الاسئلة و الأجوبة » ابن تيمية » إنكار ابن تيمية لوجود الحقيقة والمجاز في اللّغة العربية


علي عصام
السؤال: إنكار ابن تيمية لوجود الحقيقة والمجاز في اللّغة العربية
هل يصّح إنكار ابن تيمية لوجود الحقيقة والمجاز في اللّغة العربية؟
الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ ابن تيمية يُنَظّر؛ لأجل إضفاء صبغة علمية على ما زعمه من عدم وجود ما يحتاج إلى تأويل في القرآن, وضرورة حمل ألفاظه على ظواهرها، إلى إنكار المجاز في اللّغة العربية، وأنّه ليس فيها إلاّ الحقيقة؛ وعلى هذا فلا يوجد في الكتاب والسُنّة مجاز أصلاً!
يقول ابن تيمية: ((فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة, لم يتكلّم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان, ولا أحد من الأئمّة المشهورين في العلم, كمالك، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي، بل ولا تكلّم به أئمّة اللغة والنحو، كالخليل، وسيبويه، وابن عمرو بن العلاء، ونحوهم، وأوّل من عُرف أنّه تكلّم بلفظ (المجاز): أبو عبيدة معمر بن المثنّى...))(1).
ويقول: ((وتقسيم اللّغة إلى حقيقة ومجاز تقسيم مبتدع محدَث لم ينطق به السلف, والخلف فيه على قولين, وليس النزاع فيه لفظيّاً, بل يقال: نفس هذا التقسيم باطل، لا يتمّيز هذا عن هذا, ولهذا كان كلّ ما يذكرونه من الفروق تبيّن أنّها فروق باطلة... و قولهم: اللّفظ إن دلّ بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدلّ إلاّ معها فهو مجاز, فقد تبيّن بطلانه))(2).
ويقول: ((ثمّ يقال (ثانياً): هذا التقسيم لا حقيقة له, وليس لمن فرّق بينهما حدّ صحيح يمّيز به بين هذا وهذا, فعلم أنّ هذا التقسيم باطل, وهو تقسيم من لم يتصّور ما يقول، بل يتكلّم بلا علم, فهؤلاء مبتدعة في الشرع، مخالفون للعقل))(3).

والجواب: إنّ هذا رأي باطل بإجماع أهل اللّغة والأدب وغيرهم. بل لا يتمكّن ابن تيمية نفسه من الالتزام بهذا الرأي، ولذلك نراه يناقض نفسه؛ إذ يقول في كتابه: (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان): ((ولفظ (مع) جاءت في القرآن عامّة وخاصّة, فالعامّة في هذه الآية - أي قوله تعالى: (( وهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتم )) - وفي آية المجادلة: (( أَلَم تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ مَا يَكُونُ مِن نَجوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُم وَلاَ خَمسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُم وَلاَ أَدنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُم أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ )) (المجادلة:4)؛ فافتتح الكلام بالعلم، وختمه بالعلم. ولهذا قال ابن عبّاس، والضحّاك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل: هو معهم بعلمه.

وأمّا المعيّة الخاصّة، ففي قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُحسِنُونَ )) (النحل:128)، وقوله تعالى لموسى: (( إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى )) (طه:46)، وقوله تعالى: (( إِذ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، يعني: النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وأبا بكر الصديق(رضي الله عنه)؛ فهو مع موسى وهارون دون فرعون, ومع محمّد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه, ومع الذين اتّقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين.
فلو كان معنى المعيّة أنّه بذاته في كلّ مكان، تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى: أنّه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أُولئك.
وقوله تعالى: (( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرضِ إِلَهٌ )) (الزخرف:84)، أي: هو إله من في السماوات وإله من في الأرض، كما قال تعالى: (( وَلَهُ المَثَلُ الأَعلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ )) (الروم:27)، وكذلك قوله تعالى: (( وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرضِ )) (الأنعام:3)، كما فسّره أئمّة العلم، كالإمام أحمد وغيره: أنّه المعبود في السماوات والأرض))(4).

فما ذكره ابن تيميّة هنا من التفسير للمعيّة، ومن التفسير للظرفية بالمعنى الذي يدعيه، فيه إخراج للكلام عن مقتضى الظاهر، وإن لم يعترف هو بهذا الإخراج.
فقد خالف منهجه الظاهري في فهم القرآن اضطراراً؛ لأنّ الظاهر يتعارض هنا مع مذهبه هو، وإلاّ فلِمَ لَم يلتزم هنا ما التزمه في غير هذا الموضع؟! ولِمَ لَم يقل هنا ما قاله في آية: (( الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى )) (طه:5) مثلاً، أو العكس؟!
فما كان السبب في إنكاره المجاز، وهو: التمسّك بالظاهر، نقضه هنا بنفسه، وفسّر الآيات بغير معناها الظاهر..
بل إنّه لا ينقض منهجه فقط، بل ينقض ما قاله هو من كلام؛ فقد أنكر وجود التقسيم للحقيقة والمجاز في القرون الثلاثة، ولكنّه ينسب إلى جهم بن صفوان أنّه يقول: ((أنّ كلّ اسم تسمّى به المخلوق لا يسمّى به الخالق إلاّ مجازاً، حتى لفظ الشيء))(5)، وأنّه: ((كان ينكر أسماء الله تعالى، فلا يسمّيه شيئاً ولا حيّاً ولا غير ذلك إلاّ على سبيل المجاز، قال: لأنّه إذا سمّي باسم تسمّى به المخلوق كان تشبيهاً))(6).
والجهم بن صفوان قتله الأُمويون في سنة 128هـ(7).
وهذا الجاحظ وهو من القرون الثلاثة، إذ توفّى (255هـ)، يقول في كتاب (الحيوان): ((وباب آخر: وهو قول الله عزّ وجلّ: (( إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلماً )) (النساء:10)، وقوله تعالى عزّ اسمه: (( أَكَّالُونَ لِلسُّحتِ )) (المائدة:42)، وقد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة ولبسوا الحلل وركبوا الدواب، ولم ينفقوا منها درهماً واحداً في سبيل الأكل، وقد قال الله عزّ وجلّ: (( إِنَّمَا يَأكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَاراً )) (النساء:5)، وهذا أيضاً مجاز آخر))، ثمّ ذكر أمثلة كثيرة من شعر وكلام العرب، وقال: ((فهذا كلّه مختلف، وهو كلّه مجاز))(8).
ودمتم في رعاية الله

(1) الإيمان: 84 بحث عام في الحقيقة والمجاز، تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز بعد القرون الثلاثة، مجموعة الفتاوى 7: 88، كتاب الإيمان الكبير، فصل: في جواب من قال: ما ذكر من تنوّع اللفظ بالإطلاق والتقييد.
(2) الإيمان: 109 بحث عام في الحقيقة والمجاز، من الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز (واسأل القرية)، مجموعة الفتاوى 7: 113 ــ 114، كتاب الإيمان الكبير، أمثلة لمن يثبت المجاز في القرآن.
(3) الإيمان: 92 بحث عام في الحقيقة والمجاز، بطلان تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، مجموعة الفتاوى 7: 96، كتاب الإيمان الكبير، فصل: في جواب من قال: ما ذكر من تنوّع اللفظ بالإطلاق والتقييد.
(4) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: 131 ــ 132 فصل: في أنّ الأنبياء أفضل من الأولياء، مجموع الفتاوى 11: 249 الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فصل: في أنّ الأنبياء أفضل من الأولياء.
(5) مجموعة الفتاوى 20: 441 الحقيقة والمجاز، فصل: في إنّ الأسماء مثل لفظ الظهر والمتن والساق والكبد لا يجوز أن تستعمل إلاّ مقرونة بما يبين المضاف إليه.
(6) مجموعة الفتاوى 12: 311، فصل، قال تعالى: (( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ... )) الآية.
(7) تاريخ الطبري 6: 6 حوادث سنة 128هـ.
(8) كتاب الحيوان 5: 192 باب: (( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً )).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال