموجبه، كالمجمل والمبيّن، والعامّ والخاصّ.
العاشر: العلم بالجرح والتعديل، ويكفي الاعتماد على شهادة الأولين به، كما اشتمل عليه كتب الرجال؛ إذ يتعذّر ضبط الجميع مع تطاول الأزمنة.... وإلى ذلك أشار بقوله: (وروى حديثنا).
الحادي عشر: العلم بمقتضى اللفظ لغة وعرفاً وشرعاً.
الثاني عشر: أن يعلم من المخاطب إرادة المقتضى إن تجرّد عن القرينة، وإرادة ما دلّت عليه القرينة إن وجدت، ليثق بخطابه، وهو موقوف على ثبوت الحكمة.
الثالث عشر: أن يكون حافظاً، بمعنى أنّه أغلب عليه من النسيان؛ لتعذّر درك الأحكام من دونه..))(3).
ودمتم في رعاية الله

(1) كمال الدين وإتمام النعمة: 484 الباب(45) ذكر التوقيعات، وسائل الشيعة 27: 140 الباب(11) حديث (33424) من أبواب صفات القاضي.
(2) الاحتجاج 2: 263 احتجاج أبي الحسن العسكري(عليه السلام) في أنواع شتّى من علوم الدين، وسائل الشيعة 27: 131 الباب(10) حديث (33401) من أبواب صفات القاضي.
(3) ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة 1: 42-43.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال