الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » اعتراض على استدلال الشيعة بآيات تنصيب طالوت


سالم السيلاوي / العراق
السؤال: اعتراض على استدلال الشيعة بآيات تنصيب طالوت
قال لي أحد المخالفين: إنّ قوله تعالى: (( إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ )) (البقرة:246)، إنّكم الشيعة تقولون: إنّ هذا الملك يمثّل معنى الإمامة في القرآن إلى جنب النبوّة، وهذا واضح من طلب بني إسرائيل من نبيّهم ملكاً، بينما يجب أن نحتجّ عليكم نحن أبناء السُنّة والجماعة بهذه الآية، كون أنّ الطلب كان للقيادة العسكرية والسياسية لمقاتلة جالوت، وهذا يثبت النظرية القائلة بانفصال القيادة السياسية عن الدينية، وممّا يؤيّد ذلك: قوله تعالى، على لسانهم لفظة: (( مَلِكاً ))، فهي أخصّ من الإمامة الإلهية التي تقولون بها.
الجواب:

الأخ سالم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بل هذا الاستدلال أدحض لقولهم؛ فإذا كانت القيادة السياسية والعسكرية - أي: القيادة الدنيوية - تحتاج إلى تنصيب من الله بنصّ القرآن، فما بالهم يعارضونه ويقولون أنّها بالاختيار والشورى؟! فهل هذا إلاّ من رمي كلام الله وراء الظهور؟!
إنّ في القرآن لحجّة بالغة تسدّ على أهل السُنّة كلّ مخرج، خاصّة قولهم: إنّ القيادة والحكم من شؤون الدنيا، وأنّ الله فوّضها للأُمّة.

ونحن نقول: الكلّ متّفقون على أنّ الزعامة الدينية هي تنصيب من قبل الله، وهذا مفهوم من خلال قول هذا المخالف، ولا نعتقد أنّ هناك مسلم يناقش في ذلك؛ للنصوص الكثيرة من القرآن والسُنّة على أنّ الله هو الذي يصطفي أولياءه وأنبياءه، ولكنّنا أيضاً ندّعي أنّ الحكم والزعامة الدنيوية شأن من شؤون الإمامة، كما كان ذلك لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وليست هي الإمامة؛ فالإمامة رتبة إلهية يكون الإمام فيها نائباً للرسول وله كلّ وظائفه وهو الصلة بين السماء والأرض، وإذا كان كذلك فلا يوجد أولى منه بالحكم في الدنيا.
ولكن تنزّلاً على ما يقوله الخصم من عدم الالتزام بذلك، تكون هذه الآية: المعنية أوّل دليل على أنّ الحاكم الحقّ يجب أن يكون منصّباً من الله، وبطريق شرعي.
ولاحظ! أنّنا نقول: إنّ الحكم شأن من شؤون الإمامة، وفي الآية: أنّ بني إسرائيل طلبوا من نبيّ لهم، ووظيفة النبيّ: الإنذار والتبشير، ولا تثبت له الوظائف الأُخرى إلاّ إذا نال مرتبة الإمامة.

هذا، والصحيح من استدلال الشيعة بالآية جاء على لسان عليّ(عليه السلام)؛ قال في خطبة له: (اسمعوا ما أتلو عليكم من كتاب الله المنزّل على نبيّه المرسل لتتّعظوا؛ فإنّه والله عِظَة لكم، فانتفعوا بمواعظ الله، وازدجروا عن معاصي الله، فقد وعظكم الله بغيركم، فقال لنبيّه(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (( أَلَم تَرَ إِلَى المَلإِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ مِن بَعدِ مُوسَى إِذ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعَث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِل فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَل عَسَيتُم إِن كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَد أُخرِجنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتَالُ تَوَلَّوا إِلاَّ قَلِيلاً مِّنهُم وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَقَالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوَا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلكُ عَلَينَا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِّنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصطَفَاهُ عَلَيكُم وَزَادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )) (البقرة:246-247).
أيّها الناس! إنّ لكم في هذه الآيات عبرة، لتعلموا أنّ الله تعالى جعل الخلافة والإمرة من بعد الأنبياء في أعقابهم، وأنّه فضّل طالوت وقدّمه على الجماعة باصطفائه إياه، وزيادته بسطة في العلم والجسم، فهل تجدون الله اصطفى بني أًميّة على بني هاشم، وزاد معاوية علَيَّ بسطة في العلم والجسم؟!)(1).
والاستدلال واضح: بأنّ الأولى بالملك والإمارة من اصطفاه الله وزاده بسطة في العلم والجسم، كما أنّ الآيات صريحة في أنّ الملك لله: (( وَاللّهُ يُؤتِي مُلكَهُ مَن يَشَاءُ ))، لا للناس، وأنّه يصطفي من يشاء لملكه مع ما يعطيه من العلم والقوّة.

وقال الطوسي في تفسير الآية: ((وقال أصحابنا: فيها دلالة على أنّ من شرط الإمام أن يكون أعلم رعيّته، وأفضلهم في خصال الفضل؛ لأنّ الله تعالى علّل تقديمه عليهم بكونه أعلم وأقوى، فلولا أنّه شرط، وإلاّ لم يكن له معنى))(2).
نقول: فإذا كان الحكم من شؤون الدنيا على قولكم، فهذا شرط فيها بنصّ القرآن.. وإذا كانت الإمامة بمعناها عندنا، فهذا الشرط أولى فيها.

ثمّ إنّ الشيعة لا يقولون: إنّ (الإمامة) تساوي (الملك)، حتّى تدّعي علينا مثل ذلك، وإنّما يقولون: إنّ الملك شأن من شؤون الإمامة، وتحقّقه أو عدم تحقّقه لا يؤثر في ثبوت منصب الإمامة أو عدمه، فصلاحيات ورتبة الإمامة أوسع من صلاحيات الملك، وبالتالي فكلّ إمام يدخل من ضمن وظائفه الحكم والملك، وليس كلّ ملك فهو إمام، وبالتالي فما قاله في آخر كلامه من أنّ: الملك أخصّ من الإمامة خطأ، فالأمر بالعكس، فإنّ الإمامة أخصّ من الملك؛ لأنّ مصاديقها أقلّ من مصاديق الملك.

وأمّا إذا كان المراد من قوله أخصّ: إنّ صلاحيات الملك أقلّ من صلاحيات الإمامة عندكم، فهو وإن كان خلاف الاصطلاح، ولكنّه يدحض قوله؛ لأنّه بهذا يتمّ قول الإمامية بالأولوية.. أي: إذا كان الملك باختيار وتنصيب من الله وهو من المهام الدنيوية وأقلّ صلاحيات، فالتنصيب من الله أولى في الإمامة الإلهية الأوسع صلاحيات.
ودمتم في رعاية الله

(1) الإرشاد 1: 262 - 263.
(2) التبيان 2: 292 ذيل الآية (247) من سورة البقرة.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال