الاسئلة و الأجوبة » الكتب » كتاب مصباح الشريعة


حسين علي قريّاني / لبنان
السؤال: كتاب مصباح الشريعة
من الكتب المنسوبة لمولانا الإمام الصادق (عليه السلام) (مصباح الشريعة و مقتاح الحقيقة) إلّا انّ بعض كبار مشايخنا (رض) يشكّكون بصحّة هذا النسب و من أبرزهم العلّامة المجلسي و الحرّ العاملي ويقول بعضهم أنّ فيه ما يخالف ألإجماع ويناقض المبادىء  المشهورة, فما صحّة هذا النّسب, و ما الّذي (تحديدا) اعترض عليه المجلسي, نرجو منكم جوابا لن نضل بعده أبدا في هذا الموضوع, وشكرا
الجواب:

الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نذكر لك تلخيص ما ذكره الميرزا النوري في خاتمه المستدرك ج1 ص194 في كلامه عن كتاب مصباح الشريعة ففيه الإجابة على سؤالك:
أن ممن نسب الكتاب للإمام الصادق (عليه السلام) السيد رضي الدين ابن طاووس وقال عنه أنه كتاب لطيف شريف في التعريف بالتسليك إلى الله جل جلاله والإقبال عليه والظفر بالاسرار التي اشتملت عليه.
وممن نسبه أيضاً الشيخ إبراهيم الكفعمي وكذلك شيخ الفقهاء الشهيد الثاني فإنه اعتمد عليه غاية الأعتماد ونسب ما فيه إلى الصادق عليه السلام من غير تردد وارتياب .
وممن نسبه للإمام السيد حسين القزويني حيث قال: ومصباح الشريعة المنسوب إليه (يعني الصادق عليه السلام) : شهادة الشهيد الثاني والسيد ابن طاووس والفاضل العارف مولانا محسن القاساني وغيرهم فلا وجه لتشكيك بعض المتأخرين بعد ذلك.

ونقل الميرزا النوري كلام العلامة المجلسي في البحار حيث قال: وكتاب مصباح الشريعة فيه بعض ما يريب اللبيب الماهر واسلوبه لا يشبه سائر كلمات الأئمة عليهم السلام سوآثارهم وروى الشيخ في مجالسه بعض أخباره هكذا: أخبرنا جماعة عن أبي المفضل الشيباني بإسناده عن شقيق البلخي عمن أخبره من أهل العلم. وهذا يدل على أنه كان عند الشيخ ـ رحمه الله ـ وفي عصره وكان يأخذ منه ولكن لا يثق به كل الوثوق ولم يثبت عنده كونه مروياً عن الصادق عليه السلام وان سنده ينتهي إلى الصوفية ولذا اشتمل على كثير من اصطلاحاتهم وعلى الرواية من مشايخهم ومن يعتمدون عليه في رواياتهم والله يعلم انتهى.

وبدأ الميرزا الرد على كلام المجلسي فقال: قلت: أما مغايرة الأسلوب فغير مضِّر وسنشير إن شاء الله إلى وجهه,واما قوله وروى الشيخ بعض أخباره .. الخ فرع عليه وجود الكتاب عنده وعدم اعتماده عليه فهو في غاية الغرابة سيما من مثله إذ ليس فيه إلا حديث واحد غير مأخوذ من هذا الكتاب يقيناً ثم ذكر الميرزا النوري الخبرين من المصباح والمجالس وقال بعد ذلك: وأنت خبير بما بين الخبرين من الطول والاختصار ولو كان ما في الأول أطول لامكن احتمال أن يكون الثاني مختصراً منه وأما العكس فغير متصور مع أن في المقدار المتفق منهما من الاختلاف ما لا يحتمل أن يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر ثم من أين علم أن الشيخ أخرج الخبر عنه ؟ فلعله أخرجه من كتب بعض من ذكر في رجال السند كما تم الأصم وشقيق البلخي وغيرهما والتعبير عنه (عليه السلام) بقوله: عمن أخبره من أهل العلم منه كما هو الظاهر لامن الشيخ بل هذا غير معهود منه ومن غيره من المصنفين فإنهم إذا أخرجوا خبراً من كتاب ماكانوا ليغيروا بعض ما في سنده أو متنه إلا أن يقع منهم سهو فيهما.

ثم أن الذي يستظهر من العلماء من التأمل في الكتاب أن ما نسب إليه هو ما صدر به الأبواب بقوله: قال الصادق (عليه السلام) وما فيه من الرواية ونقل الأثار من الجامع الذي كان يملي عليه فلو اغمضنا من جميع ما ذكرنا به مالذي أخرجه الشيخ من كلام الجامع والتعبير عنه بما عبره لا يدل على عدم الوثوق الذي استظهره ولكن الظاهر من الشهيد في مسكن الفؤاد بل صريحه كونه كله منه عليه السلام فلاحظ.
وممن نسب الكتاب إلى الإمام الصادق الشيخ ابن أبي جمهور الأحسائي وفي رياض العلماء ذكر من الكتب المجهولة كتاب مصباح الشريعة وقال عنه كتاب معروف متداول وقد ينسب إلى هشام بن الحكم على ما رأيت بخط بعض الأفاضل وهو خطأ.

أما أولا : فلانه قد اشتمل على الرواية عن جماعة, هم متأخرون عن هشام .
وأما ثانيا : فلانه يحتوي على مضامين تنادي عل أنه ليس من مؤلفاته, بل هو من مؤلفات بعض الصوفية كما لا يخفى . لكن وصى به ابن طاووس, انتهى . وقال شيخنا الحر رحمه الله في آخر كتاب الهداية : تتمة, قد وصل إلينا أيضا كتب كثيرة, قد ألفت وجمعت في زمانهم عليهم السلام, نذكرها هاهنا, وهي ثلاثة أقسام - إلى أن قال رحمه الله
الثالث : ما ثبت عندنا كونه غير معتمد, فلذا لم ننقل منه, فمن ذلك كتاب مصباح الشريعة المنسوب إلى الصادق عليه السلام, فان سنده لم يثبت, وفيه أشياء منكرة مخالفة للمتواترات, وربما نسب تأليفه إلى الشيخ زين الدين, وهذه النسبة باطلة لأنه مذكور في أمان الاخطار لابن طاووس قدس سره . إنتهى .

ثم ذكر الميرزا النوري ان للصوفية مقصدان هما تهذيب النفس والوصول الى مقامات من الوصول والاتحاد والفناءوالتي قال عنها ان هل الشرع والدين فضلا عن العلماء الراسخين حاشا ان يميلوا اليها او ياملونه او يتفوهون به واغلب ما ورد في ذم الجماعة ناظر الى هذه الدعوى ومدعيها.
وأما تهذيب النفس فقد عرفت مشاركتهم فيه, وإن فارقوا القوم في بعض الطرق, وحيث أنهم بلغوا الغاية فيما ألقوه في هذا المقام, والحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها, ترى مشايخنا العظام, والفقهاء الكرام كثيرا ما يراجعون إليه, وينقلون عنه, ويشهدون بحقيته, ويأمرون بالأخذ به, فصار ذلك سببا للطعن عليهم, ونسبتهم إلى الصوفية, أو ميلهم إلى المتصوفة, ظنا منهم الملازمة بين المقصدين, وإن من يحض على تهذيب النفس, وتطهير القلب, ويستشهد في بعض المقامات, أو تفسير بعض الآيات بكلمات بعضهم, مما يؤيده أخبار كثيرة, فهو منهم ومعهم في جميع دعاويهم .
وهذا من قصور الباع, وجمود النظر, وقلة التدبر في مزايا الكتاب والسنة .
وآل أمرهم إلى أن نسبوا مثل الشيخ الجليل, ترجمان المفسرين أبي الفتوح الرازي, وصاحب الكرامات علي بن طاووس, وشيخ الفقهاء الشهيد الثاني (قدس الله أرواحهم) إلى الميل إلى التصوف كما رأيناه, وهذه رزية جليلة, ومصيبة عظيمة لا بد من الاسترجاع عندها .

نعم يمكن أن يقال لهم تأدبا لا إيرادا, إن فيما ورد عن أهل بيت العصمة سلام الله عليهم غنى ومندوحة عن الرجوع إلى زبرهم وملفقاتهم ومواعظهم, فإنك إن غمرت في تيار بحار الاخبار, لا تجد حقا صدر منهم إلا وفيها ما يشير إليه, بل رأينا كثيرا من الكلمات التي تنسب إليهم, هي مما سرقوها من معادن الحكمة, ونسبوها إلى أنفسهم, أو مشايخهم .
الى ان قال:إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى ما في كلمات هؤلاء المشايخ العظام فنقول :

أولا : فما في البحار, والرياض, من أنه لا يشبه سائر كلمات الأئمة عليهم السلام, وأنه على أسلوب الصوفية, ومشتمل على مصطلحاتهم. ففيه. إن كلماتهم عليهم السلام وعباراتهم عليهم السلام في كشف المطالب المتعلقة بالمعارف والاخلاق, مختلفة بحسب الألفاظ والتأدية, وإن لم تختلف بحسب المعنى والحقيقة, وهذا ظاهر لمن أجال الطرف في أكناف كلمات أمير المؤمنين عليه السلام, وسائر الأئمة عليهم السلام في هذه المقامات, وليس لمن تقدم الصادق عليه السلام من الصوفية, كطاووس اليماني, ومالك بن دينار, وثابت البناني, وأيوب السجستاني, وحبيب الفارسي, وصالح المري, وأمثالهم, كتاب يعرف منه أن المصباح على أسلوبه, ومن الجائز أن يكون الامر بالعكس, فيكون الذين عاصروه عليه السلام منهم, أو تأخروا عنه, سلكوا سبيله عليه السلام في هذا المقصد, وأخذوا ضغثا من كلماته الحقة, ومزجوها بضغث من أباطيلهم, كما هو طريقة كل مبدع مضل, ويؤيده اتصال جماعة منهم إليه, والى الأئمة من ولده, كشقيق البلخي, ومعروف الكرخي, وأبي يزيد البسطامي طيفور السقا, كما يظهر من تراجمهم في كتب الفريقين, فيكون ما ألف بعده على أسلوبه ووتيرته.
ثم نقول . ليس في هذا الكتاب من عناوين أبوابه شئ لا يوجد في كثير من الاخبار مثله, سوى عناوين ثلاثة أبواب من أول الكتاب, ولكن ما شرحه وفصله فيها كلها مما عليه الكتاب والسنة, مع أنه يوجد في جملة من أدعيتهم, ومناجاتهم, وخطبهم عليهم السلام من العبارات الخاصة, والكلمات المختصة, ما لا يوجد في سائر كلماتهم, فارجع البصر إلى المناجاة الإنجيلية الكبرى والوسطى, وآخر دعاء كميل, والمناجاة الخمسة عشر, التي عدها صاحب الوسائل في الصحيفة الثانية من أدعية السجاد عليه السلام, ونسبها إليه من غير تردد, مع أنه لا يوجد لها سند, ولم يحتو عليها كتاب معتمد, وليس في تمام المصباح ما يوجد فيها من الألفاظ الدائرة في ألسنة القوم .
ثم نقول : إنك بعد التأمل في ملفقات القوم في هذا الباب, تجد المصباح خاليا عن مصطلحاتهم الخاصة, التي عليها تدور رحى تمويهاتهم, كلفظ العشق, والخمر, والسكر, والصحو, والمحو, والفناء, والوصل, والقطب, والشيخ, والطرب, والسماع, والجذبة, والآنية, والوجد, والمشاهدة, وغير ذلك مما ليس فيه شئ منه .
ثم نقول : وفي كتبهم أيضا أخبار معروفة متداولة, لا توجد فيه .


ثانيا : فما في الأول من أنه يروي فيه عن مشايخهم - أي الصوفية - ففيه, بعد تسليم كون ما فيه من الرواية والحكاية, من تتمة كلام الصادق عليه السلام - كما يظهر من الشهيد رحمه الله في مسكن الفؤاد - لا لمن كان يملي عليه فيجمعه, ويردفه بلا, أن تمام ما فيه من حكاية أقوالهم, والاستشهاد بكلامهم, لا يزيد عل ستة عشر موضعا , خمسة منها عن الربيع بن خثيم, وحكايتان عن أويس القرني, وهرم بن حيان, وهؤلاء الثلاثة من الزهاد الثمانية الذين كانوا مع أمير المؤمنين عليه السلام.
وقال ايضا:فإن كان المراد من قول المجلسي رحمه الله أنه اشتمل على الرواية من مشايخهم, ومن يعتمدون عليه في رواياتهم, ما حكاه عن زيد بن ثابت, وسفيان في المقامين .
فلعمري إنه طعن في غير محل, فإن الاستشهاد بكلامهما في المقامين, كالاستشهاد بمدائح الأعداء في إثبات فضائل الخلفاء عليهم السلام, فإنهما من رؤساء القراء, وأرباب الفتيا .
وأما الذين سبق ذكرهم غير وهب, فقد سبقت لهم من الله, ورسوله, ووصيه صلوات الله عليهما وآلهما الحسنى, وإن كان في ضعف معرفة الربيع كلام, لا يضر في المقام, وفي غير واحد من أخبارهم عليهم السلام الاستشهاد بكلمات سلمان وحكمه ونصائح أبي ذر وموعظته, فلاحظ .

ثالثا : فما في الرياض من أنه قد اشتمل على الرواية عن جماعة هم متأخرون عن هشام, قد ظهر بما ذكرنا ضعفه وبطلانه, فإن الذين عددناهم غير سفيان متقدمون على هشام بطبقات, وأما هو ففي طبقته, وهذا منه رحمه الله مع طول باعه عجيب .

رابعا : فما في الهداية من أن سنده لم يثبت, ففيه إن المراد من السند إن كان هو المعنى المصطلح, والمراد من الثبوت هو أحد الأقسام الثلاثة منه, من الصحيح, أو الحسن أو الموثق, ففيه مع أنه غير معترف به, وخارج من طريقته إنه لم يدعه أحد, ولا حاجة إليه خصوصا على مسلكه .
وإن كان المراد مطلق الاطمئنان بثبوته, والوثوق بصدوره ففيه إنه يكفي شهادة هؤلاء المشايخ العظام, الذين أشرنا إليهم في الوثوق به, وقد اكتفى هو بأقل من ذلك في إثبات اعتبار تمام ما اعتمد عليه من الكتب, ونقل عنه .
هذا كتاب تحف العقول, للحسن بن علي بن شعبة, قد اكتفى بمدحه ومدح الكتاب, ونسبته إليه في الامل بما في مجالس المؤمنين , وليس له ولا لكتابه ذكر في مؤلفات أصحابنا قبله, إلا ما نقلناه عن الشيخ إبراهيم القطيفي في رسالته, في الفرقة الناجية, وقد أكثر من النقل عن التحف في الوسائل .
ومثله في عدم الذكر والجهالة الحسن بن أبي الحسن الديلمي وكتبه, سيما إرشاد القلوب, الذي قد أكثر من النقل عنه, وعده من الكتب المعتمدة, التي نقل منها, وشهد بصحتها مؤلفوها, وليس له أيضا ذكر فيما وصل إليه وإلينا من مؤلفات أصحابنا, سوى ما نقله عنه الشيخ ابن فهد في عدة الداعي, في بعض المواضع, بعنوان الحسن بن أبي الحسن الديلمي , فمن أين عرفه, وعرف وثاقته, وعرف نسبة الكتاب إليه وشهادته بصحته ؟ فهل هذا إلا تهافت في المذاق, وتناقض في المسلك ! وإن كانت المسامحة فيهما لعدم اشتمالهما على فروع الاحكام, واقتصار ما غالبا على ما يتعلق بالأخلاق والفضائل والمواعظ, فهلا كانت شهادة هؤلاء الأجلة عل صحة المصباح, كافية في عده ثالثا لهما ! فإنه أيضا مثلهما .
وكذا الكلام في صحة نسبة كتاب الاختصاص إلى المفيد رحمه الله, وقد تسامح فيه بما لا يخفى على الناقد البصير .

خامسا : فما في الهداية أيضا, إن فيه أشياء منكرة, مخالفة للمتواترات قلت : ليته رحمه الله أشار إلى بعضها, فإنا لم نجد فيه ما يخالف المشهور, فضلا عن المتواتر, نعم فيه باب في معرفة الصحابة , وذكر فيه ما يوهم أن الأصل فيهم الحسن, والفضل, والعدالة, عل طريقة أهل السنة .
فأول ما يقال : إن هذا الباب من دسيس بعضهم في هذا الكتاب, ويشهد له أنه بني علي مائة باب على ما يظهر من النسخ, وما لها من الفهرست, والباب السبعون الذي يوجد فيها أنه في معرفة الصحابة, هو في الفهرست في حرمة المؤمنين, وعليه يتم الأبواب, وليس في الفهرست عنوان لمعرفة الصحابة, وفي النسخة جعل الباب السبعين في معرفة الصحابة, والحادي بعده في حرمة المؤمنين, والثاني والسبعين في بر الوالدين, ثم كرر وقال : الباب الثاني والسبعون في الموعظة, فإن جعلناه من غلط النساخ يزيد باب على المائة, وهو خلاف ما في الفهرست والنسخ, وإلا فهو أيضا من تدليس المدسس ويكشف عن أن الباب المذكور خارج عن الأصل, لاحق به, فلاحظ .

ولو سلمنا كونه في أبوابه, فمن المحتمل أنه عليه السلام لما كان في مقام تهذيب الأخلاق, ونشر الآداب والسنن, وشرح حقيقتها وحكمتها, وقد شاع في عصره عليه السلام من صوفيتهم, الذين أضلوا الناس بمموهات كلماتهم, ألحقه في هذا المقام, وإن أرادوا بها جلب العوام, وكانوا يفتخرون بهم, ويعجبون من كلماتهم, وينقلونها في محافلهم وناديهم, ويذكرونها في زبرهم ومؤلفاتهم, بل كان خلفاء عصرهم يشدون أركانهم إطفاء لهذا النور, الذي كان من الله جل جلاله في أهل بيت نبيهم, وصرف القلوب التي كانت تهوى وتحن إليهم, بما شاهدوا من المقامات العالية من صفات قلوبهم عنهم عليهم السلام, أراد صلوات الله عليه أن يريهم أنهم حيث ما كانوا, وأينما بلغوا بفهمهم القاصر, وفكرهم الفاتر, فهم دون رتبته ومقامه, ومحتاجون إلى التوسل بكلامه, والتمسك بمرامه, فذكر في مقام حال الصحابة ما يصير سببا لاستئناسهم وإلفتهم, ورغبتهم في النظر إليه والتدبر فيه, الموجب لولوج علو شأنه عليه السلام وعظم مقامه في صدورهم وقلوبهم, ويهون عليهم مقام البصري, واليماني, ويصغر في أعينهم البلخي, والبناني .

ثم نقول بعد ذلك : إن ما فيه في مدح الصحابة دون ما في الصحيفة الكاملة, من الصلاة على أتباع الرسل, قال عليه السلام : ( اللهم وأصحاب محمد صلى الله عليه وآله, خاصة الذين أحسنوا الصحابة, والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره, وكانفوه , وأسرعوا إلى وفادته, وسابقوا إلى دعوته, واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته, وفارقوا ( الأزواج والأولاد في إظهار كلمته, وقاتلوا ) الاباء والأبناء في تثبيت نبوته, وانتصروا به, ومن كانوا منطوين عل محبته, يرجون تجارة لن تبور في مودته, والذين هجرتهم العشائر وتعلقوا بعروته, وانتفت منهم القرابات, إذ سكنوا في ظل قرابته, فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك, وأرضهم من رضوانك, وبما حاشوا الخلق عليك, وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك, واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم, وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه, ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم.
بل مدحهم أمير المؤمنين عليه السلام بها فوق ذلك, ففي حديث أبي أراكة, الذي رواه جماعة من المشايخ بطرق متعددة, ومتون مختلفة, بالزيادة والنقيصة, وهو على لفظ السيد في النهج : ( لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وآله, فما أرى أحدا يشبههم, لقد كانوا يصبحون شعثا غبرا, قد باتوا سجدا وقياما, يراوحون بين جباههم وخدودهم, ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم, كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم, إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم, مادوا كما تميد الشجر يوم الريح العاصف, خوفا من العقاب, ورجاء للثواب ).

والتحقيق : أن يقال في أمثال هذه الأخبار : إن أصحابه صلى الله عليه وكانوا على هذه الصفات, فمن كان ممن لقيه صلى الله عليه وآله حاويا لها كان من أصحابه, ومن فقدها كان في زمرة المنافقين, خارجا عن اسم الصحابة, كما يشهد لذلك قوله تعالى : ( والذين معه أشداء على الكفار ) الآية, على ما حقق في محله .
وما في المصباح أيضا إيماء إلى ذلك حيث قال : واعلم أن الله تعالى اختار لنبيه من أصحابه طائفة أكرمهم بأجل الكرامة, إلى آخر ما ذكره, فلا حظ ) .
أو يقال : إن هذه المدائح للذين كانوا في عصره, لا لمن بقي بعده وأحدث, ولعل الأصل فيهم الصحة والسلامة, إلا من عرف بالنفاق والخيانة . ففي الخصال : بالسند الصحيح, عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ( كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله اثنا عثر ألف رجل, ثمانية آلاف رجل من المدينة, وألفان من مكة, وألفان من الطلقاء لم ير فيهم قدري, ولا مرجئ, ولا حروري, ولا معتزلي, ولا صاحب رأي, كانوا يبكون الليل والنهار, ويقولون : إقبض أرواحنا قبل أن نأكل خبز الخمير.
ولعل فيه إشارة, أو دلالة عل الاحتمال الأول

ثم نقل الميرزا النوري كلام الأستاذ الأكبر في التعليقة : وفي هذه الرواية ربما يكون إشعار بأن فضيلا ليس عاميا, فتأمل . ثم ذكر خبرا من العيون فيه إشعار بعاميته. وقد أخرج الكليني قدس سره عنه خبرا, في باب الحسد , وآخر في آخر باب الايمان والكفر, وآخر في باب الكفالة والحوالة . وبالجملة فلا أستبعد أن يكون المصباح هو النسخة التي رواها الفضيل, وهو على مذاقه ومسلكه, والذي اعتقده أنه جمعه من ملتقطات كلماته عليه السلام, في مجالس وعظه ونصيحته, ولو فرض فيه شئ يخالف مضمونه بعض ما في غيره وتعذر تأويله فهو منه على حسب مذهبه, لا من فريته وكذبه, فإنه ينافي وثاقته .ثم قال: وقد أطنبنا الكلام في شرح حال المصباح مع قلة ما فيه من الاحكام, حرصا عل نشر المآثر الجعفرية, والآداب الصادقية, وحفظا لابن طاووس, والشهيد, والكفعمي - رحمهم الله تعالى - عن نسبة الوهم والاشتباه إليهم, والله العاصم .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال