الاسئلة و الأجوبة » عالم الذر » التكليف في عالم الذر (2)


غانم / الكويت
السؤال: التكليف في عالم الذر (2)
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ....
أود أن أسئل حول موضوع يتعلق بالخلق بالدنيا من حيث أوضاع كلّ إنسان فيها حيث نجد أنّ الناس يخلقون بالدنيا بدرجات متفاوتة بكافه المقايس من حيث الجمال الخلقي والطول واللون والوضع المادي الأجتماعي والجنسي, أي تجد من الناس من ينتسب للجنس الهندي والجنس العربي وغيرها من الأجناس بلإضافة للفوارق في اختلاف طول الأعمار بالدنيا, وأخيراً طريقة وصول كلً إنسان للدنيا فنجد من الناس من أتى بطريق الحلال أيّ من خلال زواج شرعي, وآخرين ياتون للدنيا بطريق الحرام فيكونوا بالدنيا أولاد زنا .
ومن هنا يأتي السؤال هل كان للناس اختيار في عالم ما قبل الدنيا عن الكيفية التي يود أن يكون بها بعالم الدنيا, أي أنّه اختار أن يخرج للدنيا من صلب رجل معين, ومن جنس معين وبشكل معين, وبطريقة الحلال أو بالحرام مثلاً ؟ أم كلّ ما ترتب علينا بعالم الدنيا هي أمور مقدره؟ وهل يعتبر هذا الموضوع من الأمور المسلة التي لاجدال فيها, والتي ينطبق عليها قول الباري عز وجل (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسأَلُوا عَن أَشيَاء إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم )) (المائدة:101)
راجيا منكم الإفادة ....شكراً
الجواب:

الأخ غانم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أعلم إنّ هذه المسألة وما تفرع عنها تعدّ من المسائل العويصة التي قد لا تظفر لها بجواب؛ إذ أن الكشف عن حقيقة الأمر فيها قادح في الحكمة؛ وذلك لتفاوت العقول والأنظار في هضمها واستيعابها, ومن هنا ناسب أن يكون الجواب عليها بنحو الإشارة لا بالتصريح والعبارة, فهي من جملة المضنون به على غير أهله, ونحن في هذا المقام سنجيبك بما هو ميسور . ونسأل الله تعالى أن يوفقك لفهم الجواب, فنقول :
إنّ الأمثلة التي ذكرتها في سؤالك هي أنماط من الابتلاءات الربانية المترتبة على أصناف الإجابات في عالم الذرّ من دون أن يترتب على ذلك محذور الجبر .
لا يقال : إنّ دار التكليف هي الدنيا لا عالم الذرّ, وإنّ الأنبياء والأئمة مأمورون بهدايتنا وإرشادنا في الدنيا ؛ إذ ليس للإنسان إلّا ما سعى, فإذا كان الأمر قد حتم في علام الذرّ, فلا فائدة في بعثه الأنبياء, وإرسال الرسل في الدنيا .
لأنّا نقول : إنّ ظاهر كثير من الآيات والروايات حصول التكليف في عالم الذرّ فقوله تعالى: (( وَإِذ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم أَلَستَ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى )) (الأسراء:172) .
وما ورد في الخبر : (( إنّ الله أخرج ذرّية آدم من صلبه كهيئة الذرّ, فعرضهم على آدم فقال : إنّي آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئاً وعليَّ أرزاقهم, ثمّ قال لهم : ألستُ بربكم؟ قالوا بلى شهدنا أنك ربنا, فقال للملائكة : اشهدوا فقالوا شهدنا..)) الخبر .
وكذلك روايات أخرى كثيرة وردت في هذا المضمون, فإنكار التكليف في عالم الذرّ بعد كلّ ذلك, أو تأويل الآيات والروايات بما لا يتنافى مع الفهم السائد لدى العقلاء خروج عن الإنصاف وتكلف واضح؛ إذ ليس من اللازم أن تدرك العقول كنه التكليف الذري وحقيقته, وإن كان هو تكليفاً بلا أدنى ريب, فأغلب المصالح والمفاسد الواقعية المترتبة عليها كثير من الأحكام والأخلاق غير متيسر الإدراك لكلّ أحد .
والأخبار في معنى الآية المذكورة من وجود عالم الذرّ, وأخذ الميثاق على العباد بأن يقروا الله سبحانه بالربوبية, ولمحمّد (صلى الله عليه وآله) بالنبوة, ولأهل بيته (عليهم السلام) بالإمامة والطاعة مستفيضة بل متواترة, وإنكارها هو في الحقيقة إنكارٌ للضروري .

ومن هنا ينبغي الاعتقاد بأنّ عالم الذرّ, أو عالم الميثاق كان هو التكليف الأوّل, وهذا العالم (الدنيا) إنّما جاء على وفقه حذو النعل بالنعل, و القذة بالقذة .
ومَن ثمّ قال بعض أكابر الصحابة : إنّ الناس يخافون الله من اليوم الآخر, وأنا أخاف من اليوم الأوّل, يريد به عالم الميثاق .
وقال بعض الأعلام : إنّ دخول الأطفال الجنة جزاء لأعمالهم في عالم الميثاق .
وبعد أن ثبت لدينا صحة التكليف في ذلك العالم ينبغي أن نعرف أنواع الآثار المترتبة على أعمال المكلفين في الذرّ بالنسبة إلى عالم الدنيا, فبعض الأعمال يترتب عليها حسن صورة الإنسان أو قبحها في الدنيا, وبعضها يترتب عليه إيمانه وكفره, وبعضها غناه وفقره, وبعضها صحته ومرضه وهكذا .
ويمكن الاستدلال على ذلك بما ثبت في الحكمة والعرفان من تجسم الأعمال في هذه الدنيا, وصيرورتها في الآخرة جنةً وناراً ونعيماً وعذاباً... الخ .
ووجه الاستدلال بما ذكرنا ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) : (( قد علم أولوا الألباب أن الاستدلال على ما هنالك لا يعلم إلّا بما ها هنا)), فتأمل .
وهذا هو المتيسر الآن للإجابة عن مسألتكم, وبه تندفع كافة الشبهات المذكورة, والله الموفق .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال