الاسئلة و الأجوبة » الإمامة العامّة(المفهوم) » إيراد القاضي عبد الجبّار على القول: (لولا الإمام لما قامت السماوات...)، والجواب عليه


محمد ظاهر / العراق
السؤال: إيراد القاضي عبد الجبّار على القول: (لولا الإمام لما قامت السماوات...)، والجواب عليه
أرجو الإجابة على السؤال التالي:
((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قُبل من عبد عملاً)).. هل هذا الكلام من معتقداتنا، ومن أُصول المذهب؟
الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لكي نحيط بالمسألة من جميع جوانبها نذكر عدّة نقاط:
الأُولى: إنّ هذه العبارة الواردة في السؤال، وهي: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرضون، ولَما قبل من عبد عملاً))، وردت بهذا النص في كتاب (الشيعة في الميزان) لمحمّد جواد مغنية(1)، نقلاً من كتاب (الشافي) للسيّد المرتضى.
لكن الظاهر أنّ نسخة (الشافي) التي نقل عنها الشيخ مغنية كان فيها بعض التصحيف؛ فنصّ العبارة في (الشافي)، نقلاً عن كلام القاضي عبد الجبّار في (المغني) هكذا: ((لولا الإمام لَما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل))(2).. وهي كذلك في (المغني) للقاضي عبد الجبّار؛ قال: ((وزعم بعضهم - أي: الشيعة - أنّه: لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل))(3).
والفرق واضح بين: ((ولما قبل من عبد عملاً))، وبين: ((ولا صحّ من العبد الفعل))؛ فإنّ الأُولى مطابقة لاعتقاد الشيعة بتوقّف قبول الأعمال على التولّي، وإن كان من الممكن تقريب معنى العبارة الثانية من هذا المعنى، ولكن ظاهرها معنى آخر، كما هو واضح، وسيأتي..

الثانية: إنّ المقطع المذكور يبيّن عقيدتين متقارنتين من عقائد الشيعة الإمامية؛ ففي المقطع الأوّل يبيّن رتبة الإمام في المنظومة التكوينة، وأنّه واسطة الفيض، المعبّر عنها بـ(الولاية التكوينة)، والمشار إليها في الروايات بأنّه: (لولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها)(4).
وقد ذكر الصدوق(رحمه الله) أنّ هذه العبارة واردة في الأخبار، عند جوابه لركن الدولة عندما سأله بقوله: ((أنتم تقولون: إنّه غائب مستور, والحال أنّ إقامة الحدود والأحكام ورفع الظلم عن المظلوم من مناصب الإمام, فنصبه لهذه الأحكام لازم, ومع غيبته فلا بدّ من القول بعدم الحاجة إليه؟
قال الشيخ: إنّ الحاجة إلى وجود الإمام(عليه السلام) إنّما هو لبقاء النظام, وقد ورد بأنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما أنزلت السماء قطرة، ولا أخرجت الأرض بركتها)، وقال الله تعالى: (( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم )) (الأنفال:33), والإمام قائم مقام النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ في اسم النبوّة ونزول الوحي..
واتّفق أهل السير والنقل على أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت أتى أهل السماء ما يكرهون، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا هلك أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون). وقال(عليه السلام): (لو بقيت الأرض بغير حجّة ساعة لساخت بأهلها)، وفي رواية أُخرى: (لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ))(5).
والمعنى ممّا ذكره الصدوق واضح..

وأمّا المقطع الثاني: ففيه إشارة إلى ما نعتقد، تبعاً للروايات الكثيرة: أنّ الموالاة للأئمّة(عليهم السلام) شرط قبول الأعمال وصحّتها, وقد ذكرنا بعضاً منها في عنوان (أهل البيت)، في أجوبة الأسئلة المتعلّقة بشرط ولايتهم(عليهم السلام) لقبول الأعمال.
والمقطع الثاني في أصل كتاب (المغني) يمكن أن يُفهم بهذا السياق، وهو: عدم صحّة العمل العبادي من دون موالاة ومعرفة الإمام, مع أنّ ظاهره بالقرائن الموجودة في نفس الكلام له معنى آخر، وهو: أن لا يقع عمل ولا يتمّ من قبل العبد (البشر) إلاّ بالإمام، أو بتوسّط الإمام.
وهو أوّلاً: معنى آخر غير صحّة العمل وتماميّته.
وثانياً: معنى خاطئاً إذا أُريد على ظاهره، كما فهمه القاضي عبد الجبّار, إلاّ إذا أدخلناه في معنى المقطع الأوّل، ويكون ذكر لجزئية من تلك الكلّية المذكورة في المقطع الأوّل من باب ذكر الخاصّ بعد العامّ؛ فيكون المعنى: أنّ الإمام أيضاً واسطة للفيض في أعمال وأفعال العباد؛ إذ أنّ العباد وأفعالهم من ضمن الأرض وما فيها.

الثالثة: إنّ القاضي عبد الجبّار فهم من هذين المقطعين معنى خاطئاً، غير ما نريده: من أنّهم واسطة الفيض، كما بيّنه الصدوق، بعد أن اعتبرهما يدلان على معنى واحد، وأنّ معنى المقطع الثاني دخل في معنى المقطع الأوّل..
قال في (المغني): ((وزعم بعضهم أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولما صحّ من العبد الفعل)، فليس يخلو هذا القائل من أن يريد: أنّه تعالى لمكانه. أو لأنّ في المعلوم أنّه يخلقه ويخلق الأنبياء إمامها.. فإن يكن هذا مراده، فليس للإمامة تعلّق بالتمكين؛ لأنّه كان يجوز أن يخلقها ويقيمها مع فقد الإمام، وإنّما اختار ذلك - إن صحّ ما قاله - بمنزلة أن يكون في المعلوم أنّه لولا التكليف لما حسن في الحكمة خلق السماوات والأرض، وذلك لا يوجب أنّ المكلّف إنّما يتمكّن ممّا كلّف يريد.
وإن أراد: أنّ السماوات والأرضين لا يصحّ أن يقوما إلاّ بإمام، فليس يخلو أن يريد: أنّه يقيمهما, وهذا هو الذي قدّمناه، ولا فرق بينه وبين من قال: هو الذي يخلقهما. وقد علمنا من حال الأئمّة والأنبياء خلاف ذلك.
فإذا لم يصحّ هذا الوجه، فمن أين صحّة قيامهما بالإمام, والمعلوم أنّه تعالى قادر على ذلك، ولا حاجة بهما إلى وجود الإمام, ولا إلى كونه إماماً؟
على أنّ الإمام لا يصحّ كونه على الصفة التي معها يكون إماماً إلاّ مع قيامها, فلو لم يقوما إلاّ به لكانا محتاجين إليه وهو محتاج إليهما، وذلك يتناقض. وهذا ركيك من القول، لولا أنّ بعضهم أورده لكان ذكره عبثاً))(6).
فمن الواضح أنّه لم يفهم المراد من هذين المقطعين، وأنّه أدخل المقطع الثاني في باب التمكين, وأنّ العبد لا يتمكّن من الفعل لولا الإمام, وزعم في الاحتمال الثاني أنّ المقصود: أنّ الإمام يخلقهما. وهذا ما لا يقوله الشيعة قطعاً. ولذا كان جواب السيّد المرتضى(ره) في (الشافي) بالنفي القاطع لصدور مثل هذا الكلام بهذا المعنى الذي فهمه القاضي عن الشيعة, وقال: ((فأمّا ما حكاه عن بعضهم من أنّه: (لولا الإمام لما قامت السماوات والأرض، ولا صحّ من العبد الفعل) فليس نعرفه قولاً لأحد من الإمامية تقدّم ولا تأخّر، اللّهمّ إلاّ أن يريد ما تقدّم حكايته من قول الغلاة))(7).
ومن الواضح أن النفي جاء بما تعلّق بهذا الكلام من المعنى الخاطئ عند القاضي، والموافق لقول الغلاة؛ فلاحظ!
ودمتم برعاية الله

(1) الشيعة في الميزان: 121 الإمامة بين شيخ الشيعة وشيخ المعتزلة.
(2) الشافي في الإمامة 1: 42 فصل: في تتبّع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.
(3) المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) 20: 18 الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.
(4) انظر: الكافي 1: 179 كتاب الحجّة، باب أنّ الأرض لا تخلو من حجّة.
(5) انظر: طرائف المقال للبروجردي 2: 513 - 514 ترجمة الشيخ الصدوق.
(6) المغني (المجلّد الأوّل من كتاب الإمامة) 20: 18 - 19 الكلام في الإمامة، فصل: في أنّ الإمامة غير واجبة من جهة العقل.
(7) الشافي في الإمامة 1: 42 فصل: في تتبع ما ذكره ممّا يتعلّق بوجوب الإمامة.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال