الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » نظرية التناسب النفعي المعرفي


جعفر / لبنان
السؤال: نظرية التناسب النفعي المعرفي

(نظرية التناسب النفعي المعرفي )

ملاحظة اولى ضرورية: ان هذه النظرية موجهة خاصة الى العقلية الغربية وكل عقلية غارقة بالموضوعية والنسبيةوالشك.وتشكل -هذه النظرية- الحل والعلاج لمشكلة النسبيةوالشك الفكرية والعلمية التي وقع فيها العالم, ولعل -الحل التناسبي-هو الحل الانسب لان الانسان اصبح يتمسك بالاحتمال البعيد والضعيف في هذا العصر اما لان المنهج والنظريات العلمية فتحا باب الاحتمال والشك على مصراعيه, او للخلاف الفكري والفلسفي القديم والمستمر او لسبب نفسي كالخوف والوسواس من الخطا والخدعة, مما اوهم الكثيرين بسقوط اهمية ومنفعة كل المواضيع والقضايا الغير مؤكدة او الغيرعلمية موضوعية والتحرر من المسؤولية تجاهها واضلهم واغفلهم ذلك عن المنهج النفعي المعرفي عندهم.

الملاحظة الثانية الضرورية: ان منهج الانسان الطبيعي من اجل البقاء والتطوروالسعادة يكون اما بطلب منفعة(حاجة) ضرورية او فرعية لذلك واما لدفع خطر جسيم او صغير,وعليه يتشكل المنهج النفعي المعرفي عنده.

الملاحظةالثالثة والاهم: ان الملاحظة الاساسية والاهم في النظرية هي ان عدم توفرالدليل اليقيني العلمي والموضوعي المؤكد% على الموضوع لا يعني ذلك سقوط اهمية وقيمة الموضوع النفعية والعلمية والعملية مطلقا والتحرر من المسؤولية والالتزام تجاه الموضوع, بل ان هناك قيمة نفعية فعلية متناسبة ومتساوية لكل دليل اوعمل معرفي وحتى الافترض .
تقوم هذه النظرية على القاعدة التالية :( قيمةالمنفعة +قيمة الدليل = قيمةالفعل المتناسب معها )
او ( قيمةالموضوع او الشئ نفعيااو خطريا ) + (قيمة الدليل عليه) = قيمة الفعل المتناسب مع القيمتين )
( او القيمة النفعيةاوالخطرية للموضوع او الشئ) +(قيمة الدليل عليه)= قيمة الفعل المتناسب معهما
ويمكننا توضيح وتقديم النظرية والقاعدة بطريقة سهلة جدا ليفهمها اكثر الناس, وذلك بطرح بعض الامثلة والصور . المثال الاول : اذا احتاج احدهم الى الماء ليسد عطشه القاتل او عطش اولاده, وقام دليل عقلي غير يقيني او غير مؤكد% او غير
علمي على وجود الماء في مكان واحتمل وجود خطر.
فما هو الحل لهذه المشكلة ؟ الحل على قاعدة التناسب النفعي :
اولا: تحديد القيمة والاهمية النفعية للموضوع (ضرورة الماء للبقاء والحياة) وهي اهمية اساسية واولية لا يستغنى عنها للحياة .
ثانيا : تحديد قيمة واهمية الدليل على الموضوع .
ثالثا : تحديد قيمة احتمال الخطر والضرر من عملية تحصيل الماء
رابعا : تحديد الفعل المتناسب مع المنفعةوالدليل والخطر لتجنب الوقوع في الخطا والخدعة مما يقلل من نسبة الخطا او نتائجه, وهذا يعني ضرورة التحرك والعمل المتناسبين المدروسين لتحصيل الماء محتملين ومقدرين حصول الخطر والخطا
ومتهيئين لمعالجة ذلك.

مثال اخر : اذا اراد احدهم السفر لتحصيل الرزق لنفسه وعياله والخروج من الفقر والحرمان واحتمل حصول الخطر والموت . الحل : عليه ان يحدد المنفعة والحاجة الاهم للبقاء ثم يحدد الدليل ثم يحدد الخطر المحتمل من السفروعدمه ليحدد اخيرا الفعل المتناسب والذكي فيقوم بالسفر مثلا ولكن السفر المتناسب والمدروس .
وهكذا في كل موضوع وامر فان العاقل يحدد المنفعة والحاجة الاهم والاولى المتناسبة مع الدليل الافضل, ملاحظا ومقدرا احتمال الخطا والخدعة ومتعاملا مع ذلك اخيرا بالطريقة المتناسبة والمدروسة.

الدين المتناسب : وهكذا يمكننا التوصل الى الدين الجديدالمتناسب الذي يقتضي ضرورة التسليم والاعتقاد بالاله والدين المتناسبين مع قيمة الحاجة والمنفعة المطلوبة وقيمة الدليل وقيمة الخطر المقدر من الايمان وضده والقيام بكل عمل ديني متناسب يجلب المنفعة المطلوبة ويمنع الخطر المقدر والمحتمل . فالصلاة والصيام ومساعدة المحتاجين المحدودة وترك الظلم والقتل وكل عمل خير لا يؤدي الى تعارض مع المنفعة او المصلحة الاهم هو واجب ولازم منهجي لتحصيل النفع من الاله والدين و دفع الخطر والضررالمقدر والمحتمل منهما.
نحتاج الى ردكم حاجة ضرورية تحت طائلة المسؤولية . ولاني مضطر للقول اني بعثتها اليكم .

الجواب:

الأخ جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد يمكن أن نخضع كثيراً من الأمور الحياتية والعلمية إلى هذه النظرية التي تجعل من المنفعة قيمة وغرضاً.. فتطبيق النظرية النفعية في الميادين النفسية والاجتماعية والاقتصادية وربما السياسية أيضاً له ما يبرره استناداً إلى مبدأ حياتي إنساني وهو جلب المنافع ودفع المضار حتى عدّ هذا المبدأ أمراً عقلائياً ضرورياً لا غنى عنه في الحياة الدنيا ... ولكن يشكل تطبيق هذه النظرية دينياً لأمور منها.

أولاً: عدم إحاطة الإنسان بجميع المنافع والمضار، فرب منفعة يراها الإنسان لأول وهلة يتبين له فيما بعد أنها ضرر والعكس صحيح، وإذا جاز هذا في مستوى الحياة الدنيا فجوازه في الآخرة أولى، لأن الإنسان من تلقاء نفسه ومن دون شرع إلهي يرشده إلى مواضع النفع والضرر الأخروي قد يضل ويصل إلى نتائج لا يمكن تداركها حينذاك و يدلك على هذا الأمر ما ورد في قوله عز وجل: (( وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئاً وَهُوَ خَيرٌ لَّكُم وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُم )).

ثانياً:  إن جاز إخضاع الأمور المادية المرتبطة بحياة الإنسان إلى نظرية منفعة من جهة إمكان قياس وتقييم تلك الأمور إحصائياً أو مخبرياً فإن إخضاع الأمور المعنوية ولا سيما الدينية منها إلى هذه النظرية يبدو هدفاً بعيد المنال، وذلك لأن المقاييس المادية لا تتفق مع المقاييس المعنوية ويتعذر العثور على مقياس معنوي شامل يعم جميع البشرية إلا بمعونة ومدد إلهي وبنهج سماوي. ودعوى ( إمكان التوصل إلى دين جديد يقتضي ضرورة التسليم والاعتقاد بالإله والدين المتناسبين مع قيمة الحاجة والمنفعة وقيمة الدليل ) دعوى مجردة لا تستند إلى واقع مدروس، ذلك لأن الدين الجديد إن لم يكن موحاً به إلى نبي أو رسول مبعوث من قبل الله عز وجل فإنه يأول إلى نقض غرض نظرية المنفعة، لأن الدين المبتدع دين لا ثمرة فيه اخروياً، فإن كان المنظور بحسب نظرية المنفعة هو جلب النفع الأخروي فإن النفع ساقط اصلاً وابتداءً لأن الدين الذي يخترعه الإنسان ليس ديناً على الحقيقة بل منهج سلوكي أو أخلاقي لا يتجاوز مدى الحياة الدنيا، شأنه شأن المناهج الوضعية.

وإن كان الدين هو أحد الأديان فإن اتخاذ نظرية المنفعة لديانة سابقة كاليهودية مثلاً واعتبارها هي الديانة الحقة المنسجمة مع الدليل فإن ذلك يعاكس الديانات الأخرى كالإسلام الذي اشترط لقبول الأعمال أن يكون الإنسان مسلماً والذي يتخذ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين قال تعالى: (( وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلاَمِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ))، وهكذا لا يصدق تطبيق هذه النظرية على صعيد الأمور المعنوية وخاصة الدينية، لإفضائه إلى التناقض.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال