×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أدوات الخط: تكبير افتراضي تصغير

الأدراسة سُنّة أم شيعة؟


السؤال / حسين علي / الكويت
في سؤال وجهته لسماحتكم بشأن إدريس بن عبد الله الذي نجا من واقعة فخ... طلبوا منّي مصدراً يقول بأنّه يتّبع المذهب المالكي.
حيث يقول الكاتب: 

*************************

مذهب الدولة الإدريسية ودوره في توحيد الربوع المغربية، إذا كان الشائع في بعض الدراسات التاريخية أن تعد الدولة الإدريسية دولة شيعية، على أساس أنّ مؤسّسيها وأئمّتها كانوا من أهل البيت، فمن الثابت تاريخياً أنّ الأدارسة كانوا أهل سُنّة وجماعة. حيث تروي الكتب التاريخية روايات عن الإمام إدريس الأكبر تصبّ في هذا الاتجاه، فيروى عنه أنّه قال مشيراً إلى مالك: نحن أحقّ باتّباع مذهبه وقراءة كتابه، يعني: الموطأ، وأمر بذلك في جميع معاقله. ولم يعرف الأدارسة في بلادهم غير المذهب المالكي، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار مختلف الروايات التي تؤكّد أنّ المذهب المالكي قد دخل المغرب في هذا العهد، وقبله كان دخول كتاب الموطأ.

*************************
الجواب
الأخ حسين المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
إنّ هذا الكلام مستل من مقال منشور على صفحات الأنترنيت في عدّة مواقع، يصر كاتبه على أنّ المذهب الفقهي للدولة الإدريسية هو المذهب المالكي، وأنّ الأدارسة هم أوّل من أدخل هذا المذهب إلى المغرب العربي، فأصبح المذهب السائد في ربوعه من ذلك الوقت إلى الآن، بل يدّعي أنّ الأدارسة كانوا من أهل السُنّة والجماعة ودولتهم دولة سُنّية.
والانطباع الأوّل المتبادر عن هذا المقال، هو أنّه موجّه وجه مذهبية، وأنّ كاتبه مدفوع من خلفية مذهبية.
فمع أنّه أقرّ كما هو صريح كلامه أنّ الشائع في الدراسات التاريخية أنّ الدولة الإدريسية كانت دولة شيعية - ونحن نضيف: إنّ المؤرّخين نصّوا على أنّ أوّل دولة شيعية في المغرب كانت دولة الأدارسة، إذ تأسست وبسطت نفوذها على المغرب في أواخر القرن الثاني الهجري - ولكنّه ادّعى في قبال ذلك أنّ الأدارسة كانوا أهل سُنّة وجماعة، وهو ادّعاء لم يأت عليه بدليل ثابت مقبول من النصوص التاريخية المعتمدة المعول عليها في مثل هذه الأُمور.

نعم، ذكر بصورة مرسلة أنّ الكتب التاريخية تروي عن الإمام إدريس الأكبر أنّه قال عن مالك: ((نحن أحقّ باتباع مذهبه وقراءة كتابه))، ولكن مثل هكذا إرسال في الدعاوى لا يحقّق علماً ولا يثبت حقائق، مع أنّ النصّ أورده عبد الحيّ الكتاني (ت1382هـ) في كتابه (التراتيب الإدارية)(1)، ونسبه إلى كتاب (كنز الأسرار ومعدن الأبرار) المطبوع باسم (زهرة الأخبار في تعريف أنساب آل بيت النبيّ المختار)، ولا يوجد فيه على ما استقصيناه، مع ما موجود فيه من خبط وخلط في التواريخ والسير والنقل بما لا يمكن الاعتماد عليه، فضلاً عن الاختلاف في تعيّن مؤلّفه المسمّى أحمد بن محمّد بن عبد الله الكلبي التلمساني المقري(2)، ومثل هذه النسبة في الدعوى تظهر أنّها نشأت متأخّرة بقرون كثيرة، فالتمسك بها والدفاع عنها لم يكن له منشأ علمي يخرجه عن المذهبية.

وهناك نصّ تاريخي يقطع هذا الجدل، وهو ما أخبر به أبو الحسن الأشعري (ت324هـ) في (مقالات الإسلاميين) عند ذكره فرق الإمامية الرافضة، قال: ((والتشيّع غالب على أهل قم، وبلاد إدريس بن إدريس وهي طنجة وما والاها، والكوفة))(3).
وهذا الإخبار له أهمية بالغة؛ من حيث معاصرة قائله لأواخر حكام الدولة الإدريسية في وقته، وهم من أحفاد إدريس بن عبد الله(رحمه الله)، وبعد مضي حوالي مئة وخمسون سنة على قيام هذه الدولة، وأنّ بلادها حتّى وقته كانت تنتحل التشيع وسمّاها: بلاد إدريس بن إدريس، بما يقطع أي مجال لمن يحاول التشكيك، ثمّ إنّه أدخلهم في فرقة الشيعة الإمامية التي يسمّيها (الرافضة)، حيث ذكرهم تحت عنوانها من بين أصناف الشيعة الثلاثة الذين ذكرهم، ثمّ خصّهم بالطائفة المعروفة بالاثنى عشرية، إذ عدهم مع شيعة قم والكوفة، وهم معروفون باثني عشريتهم.

وبالمقابل فإنّ ابن خلدون يقرّ بأنّ ظهور التشيّع في المغرب كان في زمان إدريس الأوّل وابنه إدريس الثاني، فقد قال في مقدّمته في سياق ذكره لمحاولة العبّاسيين القضاء على الدولة الإدريسية باغتيال إدريس الأوّل: ((ووقع خبر مهلكه من بني العبّاس أحسن المواقع؛ لما رجوه من قطع أسباب الدعوة العلوية بالمغرب واقتلاع جرثومتها، ولمّا تأدّى إليهم خبر الحمل المخلف لإدريس، فلم يكن لهم إلّا وكلا ولا، وإذا بالدعوة قد عادت والشيعة بالمغرب قد ظهرت ودولتهم بإدريس بن إدريس قد تجدّدت...))(4).
وبه يتحقّق بأنّ دعاوى المتأخّرين بمالكية الدولة الإدريسية، وأنّ الأدارسة كانوا من أهل السُنّة والجماعة هواء في شبك.
خاصّة وأنّ نماذج من السكّة التي ضُربت من زمن إدريس الثاني إلى من بعده، نُقشَ على وجهها اسم عليّ (عليه السلام)(5)، وهو دليل مادّي على شيعية الدولة.

ثمّ إنّ دخول المذهب المالكي إلى بلاد المغرب في ذلك الوقت - لو سلّمنا بصحّته، فإنّ المعروف أنّه دخل المغرب في بدايات القرن الرابع - فإنّه لا يدلّ على أنّ الأدارسة من أتباع ذلك المذهب، بل يدلّ على وجود اتجاهين فكريين: أحدهما المذهب المالكي في بدايات انتشاره، والثاني مذهب الدولة الإدريسية الشيعي السائد(6).
ودمتم في رعاية الله
(1) التراتيب الإدارية أو نظام الحكومة النبوية 1: 8 القسم الأول.
(2) انظر: دليل مؤرخ المغرب، لعبد السلام بن سودة: 68 (348) القسم الثاني، أعلام المغرب العربي، لعبد الوهاب بن منصور 5: 369 (1552)، أحمد بن محمّد المقري القرشي.
(3) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين، لأبي الحسن الأشعري: 64 ذكر البلاد الغالب عليها التشيع.
(4) تاريخ ابن خلدون المقدّمة 1: 24 فصل.
(5) انظر: المغرب عبر التاريخ 1: 112 - 113 الأدارسة، الحضارة في عهد الأدارسة.
(6) للمزيد انظر: المغرب عبر التاريخ 1: 114الأدارسة، مذهب الدولة.