الاسئلة و الأجوبة » الإمامة الخاصّة(إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)) » المراد من قوله تعالى: (( ثُمَّ اهتَدَى )) الاهتداء إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)


ياسر / مصر
السؤال: المراد من قوله تعالى: (( ثُمَّ اهتَدَى )) الاهتداء إلى ولاية أهل البيت(عليهم السلام)
أودّ أن أعرف تفسير هذه الآية: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) (طه:82)، وهل الاهتداء هنا معناه: الولاية لأهل البيت؟
وإن أمكن من كتبنا وكتب أهل السُنّة.
الجواب:

الأخ ياسر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال السيّد الطباطبائي في (تفسير الميزان):
قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، وعد بالرحمة المؤكّدة عقيب الوعيد الشديد، ولذا وصف نفسه بكثرة المغفرة؛ فقال: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ ))، ولم يقل: وأنا غافر أو سأغفر.
والتوبة، وهي: الرجوع، كما تكون عن المعصية إلى الطاعة، كذلك تكون من الشرك إلى التوحيد، والإيمان أيضاً كما يكون بالله، كذلك يكون بآيات الله من أنبيائه ورسله، وكلّ حكم جاؤوا به من عند الله تعالى، وقد كثر استعمال الإيمان في القرآن في كلّ من المعنيين، كما كثر استعمال التوبة في كلّ من المعنيين المذكورين..
وبنو إسرائيل كما تلبّسوا بمعاصي فسقوا بها، كذلك تلبّسوا بالشرك، كعبادة العجل، وعلى هذا، فلا موجب لصرف الكلام عن ظاهر إطلاقه في التوبة عن الشرك والمعصية جميعاً والإيمان بالله وآياته، وكذلك إطلاقه بالنسبة إلى التائبين والمؤمنين من بني إسرائيل وغيرهم، وإن كان بنو إسرائيل مورد الخطاب؛ فإنّ الصفات الإلهية، كالمغفرة، لا تختصّ بقوم دون قوم.
فمعنى الآية - والله أعلم -: وإنّي لكثير المغفرة لكلّ إنسان تاب وآمن، سواء تاب عن شرك أو عن معصية، وسواء آمن بي أو بآياتي من رسلي، أو ما جاؤوا به من أحكامي، بأن يندم على ما فعل، ويعمل عملاً صالحاً، بتبديل المخالفة والتمرّد في ما عصى فيه بالطاعة فيه، وهو المحقّق لأصل معنى الرجوع من شيء...

وأمّا قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى ))، فالاهتداء يقابل الضلال، كما يشهد به قوله تعالى: (( مَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا )) (الإسراء:15)، وقوله: (( لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهتَدَيتُم )) (المائدة:105)، فهل المراد: أن لا يضلّ في نفس ما تاب فيه بأن يعود إلى المعصية ثانياً، فيفيد: أنّ التوبة عن ذنب إنّما تنفع بالنسبة إلى ما اقترفه قبل التوبة ولا تكفى عنه لو عاد إليه ثانياً، أو المراد: أن لا يضلّ في غيره، فيفيد: أنّ المغفرة إنّما تنفعه بالنسبة إلى المعصية التي تاب عنها.
وبعبارة أُخرى: إنّما تنفعه نفعاً تامّاً إذا لم يضلّ في غيره من الأعمال، أو المراد: ما يعمّ المعنيين؟
ظاهر العطف بـ(ثمّ) أن يكون المراد هو المعنى الأوّل، فيفيد: معنى الثبات والاستقامة على التوبة، فيعود إلى اشتراط الإصلاح، الذي هو مذكور في عدّة من الآيات كقوله: (( إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعدِ ذَلِكَ وَأَصلَحُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) (آل عمران:89).

لكن يبقى على الآية بهذا المعنى أمران:
أحدهما: نكتة التعبير بـ(الغفّار) بصيغة المبالغة الدالّة على الكثرة، فما معنى كثرة مغفرته تعالى لمن اقترف ذنباً واحداً ثمّ تاب؟
وثانيهما: أنّ لازمها أن يكون من خالف حكماً من أحكامه كافراً به، وإن اعترف بأنّه من عند الله، وإنّما يعصيه اتّباعاً للهوى لا ردّاً للحكم.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الآية لاشتمالها على قوله: (( تَابَ وَآمَنَ )) إنّما تشمل المشرك أو الراد لحكم من أحكام الله، وهو كما ترى.
فيمكن أن يقال: إنّ المراد بالتوبة والإيمان: التوبة من الشرك والإيمان بالله، كما أنّ المعنيين هما المرادان في أغلب المواضع من كلامه التي ذكر التوبة والإيمان فيها معاً، وعلى هذا، كان المراد من قوله: (( وَعَمِلَ صَالِحاً )) . الطاعة لأحكامه تعالى بالائتمار لأوامره والانتهاء عن نواهيه، ويكون معنى الآية: أنّ من تاب من الشرك وآمن بالله وأتى بما كلّف به من أحكامه فإنّي كثير المغفرة لسيئاته، أغفر له زلّة بعد زلّة، فتكثر المغفرة لكثرة مواردها.
وقد ذكر تعالى نظير المعنى، وهو: مغفرة السيئات في قوله: (( إِن تَجتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم )) (النساء:31). فقوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً )) ينطبق على آية النساء ويبقى فيه شرط زائد يقيّد حكم المغفرة، وهو: مدلول قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى ))، وهو: الاهتداء إلى الطريق، ويظهر أنّ المغفرة إنّما يسمح بها للمؤمن العامل بالصالحات إذا قصد ذلك من طريقه ودخل عليه من بابه.
ولا نجد في كلامه تعالى ما يقيّد الإيمان بالله والعمل الصالح في تأثيره وقبوله عند الله إلاّ الإيمان بالرسول بمعنى التسليم له وطاعته في خطير الأُمور ويسيرها، وأخذ الدين عنه، وسلوك الطريق التي يخطّها، واتّباعه من غير استبداد وابتداع يؤول إلى اتّباع خطوات الشيطان، وبالجملة، ولايته على المؤمنين في دينهم ودنياهم؛ فقد شرّع الله تعالى ولايته وفرض طاعته، وأوجب الأخذ عنه، والتأسّي به في آيات كثيرة جدّاً لا حاجة إلى إيرادها ولا مجال لاستقصائها، فالنبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم.
وكان جُلّ بني إسرائيل على إيمانهم بالله سبحانه وتصديقهم رسالة موسى وهارون متوقّفين في ولايتهما أو كالمتوقّف، كما هو صريح عامّة قصصهم في كتاب الله، ولعلّ هذا هو الوجه في وقوع الآية - (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) - بعد نهيهم عن الطغيان وتخويفهم من غضب الله.

فقد تبيّن أنّ المراد بالاهتداء في الآية على ما يهدي إليه سائر الآيات هو: الإيمان بالرسول، باتّباعه في أمر الدين والدنيا، وبعبارة أُخرى هو: الاهتداء إلى ولايته.
وبذلك يظهر حال ما قيل في تفسير قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى )) ؛ فقد قيل: الاهتداء لزوم الإيمان والاستمرار عليه ما دامت الحياة. وقيل: أن لا يشكّ ثانياً في إيمانه. وقيل: الأخذ بسُنّة النبيّ وعدم سلوك سبيل البدعة. وقيل: الاهتداء هو أن يعلم أنّ لعمله ثواباً يُجزى عليه. وقيل: هو تطهير القلب من الأخلاق الذميمة. وقيل: هو حفظ العقيدة من أن تخالف الحقّ في شيء؛ فإنّ الاهتداء بهذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، والمطلوب على جميع هذه الأقوال تفسير الاهتداء بمعنى لا يرجع إلى الإيمان والعمل الصالح؛ غير أنّ الذي ذكروه لا دليل على شيء من ذلك(1).

وفي (تفسير نور الثقلين) للشيخ الحويزي ذكر بعض الروايات التي تشير إلى أنّ الهداية هي: الهداية إلى ولايتهم:
92- علي بن إبراهيم، عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، جميعاً عن أبي جميلة، عن خالد بن عمّار، عن سدير، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) وهو داخل وأنا خارج وأخذ بيدي، ثمّ استقبل البيت، فقال: (يا سدير! إنّما أمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها، ثمّ يأتونا فيعلمونا ولايتهم لنا، وهو قول الله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) )،.ثمّ أومأ بيده إلى صدره: (إلى ولايتنا...)، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
93- في تفسير علي بن إبراهيم: وقوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: إلى الولاية.
حدّثنا أحمد بن علي، قال: حدّثنا الحسين بن عبد الله، عن السندي بن محمّد، عن أبان، عن الحارث بن عمر، عن أبي جعفر(عليه السلام) في قوله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: (ألا ترى كيف اشترط ولم ينفعه التوبة والإيمان والعمل الصالح حتّى اهتدى، والله لو جهد أن يعمل ما قبل منه حتّى يهتدي). قال: قلت: إلى من جعلني الله فداك؟ قال: (إلينا).
94- في أمالي الصدوق(رحمه الله): بإسناده إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حديث طويل وفيه يقول لعليّ(عليه السلام): (ولقد ضلّ من ضلّ عنك، ولن يهتدي إلى الله من لم يهتد إليك والى ولايتك، وهو قول ربّي عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، يعني: إلى ولايتك).
95- في مجمع البيان: وقال أبو جعفر(عليه السلام): ثمّ (( اهتَدَى )) إلى ولايتنا أهل البيت، فوالله لو أنّ رجلا عبد الله عمره ما بين الركن والمقام ثمّ مات ولم يجئ بولايتنا، لأكبّه الله في النار على وجهه.، رواه الحاكم أبو القاسم الحسكاني بإسناده، وأورده العيّاشي في تفسيره بعدّة طرق.
96 - في تفسير العيّاشي: عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))، قال: (لهذه الآية تفسير يدلّ ذلك التفسير على أنّ الله لا يقبل من أحد عملاً إلاّ ممّن لقيه بالوفاء منه بذلك التفسير، وما اشترط فيه على المؤمنين، قال: (( إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ )) (النساء:17) يعني كلّ ذنب عمله العبد، وإن كان به عالماً فهو جاهل حين خاطر بنفسه في معصية ربّه).
97- في كتاب المناقب لابن شهرآشوب: أبو الجارود، وأبو الصباح الكناني عن الصادق(عليه السلام)، وأبو حمزة عن السجّاد(عليه السلام)، في قوله: (( ثُمَّ اهتَدَى )) : (إلينا أهل البيت).
98- في محاسن البرقي: عنه، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى في ما أعلم، عن يعقوب بن شعيب، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى ))؟ قال: (إلى ولايتنا والله، أما ترى كيف اشترط عزّ وجلّ؟)(2).

وفي (شرح إحقاق الحقّ) - للسيّد المرعشي:
(34) قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ))، فممّن ذكره: العلاّمة الهيتمي في الصواعق(ص 151 ط المحمّدية بمصر): قال ثابت البناني: اهتدى إلى ولاية أهل بيته(صلّى الله عليه وآله وسلّم). وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضاً.
(ومنهم) الشيخ سليمان القندوزي في ينابيع المودّة (ص110 ط إسلامبول): أخرج أبو نعيم الحافظ، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، عن عليّ(كرّم الله وجهه)، قال في هذه الآية: (اهتدى إلى ولايتنا).. وأخرج الحاكم الحديث بثلاثة طرق. وأخرج صاحب المناقب الحديث بأربعة طرق.
(ومنهم) العلاّمة السيّد أبو بكر العلوي الحضرمي في رشفة الصادي(ص27 ط الإعلامية بمصر): عن ثابت البناني(رضي الله عنه)، قال: (اهتدى إلى ولاية أهل البيت). وجاء ذلك عن أبي جعفر الباقر أيضاً(3).

وفي موضع آخر من (شرح إحقاق الحقّ) - للسيّد المرعشي، قال:
قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ))، قد تقدّم ما ورد في نزولها في شأنه(عليه السلام) في (ج3 ص550) عن جماعة من العامّة في كتبهم، ونستدرك النقل ها هنا عمن لم ننقل عنهم:
منهم: الحافظ أبو نعيم الفضل بن أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصفهاني، المتوفّى سنة 430هـ، في كتابه: (نزول القرآن)(مخطوط). روى بإسناد إلى عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، في قوله تعالى: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) : عن عليّ بن أبي طالب، قال: (إلى ولايتنا).
ومنهم: جمال الدين محمّد بن يوسف الزرندي الحنفي في (نظم درر السمطين)(ص86 ط مطبعة القضاء): روى عن ثبات بن البناني(رح) في قوله عزّ وجلّ: (( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى )) : (إلى ولاية أهل بيته(صلى الله عليه وسلم))، قال: وكذا جاء عن أبي جعفر أنّه قال: (ثمّ اهتدى إلى ولايتنا أهل البيت).
ومنهم: العلاّمة السيّد أبو بكر الحضرمي في (رشفة الصادي ص80 ط مصر)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نزول القرآن).
ومنهم: العلاّمة ابن المغازلي في (مناقبه)، على ما في (مناقب عبد الله الشافعي) (مخطوط)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نظم درر السمطين).
ومنهم: العلاّمة الهروي في (الأربعين حديثاً)(مخطوط)؛ روى عن ثابت البناني بعين ما تقدّم عن (نظم درر السمطين)(4).
ودمتم في رعاية الله

(1) تفسير الميزان 14: 187 - 190.
(2) تفسير نور الثقلين 3: 386 - 388 سورة طه.
(3) شرح إحقاق الحقّ 3: 550 - 551 (34) قوله تعالى: ((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ...)).
(4) شرح إحقاق الحقّ 14: 405 الآية الثامنة والسبعون: قوله تعالى: ((وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ...)).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال