الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » الفهم الصحيح لبرهان النظم


الميرزا / عمان
السؤال: الفهم الصحيح لبرهان النظم
يقولون: إنّ هذا برهان مضادّ لبرهان النظم: هل الله له نظام معيّن، أم أنّه لا نظام له؟
إذا قلت: أنّه لا نظام له، فهذا يعني: أنّه فوضى؛ لأنّ اللا نظام هو: الفوضى، وإذا كان فوضى فكيف يخلق النظام؟ إذاً يثبت عندنا أنّه له نظام من نوع ما.
وهكذا وبنفس منهجك نقول: العالم له نظام, الله له نظام, العالم مصنوع, لذا الله مصنوع.
ما هو ردّكم؟
الجواب:

الأخ الميرزا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بدّ من فهم برهان النظم أوّلاً، وهو: إنّ عالم الطبيعة خاضع لنظام محدّد، وإنّ كلّ ما في الكون لا ينفكّ عن النظم والسُنن أو القوانين، وكلّ هذه القوانين أو السُنن لا بدّ لها من علّة تحقّقها وتكوّنها. وإنّنا من وراء هذا النظام لا نستدلّ على وجود المؤثّر فقط، بل نكتشف خصوصيات هذا المؤثّر، من عقله، وعلمه، وشعوره، أو تجرّده من تلك الكمالات.

وأمّا قولك: ((إنّ الله هل له نظام)).
فإن كنت تقصد: أنّ الله يصدر منه النظام للخلق، فهذا صحيح.

وأمّا إذا كنت تقصد: أنّ ذات الله بها نظام بمعنى أنّها مرتّبة من أجزاء متناسقة في أداءها، فهذا ما لا يصحّ قوله عنه جلّ وعلا... لأنّ الله ليس بمركّب في أجزاء، وإنّما يصحّ ذلك في المركّبات. فنحن نرفض هذه المقدّمة، وهي: كون أنّ الله له نظام، لا بمعنى: أنّه لا بدّ أن يكون فوضى، بل لأنّ هذا لا يصحّ إطلاقه عليه.
ولذا صار هناك اختلاف في الحدّ الأوسط في القياس، وذلك لأنّ المقدّمة الأولى تقول: إنّ الله يصدر منه النظام, والمقدّمة الثانية تقول: كلّ ما له نظام لا بدّ أن يكون مصنوعاً، فالحدّ الأوسط مختلف، فهناك المحمول: يصدر منه النظام، وهناك الموضوع: ما له نظام، ومع اختلاف الحدّ الأوسط فإنّ القياس يكون غير منتج.

وببيان آخر:
لا موضوع أصلاً لما يقولون؛ فالنظام لا يتعلّق إلاّ بالمركّبات، والله تبارك وتعالى فرد أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، وليس معنى ذلك أنّه فوضى؛ لأنّ النظام والفوضى متقابلان تقابل العدم والملكة، كما يقول علماء المنطق، فلا يصحّ فرض الفوضى إلاّ في محلّ يصحّ فيه فرض النظام؛ لأنّ الفوضى ليست إلاّ عدم النظام في ما من شأنه أن يكون منظماً، وهما كالعمى والبصر؛ فإنّ العمى ليس إلاّ عدم البصر في من شأنه أن يكون بصيراً، أمّا من لم يكن شأنه كذلك، كالحجر مثلاً، فلا يقال له: أعمى؛ لأنّه ليس له القابلية على ملكة البصر، والأعمى من له قابلية البصر لكنّه فاقد له.
وهكذا الباري عزّ وجلّ - مع الفارق العظيم - عزّ شأنه وتعالى مجده، فهو صرف الوجود وحقيقته، وهو بسيط الذات لا يتصوّر فيه التركيب بوجه إطلاقاً، وما لا يتصوّر فيه التركيب فكيف يصحّ أن يوصف بالنظام والفوضى؟!
بالإضافة إلى أنّ النظام والفوضى من خصائص الممكنات، والله تعالى عريّ عن الإمكان، وهو واجب الوجود بذاته، وهو من أجرى النظام في الكون بحكمته وعلمه وقدرته، فكيف يصحّ أن يجري عليه ما هو أجراه؟! تبارك وتعالى عمّا يقول الجاهلون علوّاً كبيراً.

والآن دعنا نحلّل القياس الذي زعموا أنّه دليل على كون الله عزّ وجلّ مصنوعاً.
1- يتألف من ثلاث مقدّمات، تلزم عنها نتيجة.
2- يعني ذلك أنّه مؤلّف من قياسين أُضمرت إحدى نتيجتيه.
3- النتيجة المضمرة إنّما أضمرت لأجل إخفاء بطلانها.

فقولهم: العالم له نظام.. الله له نظام.. ينتج عنه: أنّ (العالم هو الله).
وهي نتيجة باطلة، وذلك لأنّ المقدّمتين لم تتوفّر فيهما شروط الإنتاج الصحيح، فالقياس المذكور هو من الشكل الثاني؛ إذ أنّ الحدّ الأوسط وقع محمولاً في المقدّمتين، وهذا الشكل له شرطان: الأوّل: اختلاف المقدّمتين في الكيف، والثاني: كلّية الكبرى، وأنت ترى بأنّ كلا المقدّمتين موجبتان، وهما أيضاً مهملتان، والقضية المهملة في قوّة الجزئية. فضلاً عن أنّ المقدّمة الثانية خاطئة كما بيّنا آنفاً.
ولذلك لم يصرّحوا بالنتيجة الباطلة التي هي: (العالم هو الله) بل أضمروها. وهذه النتيجة المضمرة ضمّوا إليها مقدّمة أُخرى وهي: العالم مصنوع، هكذا.
العالم هو الله.. العالم مصنوع.. إذاً الله (سبحانه) مصنوع.
وهو على هيئة قياس من الشكل الثالث، حيث وقع الحد الأوسط موضوعاً في المقدّمتين، وهذا الشكل في سبيل أن يكون منتجاً لا بدّ أن يتوفّر فيه شرطان: الأوّل: إيجاب الصغرى، والثاني: كلّية إحدى المقدّمتين. وحيث أنّ المقدّمتين مهملتان، فلا تكون النتيجة صحيحة.

وفي الواقع، فإنّ الدليل المذكور هو تمثيل صيغ على هيئة قياس؛ إذ ينطلق من تشخيص حالة شبه مفترضة بين العالم وبين الله تعالى، وهي: أنّ كلّ منهما ذو نظام، ثمّ يرتب الأثر عليها، وهو: المصنوعية. وأنت خبير بأنّ التمثيل لا يصلح أن يكون دليلاً لإثبات المعارف الحقيقية اليقينية؛ لأنّه دليل ظنّي محتمل الخطأ؛ فتأمّل!
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال