الاسئلة و الأجوبة » الخلفاء » جزع الشيخين عند وفاتهما ليس مصداق للخوف من الله


ابو جعفر / سوريا
السؤال: جزع الشيخين عند وفاتهما ليس مصداق للخوف من الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في إحدى المناقشات على الشيخين وأنهما كانا يدعوان بالويل والثبور على نفسيهما
فكان رد المخالفين كما يلي :

*************************

الوجه الأول:
أن هذه الآثار المذكورة تدل على شدة خوف الشيخين من الله تعالى وتعظيمهما لربهما، وهذا من كمال فضلهما وعلو شأنهما في الدين،ولا يعني انهما قاما بجرم ليخافا ولذا أثني الله في كتابه على عباده الخائفين منه المشفقين من عذابه في آيات كثيرة كقوله تعالى: (( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى )) (النازعات:40-41) وقال تعالى: (( ولمن خاف مقام ربه جنتان )) (الرحمن:46). وقال تعالى: (( الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون )) (الأنبياء:49). وقال تعالى في وصف المؤمنين: (( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار )) (النور:37) وقال في وصفهم: (( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب )) (الرعد:21).
والآيات في هذا كثيرة، وهي تدل على أن الخوف من الله من صفات المؤمنين التي أثنى الله بها عليهم، وأحبها منهم، ورتب على ذلك سعادتهم ونجاتهم في الآخرة بخوفهم منه في الدنيا. والشيخان ماقالا الذي قالا إلا لتحقيقهما أعلى مقامات الخوف من الله الذي استحقابه ذلك الفضل العظيم عند الله تعالى وسبقا به غيرهما من الأمة فكانا أفضل هذه الأمة بعد نبيها (صلى الله عليه وسلم).

الوجه الثاني:
أن حملك شدة خوف الشيخين على مخالفتهما ومعصيتهما، بايمائك لذلك وأنهما لولا ذلك ما حصل لهما هذا، فإنه من المعلوم أن الخوف والخشية من لوازم العلم، كما قال تعالى: (( إنما يخشى الله من عباده العلماءُ ))(فاطر:28)، وكل ماقوي ذلك العلم قويت الخشية في نفس العبد، ولذا قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)(1)، وهذا كله يورث الإستقامة على الطاعة، وحسن العبادة، والانقطاع إلى الله تعالى، قال تعالى: (( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار )) (النور:37)، وقال - عز وجل -: (( تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون )) (السجدة:16)، فَوَصف الله عباده بالخوف والعبادة دليل تلازمهما وبعكس هذا عدم الخوف فإنه مصاحب للتفريط وترك العمل، قال تعالى في وصف الكفار: (( ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين )) (المدثر:42-46)، إلى أن قال: (( كلا بل لا يخافون الآخرة )) (المدثر:53)، فوصفهم بعدم العمل وعدم الخوف.

الوجه الثالث:
أن الله تعالى أخبر عن مريم -عليها السلام- بنظير ما ثبت عن أبي بكر، وعمر في قوله: (( قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً )). (مريم:23) ... قال ابن عباس في معنى نسياً منسياً أي: (لم أُخلق ولم أك شيئاً).
وقال قتادة أي: (شيئاً لا يُعرف ولا يُذكر). ... وقال الربيع بن أنس هو: (السَّقط)(2) ... وثبت عن علي (رضي الله عنه) أنه قال يوم الجمل لابنه الحسن: (ياحسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة)(3)
كما ثبت عن أبي ذر قوله: (والله لوددت أني شجرة تعضد)، ان الخوف من الله من أخص صفات المؤمنين الراسخة في قلوبهم، التي لا ترتفع بشيء ولايستطيعون دفعها، بل كلما ازداد العبد إيماناً وعلماً وطاعة لله ازداد خوفاً، ولهذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أخشى الأمة لله كما أخبر بذلك عن نفسه وأقسم عليه في قوله: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له)(4)، وهكذا حال أنبياء الله كما أخبر الله عنهم في قوله: (( أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل  وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً )) (مريم:58) فإذا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أعظم خشية لله من الشيخين وسائر الأمة،  وكذلك أنبياء الله هم أعظم خشية لله منهما بلاشك، فأي لوم عليهما في ذلك، وإذا كنت ترى أن الواجب على المؤمن أن لا يخاف لأنه مبشر من الله بالجنة، ويقدح في الشيخين-رضي الله عنهما- بالخوف، فإن أولى الناس بعدم الخوف لو كان ما ادعاه صحيحاً هم رسل الله الذين اصطفاهم الله برسالته، ووعدهم بأعلى الدرجات  في الجنة.
فهل هؤلاء مذمومون بهذا؟ فإن لم يكونوا مذمومين فلم القدح في الشيخين بمثل ما ثبت عن هؤلاء؟

الوجه الرابع:
أنه ظاهر أن الحامل للشيخين على ما قالا هو شدة خوفهما من الله، والخوف من الله من الصفات الفاضلة الممدوح بها باتفاق العقلاء،كما ذكرت كما أن عدم الخوف من الله من الصفات الرذيلة المذموم بها عند العقلاء، ولهذا يصف الناس من أرادوا مدحه بقولهم: (فلان يخاف الله) ويصفون من أرادوا ذمه بعكس
ذلك فيقولون: (فلان لا يخاف الله) فتبين أن ذمك للشيخين بخوف الله، معارض بالشرع والعقل، بل إنه غاية في العجب عند أهل العقول والنظر.

وفي نهاية البحث
وبعد هذا فقد ورد عن سيدنا علي في كتبكم مثل قول سيدنا ابو بكر وعمر حتى تمنى ان امه لم تلده فماذا تقول انظر الى مصادرك فقد روى الشيعة ما يشابهه عن علي أنه كان يقول (( يا ليتني لم تلدني أمي، ويا ليت السباع مزقت لحمي، ولم أسمع بذكر النار. ثم وضع يده على رأسه وجعل يبكي )) (بحار الأنوار8/203 و43/88 الدروع الواقية ص276 لابن طاووس الحسني). فإن يك  في هذا طعن في أبي بكر وعمر فليزم أن يكون طعنا في علي رضي الله عنه أيضا حاشاه والصحابة الكرام من ذلك .

(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 4/623، وقال صحيح الإسناد على شرط  الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. انظر: التلخيص مع المستدرك.
(2) تفسير الطبري 8/325-326.
(3) البداية والنهاية: ج3 ص240.
(4) أخرجه البخاري في: (كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح) فتح  الباري  9/104، ح 5063، ومسلم: (كتاب النكاح، باب استحباب النكاح)  2/1020، ح1401.

*************************

أفيدوني جزاكم الله كل خير

الجواب:

الأخ أبا جعفر المحترم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

1- إن الخوف غير الجزع في هذا المقام وأن كان الجزع أعلى رتبة من الخوف مطلقاً، ولكن الخوف الممدوح من الإنسان مقابل خالقه هو الخوف الممتزج بالرجاء أي الخوف من الضرر المحتمل والمظنون الذي لا يجتمع مع اليأس ولا يتنافى مع الرجاء، وأما إذا وصل إلى حد اليأس فأن اليأس من رحمة الله مذموم ورد فيه السخط من الله.
وأما الجزع فهو الخوف الشديد من الوقوع القطعي في المحذور، فان الإنسان لا يجزع إلا إذا خاف المحذور قطعاً لا ظناً،وبالتالي يصاحبه اليأس المذموم المخرج من رحمة الله.
وما وقع من الشيخين جزع على معاصي قطعية يعلموا علم اليقين بمخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها وبالتالي تيقنوا من عصيان الله سبحانه وتعالى ولذا انعكس يأسهم من رحمة الله على أقوالهم عند الموت.

2- إن الخوف الممدوح هذا المصاحب للتوبة أو المسبوق بها في وقت يسع فيه للتوبة ولا يفيد هذا الخوف مع التوبة في وقت نزول الموت واليأس من الحياة، فإن التوبة لا تقبل في هذه الحالة حتى لو قلنا بتحقق الخوف فعلا ً,مضافاً إلى أن التوبة مشروطة بإرجاع حقوق الناس وهذا ما لم يحصل لهما لأنهما لم يرجعا حق علي (عليه السلام) ولا حق فاطمة (عليها السلام) وماتت وهي غاضبة عليهما، قال تعالى: (( إِنَّمَا التَّوبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيهِم وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيسَتِ التَّوبَةُ لِلَّذِينَ يَعمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوتُ أَحَدَهُمُ المَوتُ قَالَ إِنِّي تُبتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُم كُفَّارٌ أُولَـئِكَ أَعتَدنَا لَهُم عَذَاباً أَلِيماً )) (النساء:17-18).

3- إن الخوف الذي يكشف عن فضل وعلو رتبة الخائف من الله هو الخوف الذي يصبح سجية للمؤمن في فترة طويلة من حياته كما نقله هذا المستشكل عن أبي ذر وغيره، فأنه كان يعرب عن خوفه وهو في مستقبل حياته لا على فراش الموت وذلك يظهر مما ينقل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أدعيته من خوفه ورجاءه ولما وصل إلى الشهادة قال: (فزت ورب الكعبة)،وأيضاً مما ينقل عن كثير من الصحابة والتابعين والعلماء.
وإلا لكان خوف فرعون عند الغرق مفيداً له مع أن القرآن ينص على عدم قبول إيمانه وتوبته في هذه اللحظة فالأمر فيهما كمثل الأمر في فرعون.

4- وعجباً من هذا القائل ((ولا يعني أنهما قاما بجرم ليخافا))!! مع أن الكلمات المنقولة عنهما نفسيهما على فراش الموت يصرحان ويعترفان فيها بالمخالفة والمعصية، ويظهران الجزع من ذلك ويتمنيان إن لم يوجدا أصلاً في الحياة حتى إلا تأخذا بما جنت يداهما،فراجع كلماتهما تعرف.

5- وكل الآيات التي استدل بها على حسن الخوف إنما تدل على كون الخوف سجية مستمرة عند المؤمنين لا عند الموت،وإن هذا الخوف المستمر الممزوج بالرجاء برحمة الله من صفات المؤمنين عكس الخوف والتوبة إذا حضر الموت فإنها من صفات الكافرين.
ولذا قرن الله سنة الخوف مع العلم وأن الخوف الحقيقي عند العلماء، وقرن الجزع في آخر الحياة مع الكافرين.

6- وما ذكره عن مريم (عليها السلام) فأن خوفها لم يكن من معصية ومخالفة لأمر الله ـ أعوذ بالله ـ كيف وهي من المصطفين المعصومين وإنما كان خوفاً من هول ما وقع بها وما سيقع عليها من بني إسرائيل،وأين هذا من جزع الشيخين على فراش الموت وتيقنهما بالعذاب؟!.

7- وأما ما أورده عن علي (عليه السلام)،فهو كلام مختلق مكذوب يروونه هم حفاظاً لمقام عائشة وتستراً على خروجها لحرب إمامها فيجعلون علياً (عليه السلام) نادماً على قتالها، وهو لا حجة فيه علينا.

8- مع أنه صدق في قوله: ((إن الخوف من الله من أخص صفات المؤمنين الراسخة في قلوبهم التي لا ترتفع بشيء ولا يستطيعون دفعها)) فهذا ما نقوله، ولكن أين مصداقه عند الشيخين في طوال حياتهما؟ ونحن نطالبهم بالشواهد على ما يدعون في طيلة حياتهما.

9- وهو صادق أيضاً في قوله: ((يصف الناس من أراد مدحه بقولهم: فلان يخاف الله)) مع أن مقصود الناس واضح للكل أنه يخاف الله في زمن معتد به من حياته، وأن الناس أنفسهم يذمون ويستهزئون بمن أعلن التوبة وأظهر الخوف على فراش الموت بعد اليأس من الحياة ومباهجها وهذا عرف الناس ببابك فاسألهم.
وهذا الكلام مصداق ما نقوله ونقله هو أيضاً عن علي (عليه السلام) من خوفه وخشيته من الله عندما يسمع ذكر النار.
وهذا المستشكل أشتبه عليه الأمر، فظن أننا نشنع على شيخيه بمطلق الخوف فحاول أن يجيب بأنه صفة ممدوحة عند المؤمنين ونقض بنقل الخوف عن أمير المؤمنين (عليه السلام), وفات عليه أننا نذمهما ونشنع عليهما بالخوف والجزع على فراش الموت لقطعهما بالخسران فأن هذا النوع من الخوف هو المذموم وأين هو من خوف المؤمنين والعلماء والأنبياء طوال حياتهم من خشية الله؟
مع أنّ هذه التفرقة من المفاهيم التي ذكرها الله سبحانه في كتابه وأصبحت مركوزة في عقول المسلمين لا ينكرها أحد ويعتبرون الخوف الأول من علامات المؤمن،والخوف الثاني من علامات الكافر،ولكن ماذا نقول لمن يردون القرآن دفاع أن شيوخهم.
ودمتم في رعاية الله


احمد امر الله / البحرين
تعليق على الجواب (1)
السلام عليكم
قلتم في إجابتكم المشكور عليها : (( وما ذكره عن مريم (عليها السلام) فأن خوفها لم يكن من معصية ومخالفة لأمر الله - أعوذ بالله - كيف وهي من المصطفين المعصومين وإنما كان خوفاً من هول ما وقع بها وما سيقع عليها من بني إسرائيل،وأين هذا من جزع الشيخين على فراش الموت وتيقنهما بالعذاب؟!.))
- هل كان خوفها على شدة البلاء والولادة؟
- هل يعد ذلك جزعا أو نقص إيمان بالله عزوجل، فلو كان الإيمان كبيرا لصبرت وما قالت أنها تريد الموت ولم تشهد هذه اللحظة الصعبة ( الولادة )؟
- ما الدليل على أنها عليها السلام أنها لم تجزع لتلك اللحظة الصعبة؟
- ما الدليل على أنها قالت ذلك القول (( نسياً منسياً )) خوفاً من أذى بني إسرائيل؟
وحاشا لمريم نقص الإيمان، ولكن ليطمئن قلبي
وفقكم الله
الجواب:
الأخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا يقال للحزن الشديد الذي اصاب مريم جزع لان الحزن لا يسمى لوحده جزعا وانما يصير جزعا اذا صدر منها فعل من الافعال غير الحزن يدل على الجزع ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله) عندما مات ابنه ابراهيم (ان العين لتدمع وان القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب وانا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون).
وقلنا ان خوفها كان من هول ما وقع بها فان المرأة بهذه الحالة تحتاج من يساعدها على وضعها وهي في مكان قصي خال من المعين والمساعد فهذا كله يجعلها تعيش حالة الخوف بالاضافة إلى خوفها من التهم التي ستتوجه اليها جراء انجاب هذا المولود.
ودمتم برعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال