الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » وحدة الوجود كعقيدة


ابو جعفر / بحرين
السؤال: وحدة الوجود كعقيدة
ما هو رأيكم في عقيدة وحدة الموجود - التي هي غير وحدة الوجود - كأن يقال أنه لا موجود إلا الله. وكأن يقال أن العلاقة بين المخلوقات والله جل وعلا هي كالعلاقة بين الموج والبحر فهما شيء واحد إلا أن الموج حالة عرضية ليس إلا.
وكأن يقال أن الأولياء إذا أسلموا القلب لتجليات أسماء الحق وأصبحوا العشاق المتيمين لحضرة الأسماء, فإنهم إذا تجاوزوا هذا فليس بعده شاهد ومشاهدة ومشهود, بل في تلك الحال ليس من ساجد ومسجود له, ولا عباد ولا معبود فهو الأول والآخر والظاهر والباطن. وكأن يقال أن كل العالم من أعلى مراتب الوجود إلى أسفل سافلين هو لا شيء, إذ أن كل ما هو موجود هو تعالى لا غير.
وكأن يقال أن الآية الشريفة (( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )) هي بلسان الكثرة, وإلا فإنه هو الحمد والحامد والمحمود.
وما حكم من يعتقد بهذا مع التزامه الظاهري ببقية التكاليف الشرعية ؟
الجواب:

الأخ ابا جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عقيدة وحدة الوجود والموجود هي عقيدة أهل التصوف وهي مبتنية على نفي واقعية الأشياء, وأن الواقعية هي لله فقط, أما ما نراه من هذه الكثرات فمجرد وهم لا حقيقة له, ولذا قال شاعرهم:

وما الناس في التمثال إلا كثلجة ***** وأنت بها الماء الذي هو نابعُ
ولكن يذوب الثلج يرفع حكمه ***** ويوضع حكم الماء والأمر واقع

أو قول الآخر:

كل ما في الكون وهم أو خيال ***** أو عكوسٌ في المرايا أو ظلال

حيث يعتقدون أن التعدد الذي يبدو للعامة في الوجود والموجود إنما هو تعدد ظاهري مجازي, وفي الحقيقة لا تعدد لكل منهما وقد قال الشيخ أحمد الأحسائي عن هذا المذهب: إن العلماء مجمعون على تكفير معتقده, باعتبار أنه يفهم منه الحلول أو الاتحاد بين الخلق والخالق.

ولكن يجب التنبيه على أمر له صلة بالموضوع, فإن بعض كبار الحكماء والفلاسفة قائلون بوحدة الوجود في عين كثرتهما, وهذا لا يترتب عليه فساد عقدي, غير أن مطالعة ما كتبوه يوهم من لا دربة له بعباراتهم ولا أنس له باصطلاحاتهم أنهم موافقون للصوفية في عقيدتهم, وليس الأمر كذلك, فإن مسلكهم فيه دقيق ومنهجهم عميق بحيث لا يتسنى للقاريء العادي المتوسط الثقافة إدراك ما يرمون إليه في هذه المسألة وعلى رأس اولئك الحكماء الملا صدر الدين الشيرازي, وقد أوضح مذهبه في وحدة الوجود في كتابه المبدأ والمعاد قائلاً: ((ليس إطلاق الوجود على ما سوى الله مجازاً لغوياً بل عرفانياً عند أهل الله)) وهذه كلمة في غاية الاجمال, وتفصيلها أنه يرى أن الوحدة في الوجود عين الكثرة, والكثرة عين الوحدة, وهذا هو معنى المجاز العرفاني في التعدد, لا أن هويات الممكنات أمور اعتبارية محضة وحقائقها أوهام وخيالات لا تحصّل لها إلا بحسب الاعتبار, فإن هذا ليس معنى المجاز الذي يراه.
ولما كنت الوحدة عين الكثرة فإن الظاهريين لما نظروا إلى الوجود والموجود بعين واحدة (وهي اليسرى) واقتصروا عليها رأوا الكثرة والتعدد, والمتصوفون لما نظروا بعين ثانية (وهي اليمنى) واقتصروا عليها رأوا الوحدة ولم يروا سوى الله.

أما الكامل الراسخ فهو ذو العينين السليمتين وهو الذي يعلم أن كل ممكن زوج تركيبي له وجهان: وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه, فبالعين اليمنى ينظر إلى وجه الحق أي وجه ربه فيعلم أنه الفائض على كل شيء والظاهر في كل شيء ويعود إليه كل خير وكمال وفضيلة وجمال, وبالعين اليسرى ينظر إلى الخلق أي وجه نفسه فيعلم أنه ليس له حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولا شأن إلا قابليته للشؤون والتجليات وهو في ذاته ليس إلا عدم محض وليس صرف.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال