الاسئلة و الأجوبة » حديث مدينة العلم » الجواب على قول الدهلوي في الحديث


مجاهد الزاكي / السودان
السؤال: الجواب على قول الدهلوي في الحديث
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
نرجو أن تمدوننا ببحث حديثي على ما أورده الشيخ الدهلوي (1159-1239) هـ في التحفة الاثني عشرية واختصره السيد الالوسي (1273-1342) هـ من تعريب الشيخ الاسلمي, الذي أنجزه 1227 هـ.
اذ جاء في المختصر المعّرب في الباب الخامس ص 165: الحديث الخامس: رواية جابر عن النبي (ص): أنه قال {أنا مدينة العلم وعلي بابها}.
يقول الدهلوي: وهذا الخبر مطعون فيه
قال يحيى بن معين: لا أصل له
وقال البخاري: أنه منكر وليس له وجه صحيح
وقال الترمزي: أنه منكر غريب
وذكره إبن الجوزي في الموضوعات
وقال إبن دقيق العبد: لم يثبتوه
وقال النووي والذهبي والجوزي: إنه موضوع.
ويعود الدهلوي فيقول: فالتمسك بالأحاديث الموضوعة مما لا وجه له. إذ شرط الدليل إتفاق الخصمين عليه .. الخ
ص (165) مختصر التحفة الاثني عشرية تأليف شاه عبدالعزيز الامام ولي الله أحمد عبدالحيم الدهلوي – تعريب الشيخ غلام محمد بن محي الدين عمر الأسلمي – إختصره وهذبه السيد محمود شكري الألوسي (1273-1342) هـ - تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب – طبع ونشر الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد – الرياض – المملكة العربية السعودية – وقف سنة 1404 هـ.
ونرجو الآتي:
1- أن يكون البحث حديثيا بحتا لا كلاميا إلا ما يقتضيه إيراد بحث كلامي متعلق بعلم الحديث.
2- أطلعنا على تعريب عبقات الأنوار للسيد حامد حسين اللكهنوي للسيد الميلاني ثم على الطبعة الجديدة منه بعنوان نفحات الأزهار في تعريب عبقات الأنوار في إثبات إمامة الأمة الأطهار للسيد الميلاني واستوفينا الأطلاع على المجلدات الخاصة في الرد على هذه الفقرة وكذلك إفاضة الشيخ الأميني في الغدير وإشارة السيد شرف الدين في المراجعات وغيرها ولكن كان ما ورد في العبقات هو الأوفى ولكنه أطنب كثيرا جدا بحيث يصعب علينا أن نفيد منه.
3- وعليه نريد منكم بحثا متخصصا مركزا على ما أورده الدهلوي ويمكن أن يكون منجزا شافيا.
4- الطعن في حديث مدينة العلم لم يكن في السودان قبل ظهور الوهابية وأصبح ولا زال موضوعا مهما عندهم لا تمر مدة إلا ويتطرقون إليه في خطبهم ودروسهم مثلا:
الشيخ محمد هاشم الهدية رأس الوهابية هنا وفي ندوة في التلفزيون في موضوع عام بدأ كلامه مذكرا المؤمنين ببطلان حديث ((أنا مدينة العلم)) ثم رجع لكلامه في الموضوع ؟؟
وفقكم الله مع شكري وتقديري.
الجواب:

الأخ مجاهد الزكي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بخصوص ما أوردته من اشكالات الدهلوي حول حديث (باب مدينة العلم) نود أنْ نبين المسألة بشيء من التفصيل وفق قواعد الحديث والرجال، فنقول مستعينين بالله سبحانه وتعالى:
انّ طرق هذا الحديث كثيرة وقد وردت عن الامام علي (عليه السلام) وجابر بن عبد الله الانصاري وابن عبد الله وغيرهم وعلى النحو الآتي:

أما حديث الامام علي (عليه السلام) فله أكثر من طريق:
الطريق الأول: فقد رواه ابن المغازلي في (المناقب ص85) من طريق محمد بن المطلب بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن عمر بن مسلم اللاحقي بن أبو الحسن علي بن موسى الرضا حدثني أبي عن ابيه جعفر بن محمد عن ابيه عن جده علي بن الحسين عن ابيه علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا علي أنا مدينة العلم وانت الباب, كذب من زعم انه يصل الى المدينة إلا من قبل الباب). وهذا السند ضعفوه من أجل (محمد بن المطلب) واسمه محمد بن عبد الله بن المطلب, وقد ضعفوه لا ختلاطه
الطريق الثاني: رواه ابن المغازلي ايضاً في (المناقب ص81) من طريق محمد بن مصفى بن حفص بن عمر العدني بن علي بن عمر عن ابيه عن جرير عن علي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (انا مدينة العلم وعلي بابها)، وهذا السند ضعفوه من أجل (حفص بن عمر العدني) أيضاً .
الطريق الثالث: رواه العاصمي في كتابه (زين الفتى في تفسير سورة هل أتى) بسنده عن أبي أحمد داود بن سليمان الفراء قال حدثني علي بن موسى الرضا عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) وقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (انا مدينة العلم وعلي بابها). وهذا الحديث ضعفوه من قبل (داود بن سليمان الفراء) أيضاً.
الطريق الرابع: رواه الكنجي الشافعي في كتابه (كفاية الطالب) بسنده عن يحيى بن بشر (بشار) الكندي عن اسماعيل بن ابراهيم عن أبي اسحاق الهمداني عن الحرث عن علي (عليه السلام) وعن عاصم بن ضمره عن علي (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (انا مدينة العلم وعلي بابها).
قال الذهبي في الميزان: (يحيى بن بشار) لا يعرف. أي (مجهول).

أما حديث جابر بن عبد الله الانصاري فله عنه ثلاث طرق:
الطريق الأول: رواها الحاكم في (المستدرك 3/127) بسنده عن أحمد بن عبد الله بن يزيد الحراني عن عبد الرزاق عن الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي عن جابر قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : (انا مدينة العلم وعلي بابها).
وهذا السند ضعفوه من اجل أحمد بن عبد الله الحراني فقد ضعفوه واتهموه.
الطريق الثاني: ذكرها السيوطي في (اللاليء المصنوعة 1/335) عن كتاب خصائص علي (عليه السلام) للمؤلف ابي الحسن شاذان الفضلي قال ثنا محمد بن ابراهيم بن فيروز الانماطي ثنا الحسين بن عبد الله التميمي ثنا حبيب بن النعمان حدثني جعفر بن محمد عن ابيه عن جابر به وهذه الرواية ضعفوها لأجل حبيب فقد قالوا له مناكير.
الطريق الثالث: ذكرها العاصمي في كتابه (زين الفتى) بسنده عن أحمد بن محمد بن فضيل عن زياد بن زياد عن عبيد بن أبي الجعد عن جابر الانصاري به وفي سنده مَنْ لم نهتد إليه.

أما طريق ابن عباس فله عنه ثلاث طرق أيضاً.
الطريق الأول - وهو أشهرها -: طريق أبي الصلت الهروي عن ابي معاوية عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ( انا مدينة العلم وعلي بابها). رواه الحاكم في (المستدرك ( 3/127 ) والخطيب البغدادي وغيرها.
وقد تكلم جمع من المحدثين في أبي الصلت الهروي لروايته هذا الحديث واتهموه به بلا دليل حتى بين امام الجرح والتعديل (يحيى بن معين) انّ أبا الصلت الهروي ثقة لا يكذب، وقال: ان حديث ( انا مدينة العلم وعلي بابها) صحيح، وقد رواه محمد بن جعفر الفيدي عن أبي معاوية به. فهذه متابعه تامة لابي الصلت الهروي تبريء ساحته من الكذب لو أنصف المحققون من أهل السنّة. ثم تبين فعلاً أنّ الحديث معروف عن أبي معاوية عندما ذكر (ابن نمير) انّ ابا معاوية قد حدث بهذا الحديث قديماً ثم كف عنه. (انظر كتاب تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ـ ترجمة (عبد السلام بن صالح الهروي) أبو الصلت).
إذا عرفت ما تقدم، تعرف انّ ابن عدي صاحب ( الكامل في الضعفاء) قد تحامل كثيراً على هذا الحديث وأتهم كل راو رواه عن أبي معاوية بانه سرقه من أبي الصلت الهروي. وانّ الحديث حديثه, علماً انّ للحديث طريقين آخرين من غير طريق أبي معاوية وهما:
الطريق الثاني: رواه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء) من طريق أحمد بن حفص السعدي الجرجاني قال ثنا ابو الفتح عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها) قال ابن عدي قال ابن عقدة لا أعرف هذا فقال ابن عدي لعل هذا من اختلاق السعدي. مع انّ السعدي ترجمه السهمي في (تاريخ جرجان) وذكر انه صدوق، فتأمل أيها الاخ المسلم ماذا يفعل التعصب بصاحبه!!
الطريق الثالث: رواه ابن عساكر في (تاريخ دمشق) بسنده عن علي بن اسحاق بن زاطيا حدثنا عثمان بن عبد الله حدثنا عيسى بن يونس عن الاعمش عن مجاهد عن ابن عباس به. وقد اتهم ابن عدي ابن زاطيا بوضع هذا الحديث وغيره. ولو تابع الباحث الموضوعي التحقيقات في هذا الموضوع بالذات سيصل الى نتيجة مفادها انّ (ابن عدي) لو رأى البخاري ومسلماً قد رويا هذا الحديث لردة ايضاً دفعاً لصدر الحديث ليس إلا.
على أنّ بعض المتأخرين في القرن العشرين كالمعلمي والالباني قد شككا في الحديث من جهة أخرى فقالا: حتى لو كان الحديث صحيحاً عن أبي الصلت عن ابي معاوية! إلا أنه ضعيف عن الاعمش عن مجاهد! بحجة أنّ الاعمش وانْ كان ثقة إلا أنه مدلس وقد عنعن حديثه فتكون الرواية ضعيفة. قلنا: فعلى هذا لو سلمنا بمثل هذا التشكيك ستكون طرق هذا الحديث ضعيفه، ولكنْ بمجموعها يتقوى الحديث حسب ما قرره أهل هذه الصنعة, منْ أنّ الحديث الضعيف يتقوى بمجيئه من طرق أخر, ولهذا كان ابن حجر العسقلاني يَردّ على مَنْ يقول بوضع الحديث بأن له طوقاً أقلها أنْ يكون للحديث أصلاً كما في (لسان الميزان 2/123) بل أفتى بانّ الحديث من أقسام الحسن، كما سيأتي انْ شاء الله تعالى.

تنبيهان:
الاول: الذي يظهر من كلمات بعض المحققين من أهل السنة انّ حديث (انا مدينة العلم وعلي بابها) قد رواه الترمذي في جامعه (سنن الترمذي) فلاحظ كتاب (جامع الاصول لابن الاثير الجزري 9/473) وفي كتاب (مطالب السؤول ص35 وص61) وفي كتاب (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص170) وفي كتاب (السيرة الشامية) وغيرها, لكنْ عندما تبحث عن هذا الحديث في الطبعات الجديدة لا تجد لهذا الحديث أي أثر فتأمل ذلك!
التنبيه الثاني: ورد حديث الباب بلفظ آخر وهو (انا مدينة الحكمة وعلي بابها) ويعتبر هذا الحديث شاهداً آخر لحديث (مدينة العلم) كما قرره الكثير من المحققين كالعلائي وابن حجر والسيوطي وغيرهم، وله طريقان عن الامام علي (عليه السلام):
رواه الترمذي في سننه عن محمد بن عمر الرومي عن شريك عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفله عن الصنابحي عن علي (عليه السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (انا دار الحكمة وعلي بابها). قال الترمذي: هذا حديث غريب, روى بعضهم هذا الحديث عن شريك ولم يذكروا فيه الصنابحي, ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك في الباب عن ابن عباس.
وهذا هو نص كلام الترمذي على هذا الحديث حسب ما نقله أكثر المحققين، كما سيأتي ان شاء الله تعالى، بل نص بعضهم على انه قال حسن غريب كالمحب الطبري وغيره. وأما ما نقله الدهلوي وغيره من أنه قال منكر غريب فمردود من وجوه سيأتي بيانها فيما بعد.
وقد تكلم بعض المحققين في سند هذا الحديث بحجة ان شريك سيء الحفظ فضعف الحديث لاجل ذلك.
فنقول: هذا صحيح ولكن له شاهد من طريق آخر. رواه: ابن مردويه من طريق الشعبي عن علي (عليه السلام) موفوعاً به. وفي سنده ضعيف اشار الى ذلك صاحب كتاب (الفوائد المجموعة)، وعليه اذا ضم حديث مدينة الحكمة الى حديث مدينة العلم يزداد قوة ومتانة.

ومما تقدم تعلم أنّ كلام الدهلوي على هذا الحديث فيه شيء من المغالطة والتهويل لغرض التشكيك بالحديث ليس إلا فهو لم ينقل آراء العلماء بشكل دقيق وانما كان غرض الحشو كعادة المشككين، وإليك تفصيل ذلك:
أولاً: ما نقله عن يحيى بن معين من أنه قال لا أصل لهذا الحديث فهو مما يضحك الثكلى، ويعدَّ منه مغالطة صريحة، لأن ابن معين يعتبر أول المصححين لهذا الحديث بلا خلاف بين المحدثيين، والمسألة مفصلة في كتاب (تهذيب التهذيب) لابن حجر العسقلاني في ترجمة عبد السلام بن صالح الهروي.
وانما قال ابن معين: لا أصل له من رواية عمر بن اسماعيل بن مجالد الذي ادعى أنه سمع الحديث من أبي معاوية في بغداد، فكذبه ابن معين لأجل ذلك على اعتبار انّ ابا معاوية لم يحدث بهذا الحديث في بغداد، كما هو موضح في ترجمة عمر بن اسماعيل بن مجالد في كتاب (تهذيب التهذيب) لابن حجر العسقلاني.

ثانياً: بخصوص ما نقله عن الترمذي انه قال أنّ الحديث منكر غريب فهو مردودٌ، لأنّ المعروف بين أهل العلم أنّ حكم الترمذي على بعض الاحاديث يختلف باختلاف النسخ المخطوطة لأصل سنن الترمذي كما في كتاب (المقنع في علوم الحديث/ لابن الملقن ج1/ص97)، وقد إختلف قول الترمذي هنا على ثلاثة أقوال:
1- انه قال: ان هذا الحديث غريب, نقل ذلك أكثر المحققين كالشيخ صلاح الدين العلائي (انظر اللآلئ المصنوعة (1/332)، والخطيب التبريزي في مشكاة المصابيح (3/344)، وشمس الدين ابن الجزري في كتاب أسنى المطالب في مناقب علي بن ابي طالب، وكذا العلامة المناوي في كتاب فيض القدير شرح الجامع الصغير(3/46) .
2- القول الثاني: أنّ الترمذي قال حسن غريب نقل ذلك المحب الطبري في الرياض النضره (ج2/ص255) .
3- القول الثالث: ما نقل أنه قال منكر غريب. فبعض الطبعات خصوصاً المطبوعة في الدار السلفية اكتفت بهذا القول دفعاً لصدر الحديث وإلا لو كان محققو هذه الكتب أكثر موضوعية لأشاروا الى اختلاف الأقوال في النقل عن الترمذي وانّ المنقول عنه هو أنه قال حديث غريب كما عليه أكثر المحققين من أهل السنة مع ملاحظة انّ اختلاف الاقوال هنا انما أريد بها حديث انا مدينة الحكمه لا على حديث مدينة العلم فتأمل ذلك.

ثالثاً: انّ الدهلوي لم ينقل آراء المصححين لهذا الحديث وهم من الجهابذة الذين يعتمد على تصحيحاتهم (كابن معين) وهو امام الجرح والتعديل كما مرَّ آنفاً ، وكذا تصحيح المفسر الكبير محمد بن جرير الطبري كما في كتابه (تهذيب الآثار)، وقد قال السيوطي كنت أجيب بهذا الجواب دهراً الى أنّ وقفت على تصحيح ابن جرير لحديث علي في (تهذيب الآثار) مع تصحيح الحاكم لحديث ابن عباس فاستخرت الله تعالى وجزمت بارتقاء الحديث عن مرتبة الحسن الى مرتبة الصحة. كما في (اللاليء المصنوعة 1/334/325) وكتاب (خلاصه عبقات الانوار ج10/ص236/327). بل انه لم ينقل رأي الحافظ العلائي أو الشيخ ابن حجر العسقلاني من أنّ الحديث حسن لا صحيح ولا موضوع نقل ذلك محمد بن يوسف الشامي في اسماء رسول الله (صلى الله عليه وآله) حرف الدال ونقله السيوطي في (اللاليء 1/332/335)
وبوسعكم الرجوع الى كتاب (فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي) للمحقق أحمد ابن الصديق الغماري ففيه قضيه ما يغنيكم ان شاء الله تعالى.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال