الاسئلة و الأجوبة » الطلاسم والأحراز » أقسام السحر وعلاقته بالجن


احمد الصفار / الامارات
السؤال: أقسام السحر وعلاقته بالجن
هل هناك علاقة بين السحر و الجن؟ بمعنى هل يكون بعض انواع السحر عن طريق الاستعانة بالجن ام انه لا توجد علاقة بينهما بتاتا؟
الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال السيد الخوئي في مصباح الفقاهة ج 1 - ص 452 - 458
أقسام السحر: ولا بأس بالتعرض لما ذكره الأصحاب من أقسام السحر, ليعلم هل أنها مشمولة لما دل على حرمة السحر أم لا, وقد تكلم عليها العلامة المجلسي في البحار وأطال الكلام فيها موضوعا وحكما نقضا وإبراما, وحاصل كلامه في تحقيق أقسام السحر أنه على أنواع شتى:

الاول: سحر الكلدانيين الذين كانوا من قديم الدهر, وهم قوم يعبدون الكواكب ويزعمون كونها مدبرة للعالم السفلي ومبادي لصدور الخيرات والشرور, وقد بعث الله إبراهيم (عليه السلام) مبطلا لمقالتهم وهدم أساس مذهبهم. وهم على فرق ثلاث, فإن منهم من يزعم أن الكواكب هي الواجبة الخالقة للعالم, ومنهم من يزعم أنها قديمة لقدم العلة المؤثرة فيها, ومنهم من يزعم أنها حادثة مخلوقة ولكنها فعالة مختارة فوض خالقها أمر العالم إليها. والساحر من هذه الفرق الثلاثة من يعرف القوى العالية الفعالة بسائطها ومركباتها, ويعرف ما يليق بالعالم السفلي وحوادثه, ويعرف معدات هذه الحوادث ليعدها, وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشرية, فيكون متمكنا من استحداث ما يخرق العادة - انتهى ملخص كلام المجلسي (رحمه الله) في النوع الأول.
أقول: قد عرفت أن السحر هو صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخديعة والتمويه من دون أن يكون له واقعية, فاستحداث الأمور الخارقة للعادة ليس من السحر, ولو تمكن أحد من إحداث الأمور الغريبة بواسطة القوة النفسانية الحاصلة بالرياضة أو بصرف المقدمات, فلا يقال له أنه ساحر, بل لا دليل على حرمته, فإن هذا شعار أهل الكرامة. نعم لا شبهة في كفر الفرق المذكورة, كما اعترف به المجلسي (رحمه الله) حتى الفرقة الثالثة القائلة بتفويض أمر العالم إلى الكواكب, فإن قولهم هذا مخالف لضرورة الدين, فإن الله هو الذي يحيي ويميت, ويهب لمن يشاء ذكورا ويهب لمن يشاء إناثا, ويصور في الأرحام كيف يشاء.

الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية, فقد ثبت بالوجوه العديدة إمكان تسلط النفوس على جوارح الغير وأعضائه, فتسخره للقيام بحرمات وتأدية أعمال على غير إرادة منه ومن دون وساطة شئ آخر, وهذه النفوس قد تكون لرياضتها قوية صافية عن الكدورات البدنية, فتستغني في تأثيرها عن الاستعانة بأدوات من خارجها وتصدر عنها الأمور الغريبة الخارقة للعادة, وقد تكون ضعيفة وممزوجة بأوساخ المواد فتحتاج في اتمام تأثيرها إلى الاستعانة بأدوات سحرية أخرى - انتهى حاصل كلامه في النوع الثاني.
أقول: لا شبهة أن بعض النفوس لصفائها بالرياضات تؤثر في الأمور التكوينية وتصرفها عن وجهها صرفا حقيقيا, كايقاف الماشي عن المشي, والمياه الجارية عن الجريان, بل قيل إن هذا المعنى مكنون في الأسد بحسب الغريزة والطبيعة. فإنه إذا نظر إلى حيوان أوقفه عن المشي والحركة, إلا أنه لا دليل على حرمته بعنوان الأولي ما لم يترتب عليه شئ من العناوين المحرمة, بل نمنع عن صدق السحر عليه, وإنما هو نحو من الكرامة إن كان بطريق حق, ومن الكفر أو الفسق إن كان بطريق الباطل. ولا نظن أن يتوهم أحد أن تصفية النفس بالرياضات الحقة حتى تصير مؤثرة في الأمور التكوينية من المحرمات بل هو مطلوب في الشريعة المقدسة إذا كان بالإطاعة والتقوى, ومن المعروف المشهور أن سلمان (رضي الله عنه) قد وصل بمجاهداته وتقواه وعظيم طاعته لمولاه إلى حد أن انقادت الأمور التكوينية لإرادته والتزمت فرض طاعته.

الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية, واعلم أن القول بوجود الجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة, وأما أكابر الفلاسفة فإنهم لم ينكروا القول بوجود الجن ولكنهم سموها بالأرواح الأرضية, وهي بأنفسها مختلفة الأصناف, فإن منها خيرة ومنها شريرة, وقد شاهد أهل الصنعة والتجربة أن الاتصال بها يحصل بأمور خفيفة وبأفعال سهلة لا مشقة في ايجادها, كالبرق والدخن والتجريد, وقد سموا هذا النوع بالعزائم وعمل تسخير الجن - انتهى حاصل كلام المجلسي في النوع الثالث.
أقول: لا ريب في خروج هذا النوع أيضا من السحر موضوعا وحكما, تعليما وتعلما, بل لا دليل على حرمته في نفسه إلا إذا ترتب عليه عنوان محرم من إيذاء انسان والاضرار به, أو كانت مقدماتها محرمة فيحرم الاشتغال بها, وإلا فلا يحرم استخدام الجن وكشف الغائبات بواسطتهم, بل لا دليل على حرمة ايذاهم.

الرابع: التخيلات والأخذ بالعيون, وهذا النوع يتضح بأمور:
1- وقوع الأغلاط في البصر كثيرا, فإن الساكن قد يرى متحركا وبالعكس. كما أن راكب السفينة إذا نظر إلى البحر يرى السفينة ساكنة ويرى الماء متحركا, والقطرة النازلة من السماء ترى خطا مستقيما, والشعلة الجوالة ترى دائرة من النار, والأشياء الصغيرة ترى في الماء كبيرة, وغير ذلك من أغلاط البصر.
2- أن المحسوسات قد يختلط بعضها ببعض إذا كانت مدركة بسرعة النظر, لأن القوة الباصرة إذا وقفت على محسوس وقوفا تاما في زمان معتد به أدركته على نحو لا يشتبه بغيره كثيرا, وأما إذا أدركته في زمان قليل ثم أدركت محسوسا آخر وهكذا فإنه يختلط بعضه ببعض.
3- أنه قد تشغل النفس بشئ فلا تشعر حينئذ بشئ, وإن كان حاضرا عند الانسان كالوارد على السلطان فإنه قد يلقاه شخص فيتكلم معه ولكن لا يلتفت إليه, والناظر في المرآة يرى القذارة في عينيه ولا يرى أكبر منها. إذا عرفت هذه الأمور اتضح لك تصوير هذا النوع من السحر, فإن المشعبذ الحاذق يشغل أذهان الناظرين بأمور ويأخذ بأبصارهم ثم يعمل شيئا آخر بسرعة شديدة وبحركة خفيفة, فيظهر لهم غير ما انتظروه فيتعجبون منه.
أقول: هذا النوع هو المعروف بالشعوذة فلا يرتبط بالسحر, وسيأتي أنه لا دليل على حرمتها, فإنها ليست إلا الحركة السريعة في الأعضاء فلا معنى لحرمتها في نفسها إلا إذا اقترنت بعناوين محرمة, نعم أطلق عليها السحر في خبر الاحتجاج المتقدم في الحاشية, فإنه قد ذكر الإمام (عليه السلام) فيه: ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفة, إلا أنه على سبيل المجازية, فقد عرفت الفرق بين السحر والشعوذة وعدم صدق كل منهما على الآخر.

الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات على النسب الهندسية, كراقص يرقص, وكفارسين يقتتلان, وكراكب على فرسه وفي يده بوق كلما مضى ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد, ومن هذا القبيل الصور المصنوعة لأهل الروم والهند, بحيث يراها الناظر إليها انسانا على كيفيات مختلفة ضاحكة وباكية حتى يفرق فيها بين ضحك السرور وضحك الخجل وضحك الشامت. فهذه الوجوه كلها من لطائف التخابيل, وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب, ومن ذلك أيضا تركيب صندوق الساعات, وعلم جر الأثقال والأجسام العظيمة بآلات خفيفة, وهذا النوع في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من السحر فإن لها أسبابا معلومة معينة, ومن اطلع عليها قدر على ايجادها وحيث لم يصل إليها إلا الفرد النادر لصعوبتها عدها أهل الظاهر من السحر - انتهى ملخص كلامه.
أقول: إن ايجاد الصنايع المعجبة وتركيب الأمور الغريبة كما هو المعروف كثيرا في العصر الحاضر, كالطائرات والقطارات والسيارات وسائر أدوات النقل والآلات العجيبة المعدة للحرب ليس من المحرمات بعناوينها الأولية إلا إذا انطبقت عليه عناوين محرمة أخرى, وليس من مقولة السحر كما اعترف به المجلسي, ولم يثبت كون سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.

السادس: الاستعانة بخواص الأدوية, مثل أن تجعل في الطعام بعض الأدوية المبلدة أو المزيلة للعقل, أو الدخن المسكر البخور, أو عصارة البنج المجعول في الملبس, وهذا مما لا سبيل إلى انكاره, فإن أثر المغناطيس شاهد - انتهى ملخص كلام المجلسي.
أقول: هذا النوع أيضا خارج عن السحر موضوعا وحكما, وإنما هي أسرار يكتشفها علم الكيمياء وقد يستعان بها في علم الطب, ولو كانت الاستعانة بالأدوية محرمة للزم القول بحرمة علم الطب ولم يلتزم به أحد, بل وجوبه من الضروريات عند الملل وعقلاء العالم.

السابع: تعليق القلب, وهو أن يدعي الساحر علم الكيمياء وعلم الليمياء والاسم الأعظم, ويدعي أن الجن يطيعونه, فإذا كان السامع ضعيف العقل قليل التميز اعتقد بذلك وتعلق قلبه به, ويلزم ذلك أن يحصل فيه الرعب والخوف ويفعل فيه الساحر ما يشاء, مع أن تلك الدعاوي ليس لها أصل, ومن جرب هذا المعنى وأهله علم أن لتعليق القلب أثرا عظيما من حيث الخوف والرجاء كليهما. وفيه: أنه لا وجه لجعله من أقسام السحر, وإنما هو قسم من الكذب إذا لم يكن له واقع, على أن تعليق القلب لو كان سحرا لكانت الاستمالة بمطلقها سحرا محرما, سواء كانت بالأمور الواقعية أم بغيرها.

الثامن: النميمة. وفيه: أنها وإن كانت محرمة بالضرورة عند الفريقين بل عند العقلاء إلا أنها أجنبية عن السحر وعن مورد الأخبار الدالة على كفر الساحر ووجوب قتله, فإن من البديهي أن النمام ليس بكافر ولا يجوز قتله. وعلى الجملة لم يتحصل لنا من الأقسام المذكورة ما يكون سحرا ومحرما بعنوانه, فانحصر السحر المحرم بما ذكرناه, أعني صرف الشئ عن وجهه على سبيل الخدعة والتمويه, وقد تقدم أن هذا هو المورد للأخبار الدالة على حرمة السحر.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال