الاسئلة و الأجوبة » البداء » البداء لغة واصطلاحاً


محمد / الكويت
السؤال: البداء لغة واصطلاحاً
السلام عليكم
في الحقيقة أنا لم أفهم معنى البداء، فاريد شرح معناه.
 وشكراً.
الجواب:

الاخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته البداء لغة: هو الظهور بعد الخفاء قال تعالى: (( وَبَدَا لَهمْ منَ اللَّه مَا لَمْ يَكونوا يَحْتَسبونَ, وَبَدَا لَهمْ سَيّئَات مَا كَسَبوا )), والبداء بهذا المعنى لا يطلق على الله سبحانه وتعالى بتاتاً لأستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به وهو محال في حقه وسيأتي توضيحه.
والبداء أصطلاحاً: تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة والطالحة، وتأثيرها فيما قدّر الله تعالى من التقدير المشترط، قال تعالى: (( ثمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مسَمّىً عنْدَه )) فبيَّن أن الآجال على ضربين، وضربٌ منهما مشترط يصح فيه الزيادة والنقصان وقال أيضاً: (( وَمَا يعَمَّر منْ معَمَّر وَلا ينْقَص منْ عمره الاّ في كتَاب )).
واعتقاد الإماميه تبعاً لنصوص الكتاب والسنة على أنه سبحانه عالم بالأشياء والحوادث كلها؛ غابرها وحاضرها ومستقبلها، كليها وجزئيّها، وقد أوضح الإمام الصادق (عليه السلام) أمر البداء بقوله: (فكل أمر يريده الله فهو في علمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إن الله لا يبدو له من جهل) (بحار الأنوار ج4/121).

أمّا ما هي المناسبة التي تصحح إطلاق لفظ البداء على تغيير المقدّر؟
نقول: ان هذا الأطلاق هو من باب المشاكلة في التسمية، فإن الله سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في مجالات كثيرة بما يعبّر به الناس عن فعل أنفسهم لأجل المشاكلة الظاهرية، فترى القرآن ينسب إلى الله تعالى (المكر والكيد) و(الخديعة) و(النسيان) و(الآسف). إذ يقول (( إنَّهمْ يَكيدونَ كَيْداً * وَأَكيد كَيْداً )) (الطارق:15-16) (( وَمَكَروا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً )) (النمل:50) (( إنَّ الْمنَافقينَ يخَادعونَ اللَّهَ وَهوَ خَادعهمْ )) (النساء:142) (( نَسوا اللَّهَ فَنَسيَهمْ )) (( فَلَمَّا آسَفونَا انْتَقَمْنَا منْهمْ فَأَغْرَقْنَاهمْ أَجْمَعينَ )) (الزخرف:55) إلى غير ذلك من الآيات والموارد.
فيمكن أن يقال أن منزلته البداء في التكوين كمنزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي والأحكام التكليفية نسخ، فهو في الأمر التكويني والمكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي و البداء كأنه نسخ تكويني.
إن البداء من الأوصاف التي ربما تتصف بها أفعالنا الأختيارية من حيث صدورها عنا بالعلم والأختيار، فإنا لا نريد شيئاً من أفعالنا الأختيارية إلاّ بمصلحة داعية إلى ذلك تعلق بها علمنا، وربما تعلق العلم بمصلحة فقصدنا الفعل ثم تعلق العلم بمصلحة أخرى توجب خلاف المصلحة الأولى، فحينئذف نريد خلاف ما كنا نريده قبل، وهو الذي نقول: بدا لنا أن نفعل كذا، أي ظهر لنا بعدما كان خفياً عنا، فالبداء: ظهور ما كان خفياً من الفعل لظهور ما كان خفياً من العلم بالمصلحة، ثم توسع في الاستعمال، فأطلقنا البداء على ظهور كل فعل كان الظاهر خلافه.

وبطبعة الحال فإن هذا المعنى من البداء الذي يجوز أن تتصف به أفعالنا لا يمكن أن ينطبق مع أفعاله سبحانه، لأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فليس معنى البداء هنا ظهور أمر كان خفياً عنه، لأن ذلك يلزم عنه الجهل تعالى عن ذلك، ومن هنا فقد أنكر بعض المسلمين البداء وشنعوا على شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وسبب هذا الأنكار عدم معرفتهم بما يقصده الشيعة بالبداء، فيحسبون أن معنى البداء هو المعنى المتعارف في رتبة المخلوق.

والحقيقة أن أهل البيت وشيعتهم تبعاً لهم، كغيرهم من المسلمين في الاعتقاد باستحالة البداء بهذا المعنى على الله عز وجل، وتكفير من يذهب إليه، والاحاديث في ذلك كثيرة، ولكنهم مع ذلك يقولون بالبداء، فكيف يمكن أن نفهم ذلك؟

إن أساس الخطأ لدى مخالفي أهل البيت (عليهم السلام) في هذه المسألة هو: قياس فعل الخالق على المخلوق، فما يلزم منه الجهل أو الندامة من البداء إنما هو بداء الفاعل بمباشرة كالإنسان، لا الفاعل بما خَلـَقَ من الأسباب، كما هو بالنسبة إلى الله سبحانه.

إن الله تعالى خلق العالم محكوماً بقوانين تمثل في وجودها وآثارها إرادته ولما كان من جملة هذه القوانين ما هو مقتضي لوجود الأثر ومنها ما هو مانع عن تحقق الأثر، ولما كانت المقتضيات والموانع مترابطة ومتفاعلة، فإنه من الطبيعي أن يحدث من خلال ذلك المحو والإثبات دائماً، فإذا علمنا عن طريق الأخبار الصادقة لأهل البيت (عليهم السلام) مثلاً أن هنالك تقديراً سيقع فربما كان ذلك العلم مبنياً على معرفتنا بمقتضاياته، أي اسبابه المؤثرة فقط، فإذا وقع ذلك التقدير طبقاً لما علمناه، فإن معنى ذلك عدم تأثير موانع هذا التقدير ـ والتي لم نعلمها ـ والتي قد اثرت وحالت دون وجوده فنقول بأن هذا بداء، وإنّما ننسبه إلى الله تعالى لأن جميع الأسباب وآثارها سواء كانت مقتضيات أو موانع هي من خلقه وتمثل إرادته، أي أن البداء هو نفس ما جاء في قوله تعالى (( يَمْحوا اللَّه مَا يَشَاء وَيثْبت وَعنْدَه أمّ الْكتَاب )) وقد سمى أهل البيت (عليهم السلام) الإخبار بما وجدت مقتضياته مع إمكان وجود موانعه بالعلم الموقوف القابل للمحو، أمّا ما كانت مقتضياته ثابته فهو المحتوم)).
قال السيد الخوئي (رحمه الله) في (البيان): ((ان القضاء الحتمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ وبأم الكتاب والعلم المخزون عند الله يستحيل أن يقع فيه البداء، وكيف يتصور فيه البداء وان الله سبحانه عالم بجميع الأشياء منذ الأزل، لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.
روى الصدوق في (إكمال الدين) بإسناده عن أبي بصير وسماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (من زعم أن الله عز وجل يبدو له في شيء اليوم لم يعلمه أمس فأبرؤوا منه). إلى أن يقول والبداء: إنما يكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات والألتزام بجواز البداء فيه لا يستلزم نسبة الجهل إلى الله سبحانه وليس في هذا الإلتزام ما ينافي عظمته وجلاله.
فالقول بالبداء، هو: الإعتراف الصريح بأن العالم تحت سلطان الله وقدرته في حدوثه وبقائه، وإن إرادة الله نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً... والقول بالبداء يوجب أنقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهماته، وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية، فإن إنكار البداء والإلتزام بأن ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة ـ دون استثناء ـ يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه، فإن ما يطلبه العبد من ربه إن كان قد جرى القلم بخلافه لم يقع أبداً، ولم ينفعه الدعاء ولا التضرع، وإذا يئس العبد من إجابة دعائه ترك التضرع لخالقه، حيث لا فائدة في ذلك، وكذلك الحال في سائر العبادات والصدقات التي ورد عن المعصومين (عليهم السلام) أنها تزيد في العمر أو في الرزق أو غير ذلك مما يطلبه العبد.

وهذا هو سر ما ورد في روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) من الأهتمام بشأن البداء، فقد روى الصدوق في كتاب التوحيد باسناده عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: ( ما عبد الله عز وجل بشيء أفضل من البداء ).. والسر في هذا الأهتمام أن إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول بأن الله غير قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، فإن كلا القولين يؤيس العبد من إجابة دعائه، وذلك يوجب عدم توجهه في طلباته إلى ربه)).
ودمتم في رعاية الله


كارم محمود / مصر
تعليق على الجواب (1)
السلام عليكم
قلتم: ان القرآن ينسب إلى الله تعالى ((المكر والكيد) و(الخديعة) و((النسيان)) و((الآسف)). إذ يقول (( إنَّهم يَكيدونَ كَيداً, وَأَكيد كَيداً )) (( وَمَكَروا مَكراً وَمَكَرنَا مَكراً )) (( إنَّ المنَافقينَ يخَادعونَ اللَّهَ وَهوَ خَادعهم )) (( نَسوا اللَّهَ فَنَسيَهم )) (( فَلَمَّا آسَفونَا انتَقَمنَا منهم َأَغرَقنَاهم أَجمَعينَ )) (الزخرف:55) إلى غير ذلك من الآيات. والموارد.) !!!
كيف يتم تفسير كتاب الله سبحانه وتعالى وكيف يتم الصاق هذه الصفات لله سبحانه وتعالى بالمكرو الكيد والخديعة والنسيان والآسف. اليست هذه الصفات تسبق صفات المنافقين والذين يكيدون والذين يخدعون؟
ان فراسة المؤمن الفقير الى الله سبحانه وتعالى. اذا خاطبه المنافق يستشعر نفاقه فى قلبه. واذا كاد له المكيد عرفه واذا اعرض عنه انسان كان قريب منه تركه ولم يأسف عليه.
فما بالنا بالخالق الاعظم الذى يعلم خلجات انفاسنا وما تضمر نفوسنا. كيف يأسف الله على فعل. وهو الذى اذا اراد شئ قال له كن فيكون. ايأسف على انسان !!!
كل هذه الصفات يعلمها فيمن خلقه. وصوره ووضع فيه العقل ليسترشد به. فاذا صور له عقله المكر او الخديعة اوالنسيان او الكيد. فانها صفا ت يعلمها الله سبحانه وتعالى اودعها فى الانسان. ليستخدمها ضد اعدائه لا ضد انبيائه ومرسليه.
الجواب:
الأخ كارم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ان اعتراضكم على جوابنا عن موضوع ((البداء)) ليس في محله, لأنكم على ما يبدو لم تنظروا إلى الموضوع بدقة وموضوعية كنّا نتوقعها منكم، بل عمدتم إلى النص فاقتطعتم منه جزءاً وعزلتموه عن سابقة ولاحقه وعن القرائن الحافة به! فنحن لم نقل أن القرآن الكريم حينما نسب المكر والكيد والخديعة والنسيان والأسف كان بصدد إثباتها له عز وجل، بل نزهنا ساحته عن جميع تلك المعاني، وذكرنا أن هذا الاطلاق هو من باب المشاكلة في التسمية، ولازم ذلك أن هذه المعاني لا تؤخذ على ظاهرها، فمكر الله لا يراد به المعنى إلافرادي للمكر بل المعنى الجملي, وهو من قبيل جزاء المكر لا المكر نفسه كقوله تعالى: (( ولا يَحيق المَكر السَّيّئ إلَّا بأَهله )) (فاطر:43), وكذلك النسيان, فليس معناه أن الله ينسى كما ننسى، ولكن بيان أن جزاء نسيان الله في الدنيا يورث إعراض الله عمن نسيه في الآخرة, وهذا من قبيل الجزاء، كما هو واضح بأدنى التفات.
وبعبارة موجزة: فإن البداء بالمعنى اللغوي الذي هو الظهور بعد الخفاء كما أنه لا يليق شأنه عز وجل لإستلزامه (حدوث علمه بشيء بعد جهله به) والجهل محال في حقه سبحانه, فكذا تلك المعاني المذكورة في القرآن كالمكر والخديعة والنسيان والآسف إن أخذت بحسب ما تدل عليه في أصل الوضع, فكل هذه المعاني بما فيها البداء لا تطلق على الله عز وجل , وإنما صح إطلاقها بحسب المشاكلة في التسمية, فينبغي ملاحظة السياق والقرائن, فحينئذ تدل على معان أخر تليق به عز شأنه. وكذا سائر الصفات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم وهي بإفرادها لا تليق بشأنه عز وجل. نرجو منك مراجعة النص بأكمله.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال