الاسئلة و الأجوبة » الجبر والاختيار » هل للبيئة والوراثة دور في نفي الاختيار


ابو جواد المياحي / العراق
السؤال: هل للبيئة والوراثة دور في نفي الاختيار
كيف توجيه هذا الاشكال العقائدى وهو: ان المولود الذي يولد ويتربى في بيت يفعل المنكرات والمعاصي والذنوب والبيئة الفاسدة وما فضل المولودة الذي يولد في بيت صالح ومن العلماء فان الاثار الوضعية التي تتركها كلا البيئتين فما ذنب هذا وما فضل ذلك
الجواب:
الأخ أبا جواد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا غرو أن للبيئة دور في تربية وتنشئة الناس، فإن كانت بيئة صالحة ساهمت في تنشئة الجيل الصالح، وإن كانت بيئة طالحة فإن لها أكبر الأثر في إفراز الجيل الطالح. ولكن ليس صلاح وفساد البيئة بمؤثر في تربية الناس على نحو الاقتضاء واللزوم، بحيث يلزم دائماً أن يكون صلاح الفرد بصلاح بيئة أو محيطة، فإنه من المسلم به تاريخياً من خلال استقراء حضارات الأمم والشعوب أن يحصل الرجل الصالح في مجتمع فاسد، والعكس أيضاً، فلو كانت هنالك ملازمة بين صلاح الفرد أو فساده بالقياس إلى حال مجتمعه أو بيئته لما وجد المصلحون في الأوساط الفاسدة، ولا وجد الأشرار في الأوساط الصالحة.
وهنا يمكن أن نرجع التأثير إلى أمر آخر غير التربية، كالوراثة من الآباء أو الأجداد، أو وجود الاستعدادات الغريزية والنفسية التي تتبلور حولها شخصية الإنسان ، فإن الناس يتفاوتون في حظهم من هذه الخصال الذاتية أو المكتسبة عن طريق الوراثة ، وغالباً ما يعزى صلاح أو فساد الفرد إلى رصيده من هذه الخصال أو أضدادها، ومع ذلك فلا تصل درجة تأثير العوامل الوراثية والسمات الشخصية التي تعطي للمرء تفرده وتميزه من بين أقرانه ، إلى أن يكون الإنسان مقهوراً تحت سلطانها ومجبوراً على تأدية ما يترتب عليها من أفعال أو أخلاق.. فإن له القدرة على تغيير تلك المزايا والخصال من خلال الإرادة الحرة وعامل الاختيار الذي هو أهم ما يمتاز به نوع الإنسان، ولذلك فإنها أيضاً لا تصل إلى درجة الإيجاب، بل لا تعدو مرحلة الاقتضاء التي يمكن للإنسان بشيء من المثابرة والجهد الدؤوب أن يحول دون ما تقتضيه.
إذ لا يؤثر المقتضي شيئاً مع وجود المانع أو عدم الشرط ، كما ثبت ذلك بالدليل.
وحينئذٍ فإن التفاضل بين من يولد في بيئة صالحة وبين من يولد في بيئة طالحة يكون بحسب ما يبذله كل منهما من جهد، فالمولود في بيئة طالحة يتحمل من الأعباء لأجل إصلاح نفسه ما لا يتحمله المولود في بيئة صالحة، فيكون ثوابه أعظم لأن الأمور مهيئة لصلاح الثاني دون الأول، بل لولا إرادة الأول وجهده في سبيل إصلاح نفسه لاقتضى الحال أن يكون طالحاً إذ البيئة مهيئة لجعله كذلك. ومن هنا نفهم أن الله تعالى طبقاً لعدله لا يساوي بين الرجلين في استحقاق الأجر، وإن كان صلاحهما متناسباً بحيث يكون ما لدى كل منهما من الصلاح واحداً غير أن الجهد المبذول ممن ولد في البيئة الطالحة لأجل تحصيل الصلاح أعظم من الجهد المبذول من المولود في البيئة الصالحة بلا ريب، فلابد طبقاً للموازين العادلة لأحكم الحاكمين أن يكون الأكثر مشقة منهما أكثر استحقاقاً للثواب.
ولكن لا يرد على ذلك أن الأنبياء والأئمة (ع) مثلاً قد ولدوا في ظرف الصلاح والتسديد الإلهي فيلزم أن لا يكون لهم من الأجر ما للمؤمن المثابر المشتغل لإصلاح نفسه وتحصيل كمالها.. فإن المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتق الأنبياء والأولياء والأئمة (ع) من الخطورة بمكان بحيث انهم يحاسبون من قبل الله تعالى في أدق التفاصيل المباحة عند سواهم، ولذا قيل: ((حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولذلك وكل الله تعالى بهم البلاء والامتحان المستمر، فبعضهم نشر بالمناشير،وبعضهم أحرق، وبعضهم دفن حياً ،وبعضهم ألقي من شاهق، وبعضهم ابتلي بفقد الأولاد والأعزة ، وبعضهم ابتلي بالأمراض والأسقام ...،وبعضهم ابتلي بمعاداة أقرب المقربين إليه فتآمروا عليه ليقتلوه أو ينفوه من الأرض.. وتلك الابتلاءات العظيمة من قبل الله عز وجل مع ما يضاف عليها من مسؤوليات ومهام رسالية وإصلاحية تقتضي نوعاً من الصبر والتحمل والإخلاص والمثابرة والجد... الخ.... بحيث لا يمكن المقارنة بين ابتلاء وعناء المؤمن العادي وبين ابتلاء وعناء المؤمن العادي وبين ابتلاء وعناء النبي أو الوصي أو الإمام .. فالنبي قد يعاتب على ترك الأولى وهو ما لا يعاتب عليه سائر المؤمنين، بل قد يطول استغفار النبي سنين متطاولة طلباً للمغفرة من الله عز وجل لأجل ترجيح أمر مرجوح بين أمرين كلاهما مباح،ولذلك قال نبينا الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) ((شيبتني سورة هود)) وذلك لأجل آية واحدة وردت فيها: وهي قوله عز وجل: ﴿ فَاستَقِم كَمَا أُمِرتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ (هود:112)، وهذه الاستقامة المطلوبة ليست بالأمر الهيّن، إذ تقتضي جهوداً عظيمة لم يكن ليضطلع بها إلا نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله). فتأمل.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال