الاسئلة و الأجوبة » العصمة » إشكالات في محاولة لنقض العصمة بالغيبة


ابو جعفر / سوريا
السؤال: إشكالات في محاولة لنقض العصمة بالغيبة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أرجو الرد على بعض الشبهات في العصمة والإمامة بعد أن بحثت عن رد لها في المكتبة العقائدية والأسئلة عندكم فلم أجد ردا كافيا وهذه الشبهات أنقلها كما جائتني حرفيا معتذرا عما فيها من اسائات وهي:

*************************

نظرية (العصمة) بين الواقع والخيال

أن الخيال المجنح الذي يطير بصاحبه فوق الواقع له أكبر نصيب في الإيمان بفكرة (العصمة) وإلا فبمجرد أن يغادر صاحبه ميدان الجدل والفكر المجرد ليدخل ميدان التطبيق والواقع ويصحو من خيالاته وتهويماته فإنه يرى البون واسعاً بين الخيال الذي يتوهمه والواقع الذي يمارسه ويعيشه.
وهكذا يمكن القول بأن هذه العقيدة هي فكرة افتراضية خيالية لا يمكن وجودها إلا تصوراً في الأذهان دون إمكان تحقيقها ولا الاستفادة منها في زمان ولا مكان, بل ولا حاجة إليها بعد أن كمل الدين وتمت النعمة وتعهد الله بحفظه.
وذلك يتبين أكثر ويتأكد بما يلي :

1- الأخذ عن المجتهدين لا (المعصومين)
من الأفكار الخيالية التي يعيشها الشيعة كأنها حقائق لا تقبل الشك قولهم : إننا نأخذ ديننا عن (أئمة معصومين) فنحن واثقون من صحته, بينما غيرنا يأخذ دينه عن رجال غير معصومين فلا ثقة بما يقولون.
ويقولون : إن وجود (المعصوم) يحصل به رفع الخلاف, وعند عدمه تقع الأمة في التنازع والاختلاف .
ولو غادر أحدهم ميدان الفكر المجرد ونظر إلى الواقع لوجد نفسه عملياً لا يختلف عن أولئك الذين ينتقدهم ويتبجح عليهم لأنه سيجد نفسه كغيره تماماً: يقلد رجلاً يطلق عليه اسم (المجتهد) يخطئ ويصيب وليس (إماماً معصوماً). وهذا المجتهد غير معصوم فأين يوجد اليوم ذلك (المعصوم) الذي يأخذ عنه الشيعي دينه حتى يصح قوله السابق ؟!
بل الشيعة يتبعون مجتهدين متعددين لا إماماً واحداً بعينه لا معصوماً ولا غير معصوم ! وتعدد المجتهدين يعني تعد الاجتهادات ووجود الاختلافات, وهو الواقع الذي هم عليه !
ولا يمكن لهم غير ذلك لأن (المعصوم) أما مفقود كما عليه الحال اليوم, وأما -على افتراض وجوده- فإن التقاء الناس به جميعاً غير ممكن, وعلى أكثر تقدير يمكن لأهل قريته وجيرانه الأخذ عنه. أما البلاد البعيدة فلا بد أن ينوب عنه فيها من ليس بمعصوم . وإذن ما قالوه غير متحقق ولا واقعي بل هو محض خيال : لا في الماضي عند وجود (المعصومين) -كما يعتقدون- ولا في الحاضر إذ هو مفقود من الأساس, ولا في المستقبل لأن ما تخيلوه غير ممكن تحقيقه على الواقع .
فما الفرق بينهم وبين بقية المسلمين الذين يتبعون العلماء المجتهدين ولا يؤمنون بمعصومين غير رسول الله (ص) ؟.

2- استحالة تواجد (المعصوم) في كل زمان ومكان
(المعصوم) كإنسان من غير الممكن تواجده في غالب الأماكن والأوقات, ولا يمكن في الواقع أن يراه ويستفيد منه إلا من يباشره ممن هو في قريته أو قريب منه.
فالبلاد الغائبة عن (الإمام المعصوم) كيف يمكن لأهلها الاستفادة منه وهم لا يستطيعون الوصول إليه في غالب الأوقات والأحوال, إن لم يكن ذلك مستحيلاً ! خصوصاً إذا كان (الإمام) مقهوراً مغلوباً على أمره يعيش على (التقية) ؟ فهؤلاء جميعاً في الواقع يصلون خلف غير معصوم, ويحكم بينهم ويفتي لهم ويقضي بينهم غير معصوم, ويأخذ أموالهم ويتولى أمورهم ويطيعون غير معصوم . فإن قيل : إن الأمور ترجع إلى (المعصوم) قيل : لو كان (المعصوم) قادراً ذا سلطان لن يتمكن أن يوصل إلى كل رعيته العدل الواجب والعلم الصحيح لأن غاية ما يقدر عليه أن يولي أفضل من يراه وينيبه عنه في حكم البلاد البعيدة, وهذا النائب إنما يتصرف في الناس باجتهاده . وقد يخطئ في الاجتهاد وإن ظنه موافقاً لقول (المعصوم) وأمره .
أما إذا كان (المعصوم) خائفاً أو مغلوباً أو مسجوناً أو متخفياً لا يعرفه الناس فالأمر أشد وإذن .. لا يمكن أن ينتفع (بالمعصوم) إلا قلة قليلة من الخلق ممن يعيشون قربه ويسمع كلامه مباشرة . وإذا حققت في الأمر تجد أن هذه القلة لا تتعدى أهل بيته ! بل إذا دققت أكثر وجدت أنه حتى أهل بيته لا يتهيأ لهم اللقاء به في كل وقت, فلا بد له من سفر يفارقهم فيه أو مرض أو خروج للجهاد والغزو وتنوبهم في مثل هذه الأحوال أمور لا يجدون فيها عندهم (معصوماً) يسألونه .
والنتيجة الحتمية أنه لا يمكن أن ينتفع (بالمعصوم) الانتفاع الكامل غير (المعصوم) نفسه ! وإذن حتى يتحقق رفع الخطأ والخلاف لا بد أن يكون كل مسلم معصوماً.
وهذه اللوازم كلها خيالية, وما لزم منه الخيال فهو خيال فكيف إذا كان (المعصوم) مفقوداً بل معدوماً من ألف عام !!!

3- أين (المعصوم) اليوم ؟
فإذا كان (المعصوم) ضرورياً لحفظ الدين, والدين لا يتم ولا يحفظ إلا به فأين هو (المعصوم) في زماننا وإلى أكثر من ألف عام؟! وكيف يختفي ووجوده لا يمكن الاستغناء عنه ؟! وما الفرق بين أن يكون معدوماً وأن يكون مختفياً ؟! فكلاهما لا يمكن رؤيته أو الالتقاء به .
وما الحكمة من وجود (معصوم) بهذا المستوى من احتياج الناس إليه لكنه مختف لا يمكن أن يراه أو ينتفع بوجوده أحد ؟!
أليس هذا هو الخيال بعينه ؟!

4- حفظ الدين دون الحاجة إلى استمرار وجود المعصوم لا شك أن الدين محفوظ وكامل والنعمة تامة مع عدم وجود (المعصوم) . والذي حفظ الدين منذ أكثر من ألف عام ولا (معصوم) قادر على حفظه إلى يوم الدين كذلك, وإلا فإذا قلنا : إن حفظ الدين مشروط (بالمعصوم) استلزم ذلك نقصان الدين في حالة عدم وجود (المعصوم) أو غيابه . فيقتضي هذا أن ديننا الذي نحن عليه اليوم قد نقص وزاد وبطل لأنه منذ أكثر من ألف عام و(المعصوم) مفقود, وهذا كفر والعياذ بالله .

5- ثبوت الدين وحفظه بالنقل
(المعصوم) مفقود منذ أكثر من ألف عام, وأقواله وأحواله مجهولة تمام الجهل لم يسمعها ولم يشاهدها أحد من الناس وإنما غايتها أن تنقل وتسند إليه, والناقل غير معصوم. فإذا كان نقل غير المعصوم عن (المعصوم) معصوماً من الزلل فما وجه الحاجة إلى تعدد (المعصومين) ؟! والنقل عن واحد -والحال هذه- يكفي . فما الفرق بين النقل عن أي (معصوم) ؟ وبين النقل عن المعصوم المتفق على عصمته هو الرسول الأعظم محمد (ص) إذا توفرت شروط الصحة في الرواية ؟!!
ولكن الحقيقة (المرة) أن نقل غير (المعصوم) ليس معصوماً فالخطأ يتطرق إليه حتماً. فمن أين لنا أن نعلم صحة ما ينقل عن (المعصومين) والناقل غير معصوم ؟!
وإذا دخلنا ميدان الواقع وجدنا أن الأمة جميعاً -ومنذ مئات السنين- تأخذ دينها بالنقل وليس بالمشافهة ولا بالمشاهدة من معصوم. وإذن .. فالنقل عن المعصوم الواحد الذي هو النبي (ص) يغني عن غيره فلا حاجة في كل زمان ومكان إلى (معصوم) وهو الواقع.

6- آخر (المعصومين) لا ينقل عنه شيء !!
فإذا كان النقل موجوداً وبه يثبت الدين فأي فائدة في انتظار (معصوم) آخر لا ينقل عنه شيء ؟! إذا كان النقل عن أولئك كافياً فلا حاجة إليه, وإن لم يكن كافياً فأين هو الذي تحصل به الكفاية ؟ وإذن فقد ضاع الدين!! وهم يقولون : (إن ما بأيديهم عمن قبل (المنتظر) يغنيهم عن أخذ شيء عنه) ولا محيص لهم عن ذلك لا جدلاً ولا عملاً.
فلماذا لا يكون ما بأيدي الأمة عن نبيها (ص) يغنيها عن أخذ شيء عمن بعده مع إنها أحرص على نقل أقواله وأحواله من غيره؟! بل لو قست ما بأيدي الأمة عن غير نبيها بما عندها عن نبيها (ص) من أقواله وأفعاله وأحواله لوجدت الفرق أوسع مما يقاس ! وهذا يقودنا إلى الفقرة التالية :

7- الاقتداء يستلزم معرفة حياة المقتدى به على التفصيل فحتى يستفيد المقتدي من حياة (الإمام) المقتدى به لا بد أن يكون (الإمام) ظاهراً معروفاً يستطيع كل أحد الوصول إليه . ولا بد مع ذلك أن تكون حياته بعد موته معروفة على وجه التفصيل, وأن تكون كذلك شاملة لكل نواحي وأحوال الإنسان .
وهذه الأمور الثلاثة لا تتطابق مع حياة (الأئمة المعصومين) : فأغلبهم -كما يقول الشيعة- كانوا مقهورين يعيشون بـ(التقية) وإنكار كونهم أئمة, فلم يكونوا معروفين بل كان كثير من الناس من أقاربهم على الخصوص يدعي (الإمامة) في زمانهم وهم سكوت أو متواطئون . هذا في حياتهم فلما ماتوا لم نجد بين أيدينا تفاصيل لهذه الحياة معروفة مشهورة -كما هي حياة النبي (ص) وسيرته- حتى يتمكن الناس من الاقتداء بهم. وأخيراً : لم تكن هذه الحياة في حقيقتها شاملة لكل مناحي الحياة : فحياة أحدهم مثل الحسن العسكري ليس فيها للفقير قدوة لأنه كان غنياً, وليس فيها لصاحب الأولاد قدوة لأنه عاش دون ولد, ولم يكن فيها للملوك والقادة مجال قدوة لأنه لم يتملك ولم يكن أميراً أو قائداً, وهكذا... إلخ .
بينما نجد رسول الله (ص) يشهر نفسه كنبي يجب على الناس طاعته ويتحمل الأذى هو وأصحابه من أجل ذلك, ولم يعرف الناس في زمانه نبياً آخر ادعى النبوة بحيث اختلط عليهم أمره فلا يفرقون بينه وبينه . بل أنكر رسول الله على المتنبئين الكذابين وأنكر عليهم خليفته من بعده وحاربهم حتى أنهى دعوتهم . وكانت حياة رسول الله (ص) شاملة لكل نواحي الحياة, ومعروفة على وجه التفصيل, وكتب السير احتفظت بأدق التفاصيل عنها : فقد عاش غالباً ومغلوباً وحاكماً ومحكوماً وضعيفاً وقوياً وفقيراً وغنياً وأعزب وزوجاً وطريداً وغازياً, وهكذا يجد المقتدي -مهما كانت حاله - مجالاً للاقتداء به لأن حياته شاملة أولاً وتفصيلية ثانياً ومعروفة ومحفوظة ثالثاً ورابعاً. وهذه كلها تفتقدها حياة (الأئمة) أو تفتقد كثيراً منها.
ولقد مات هؤلاء (الأئمة) ومات كذلك رسول الله (ص) فما وجه الحاجة إلى معرفة حياة رجال على هذه الصورة وعندنا حياة رسول الله (ص) على هذه الصورة ؟! فإن كانت حجة رسول الله (ص) انتهت بعد موته فهؤلاء كذلك ماتوا, فهل استمروا كحجج دون رسول الله ؟ أم إن حجة الرسول ناقصة فتحتاج إلى أن تجبر بغيرها ؟! وأما من تدعى له (الغيبة) فهو -كما يقولون- غائب لا يراه أحد ولا يتصل به وليست حياته معروفة ولا له قول ولا شيء من ذلك فما وجه حجيته أو الحاجة إليه ؟!
وإن كان الموت لا يقطع الحجة فعلام نحتاج إلى أحد غير رسول الله وحجة الرسول (ص) باقية غير منقطعة وليس هناك من بديل يوازيه أو يدانيه ؟!

8- سيد أهل البيت اعلم بما في بيته من غيره من الأقاويل المشتهرة على ألسنة الشيعة : (أهل البيت أعلم بما فيه) قلنا : لا بأس .. ولكن هناك أمر أرفع من هذا وأعلى ذلك أن سيد البيت وصاحبه أعلم من أفراد البيت وأهله بما فيه . سيما إذا كان هذا السيد هو رسول الله (ص) فإنه لا شك أعلم وأفضل, وهو سيد أهل البيت وأعلمهم بما فيه بلا منازع . فلنقارن هذا بالواقع لنقول :
ما الذي يجعلنا نأخذ الدين والحديث والروايات عن بعض أهل البيت دون سيده رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
وهذا سؤال قد يبدو غريباً على ذهن من تعود التفكير المجرد عن الواقع. وإلا فإن الشيعة في واقعهم -الذي هو شيء ونظريتهم شيء آخر على الدوام- يأخذون الدين منسوباً إلى أحد (الأئمة) دون رسول الله (ص) ! وأكثر من ينسبونه إليه هو جعفر بن محمد المعروف باسم الصادق . أما الأحاديث المروية في المصادر المعتمدة عندهم عن رسول الله فهي نادرة جداً لا تشكل نسبة يعتد بها لو قسناها إلى الروايات المنسوبة إلى جعفر الصادق بغض النظر عن صحة النسبة إلى رسول الله من عدمها !
فلماذا ؟ وأين أحاديث الرسول ؟ هل ضاعت؟ أم ذهبت حجتها وتوقف مفعولها في الحياة بعد مماته (ص) ؟!

لماذا روايات جعفر وليست أحاديث محمد (ص) ؟!
وحتى لو فرضنا جدلاً -كما يحتج به البعض- أن ما يروى عن جعفر لا يخرج عن قول الرسول فلماذا الاهتمام بمرويات جعفر دون مرويات الرسول ؟ هل استغنينا عن الرسول بغيره ؟! لماذا لم يحتفظوا بالأصل وهو ما جاء عن الرسول ؟! واحتفظوا بالفرع ؟ لماذا جعفر دون غيره من (الأئمة) ؟!
وإذا كانت روايات جعفر تساوي في الحجة أحاديث النبي (ص) أليست روايات من جاء من بعد مثل موسى الكاظم أو علي الهادي لها القوة والاعتبار نفسه ؟ فلماذا الاقتصار على واحد ؟!
ثم إذا كانت أقوال سيدنا جعفر تكفي في صحة الدين وحفظه فما وجه الاحتياج إلى غيره من (الأئمة)؟!
لقد كان الشيعة -وهذا افتراض منطقي- قبل وجود الإمام جعفر يتلقون دينهم عن غيره ممن سبقه من (الأئمة), حتى إذا جاء زمانه أخذوا عنه فما هو الدافع الذي اضطرهم إلى أن يقتصروا بعد مماته على التلقي عنه بحيث نسبوا مذهبهم إليه ؟ ومتى كان ذلك ؟ ولا شك -طبقاً لما يقتضيه المنطق- أن الشيعة صاروا بعد وفاة جعفر رحمه الله يتلقون أمور دينهم عمن جاء من بعده من (الأئمة), وكل (إمام) يغني عن غيره ويسد مسده فيقتضي هذا أن الشيعة استغنوا عن جعفر طيلة المدة التي استغرقتها حياة (الأئمة) الذين تلوه وهي تزيد على مائة عام ! فلماذا انقلب المسلسل ليرجع من جديد ويبتدئ بجعفر الصادق تحديداً دون غيره ممن سبقه أو لحقه؟!

لماذا جعفر وليس (المهدي المنتظر) ؟!
والإشكال يكبر مع الاعتقاد بوجود (الإمام المنتظر) الذي ينبغي أن يسد مسد غيره من (الأئمة) السابقين : جعفر فمن سواه ! أم إنه مسلوب القدرة عن أداء وظيفة (الإمامة) ؟ فلماذا هو (إمام) إذن ؟! وكيف تقوم به الحجة ؟!
ثم نقول : إذا كان النقل عن الإمام جعفر يكفي في العمل بالدين الصحيح فلماذا لا نكتفي بالذي قبله وهو الإمام محمد أبوه ؟ وإذا سلسلنا السؤال فسننتهي إلى التساؤل الكبير وهو : لماذا لا نكتفي بالنقل عن رسول الله (ص) ؟ وكلاهما لم نره لا جعفر الصادق ولا رسول الله (ص) وإنما وجدنا منقولات عن هذا وهذا . فإذا كان النقل عن الإمام جعفر يكفي فلماذا لم يكف النقل عن رسول الله ؟!

مغالطة خطيرة !
بعضهم يجيب إجابة باردة يقول : أنتم تأخذون رواياتكم عن الصحابة ونحن نأخذ رواياتنا عن أهل البيت. وهذا جواب من لا يتصور ما يقول. بل هو مغالطة خطيرة! فإنه لو كانت المقارنة بين أئمة أهل البيت وبين الصحابة لكان لهذا الجواب وجه يمكن أن ينظر إليه . ولكن المقارنة هي بين أئمة أهل البيت وبين إمام الأئمة كلهم -الأنبياء الكرام عليهم السلام فمن دونهم- رسول الله (ص) !!! فنحن لا نروي عن الصحابة ونتوقف عندهم كما يفعل الشيعة حين يروون عن (الأئمة) ويتوقفون عندهم لتصح المقارنة, وإنما عن رسول الله بطريق أصحابه . والبديل الذي اخترعه الشيعة هو الرواية عن بعض أئمة أهل البيت بطريق أصحابه. فالمقارنة العادلة يجب أن تكون بين رسول الله (ص) بطريق الصحابة وبين غيره من (الأئمة) بطريق أصحابه, ثم تأتي المقارنة بعدها بين أصحاب رسول الله وأصحاب غيره من حيث الأفضلية والعلم والصدق وغيرها من وجوه المقارنة.
والجميع لا يأخذ عن الأصل مباشرة وإنما عن طريق الرواة فرسول الله ينقل عنه الرواة وغيره كذلك ينقل عنه الرواة. فما الذي يجعلني آخذ برواية منقولة عن الإمام جعفر ولا آخذ برواية منقولة عن الرسول (ص) ؟!
هل عصم الله الناقلين عن جعفر دون النبي صلى الله عليه وسلم ؟!
هل عصم الله الرواة الناقلين عن الإمام جعفر من السهو والغلط والكذب دون من يروي عن رسول الله (ص) ؟! ولماذا ؟ والدين قد نزل على الرسول فكان وجوب حفظه بحفظ رواته متعيناً شرعاً وعقلاً وإلا ضاع الدين, فتكون العناية بأصحاب الرسول ينبغي أن تكون أكثر. فكيف نعقل أن الله زكى أصحاب جعفر وسلسلة الناقلين عنهم دون أصحاب الرسول الأعظم (ص) ؟! اللهم إلا إذا قلنا : إن الناقلين عن الأول هم معصومون يروون عن معصوم ! وهو افتراض لا أساس له في الواقع, ولكن طرافة الموضوع تغرينا بالاستمرار فنقول أيضاً تأسيساً على ما سبق : إذا كان الكل -أي حلقات سلسلة الرواة- غير معصومين فما ميزة البعض على البعض الآخر ؟!
وقد * سئل فضل الله :
لماذا لا يكون لدينا كتاب يحوي الأحاديث الصحيحة فقط عن الرسول وأهل البيت؟ فأجاب :
لان العلماء يختلفون في مقاييس الصحة, فقد يكون هناك حديث صحيح عند عالم, وغير صحيح عند عالم أخر .
[ الندوة / محمد حسين فضل الله ج1 ص 480 ] فان كان هذا الواقع فاين العصمة واين حفظ الشرع واين حفظ الدين ؟؟؟

الشيعة يجرحون رواتهم !
فكيف إذا كان الناقلون عن جعفر الصادق وغيره من (الأئمة) مجروحين في المصادر الرجالية المعتمدة عند الشيعة أنفسهم قبل غيرهم !! وهو أمر قد يبدو مستغرباً ولكنه الواقع والحقيقة . فارجع ان شئت إلى تلك المصادر -مثل (رجال الكشي) وهو أقدم كتاب عندكم, و(معجم رجال الحديث) للخوئي وهو من آخر ما كتبوا- فستجد فيها ذلك وما هو أعجب ! فمرة ينقلون عن (الأئمة) أنهم قالوا في الراوي -كزرارة بن أعين وهو أحد الرواة الأربعة الذين عليهم مدار الروايات- أنه من أهل الجنة, ومرة ينقلون لعنه وتكفيره عن(الأئمة) أنفسهم ! وهكذا قالوا في الرواة الثلاثة المعتمدين وهم أبو بصير الليثي المرادي ومحمد بن مسلم وجرير بن معاوية العجلي !! وبسط هذا له موضع آخر,وإنما أردت الإشارة .

ليس في الرواة عن (الأئمة) أحد من أهل البيت ثم إنه ليس في الرواة عن (أئمة أهل البيت) أحد من أهل البيت!!! بينما في الناقلين عن رسول الله (ص) عند أهل السنة رجال ونساء من أهل البيت منهم سيدنا علي - رضي الله عنه - الذي تحفظ له دواوين السنةأحاديثهم أكبر عدد من الأحاديث مقارنة ببقية الخلفاء الراشدين إذ أن ترتيبهم من حيث عدد الأحاديث كالآتي :
1- علي بن أبي طالب
2- عمر بن الخطاب
3- عثمان بن عفان
4- وأقلهم أبو بكر الصديق
وهذه حقيقة قد يجهلها الشيعة وقد يصدمون بها !
ومنهم عبد الله بن عباس, ومنهم أبوه عباس بن عبد المطلب والحسن بن علي وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب . ومنهم زوجات رسول الله, وهن بلا شك من أهل بيته كعائشة وحفصة وأم سلمة وأم حبيبة اللاتي خاطبهن الله بقوله : (( وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً )) (الأحزاب:34) .

9- لا يوجد إلا علماء غير معصومين
يقول الشيعة : لا بد من وجود (المعصوم) حتى نأمن من احتمال الخطأ, والعلماء -مهما كانوا- يخطئون, والقرآن لا بد له من مفسر (معصوم) من الزلل .
ولو تركنا هذه الخيالات المحلقة ونزلنا إلى أرض الواقع فإننا لا نجد إلا علماء ودعاة يحاضرون ويدعون ويُنظّرون ويكتبون ويؤلفون ويفسرون وهم ليسوا بمعصومين! فهل ما يدعوننا إليه صحيح تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة أم لا ؟ فإن كان صحيحاً مبرئاً للذمة فلا حاجة (للمعصوم) ! ثم كيف كان الأمر كذلك وهم ليسوا (بمعصومين)؟!
وإن لم يكن كذلك فأين هو (المعصوم) الذي يصح به الدين, وتطمئن إليه النفس, وتبرأ به الذمة ولا (معصوم) ؟!
ثم نسأل : اذا كان المقصود من الدين قد وقع وحصلت البراءة بواسطة العلماء فعلام اشترطتم (المعصوم) ؟!
ونسأل سؤالاً آخر : ألم يترك رسول الله (ص) -وهو أعظم مربٍّ وأعظم معلم عرفته البشرية- علماء يبلغون الدين ؟ فلماذا لم يحصل بهم المقصود الذي يحصل بغيرهم من غير (المعصومين) ؟! علماً أن بيان الرسول وبلاغه وتأييده وظهوره وحجته اعظم من غيره!
ومن أعطى لأولئك الصلاحية بالتكلم عن (الإمام المعصوم) دون من يتكلم عن رسول الله ؟! مع أن الحديث القائل : (العلماء ورثة الأنبياء)(1) متفق على روايته بين أهل السنة والشيعة !!
(1) رواه الإمام البخاري وغيره . ورواه كذلك الكليني في أصول الكافي 1/34.

وإن قالوا : لا بد من (المعصوم) فلا يمكن الاطمئنان إلى قول قائل أو فعله من دونه! قلنا : فقد ضاع الدين الذي تدعون إليه لأن دعاتكم غير معصومين ! وغير المعصوم يمكن أن يتطرق الخطأ إلى أي فكرة يدعو إليها لأنه لا يمتلك ضماناً بصحتها . فعلامَ تهرجون ؟ وإلامَ تدعون؟ واحتمال الخطأ وارد في كل جملة من كلامكم ومنه القول بـ(عصمة الأئمة) لأنكم غير معصومين !! فمن يثبت كلامكم هذا وأمثاله مع جواز الغلط عليه ؟ فإن قالوا : الأدلة تثبت ذلك . قلنا : مع عدم وجود (المعصوم)؟ فإن قالوا : نعم انتفت الحاجة إلى (المعصوم), وإن قالوا : لا فأين المعصوم الذي يؤيد كلامكم ؟ هلا سكتم وانتظرتم حتى يحضر غائبكم وينطق (معصومكم) !

10- اللطف بين الحقيقة المرة والخيال الجميل قال الشيعة: إن نصب (إمام معصوم) يمنع الناس من الوقوع في الزلل والاختلاف - لطف, وكل لطف واجب على الله . ولم يجعلوا من شروطه أن يكون ظاهراً معروفاً من الناس بحيث يتمكنون من الوصول إليه والأخذ عنه والتأكد منه !
 وإنما جعلوا اللطف في مجرد خلقه ووجوده وإن كان مستتراً خائفاً لا يدعو إلى نفسه ولا يعرف بها,بل قد ينكر كونه (اماماً) . أو كان مشتبهاً لا يميزه الناس عن غيره الذين يدعون دعواه نفسها . أو غائباً لا يمكن أن يراه أو ينتفع به أحد ! وحتى أجتنب الخوض في جدل فكري طويل أضرب مثالاً واقعياً لنتعرف من خلاله على نصيب هذا القول من الخيال :

المثال :
إن خلق الله لـ(إمام معصوم) لا يتمكن الناس من معرفته أو التمييز بينه وبين غيره, أو غائب يستحيل عليهم رؤيته واللقاء به يشبه أن تفتح الحكومة مدرسة وتعين لها معلماً تُحرّم على الناس التعلم إلا منه وتعاقب على ذلك أشد العقوبات . لكنها لم ترسله إلى المدرسة ولم يصل هو إليها ولم يعرفه أحد ولم يره, وإن رآه لم يستطع أن يميز بينه وبين غيره من المعلمين إذ ليس لديه أية علامة فارقة واضحة, بل إن كثيراً من المعلمين ادعوا أنهم هم ماذا ينتفع الناس من محكمة قاضيها الذي يفصل بين الناس غائب أو يدخل الناس هذه المحكمة لكنهم لا يعرفون القاضي المقصود من غيره ؟! هل هذه محكمة أم مهزلة ؟ ماذا يستفيد الناس -كما يقول أحمد الكاتب- من شرطي للمرور عينته الحكومة لكنه غائب لا يمارس مهام عمله من تنظيم السير مع أن شوارع المدينة مزدحمة وقد اختلطت فيها وتشابكت حركة السيارات ؟! فماذا ينتفع الناس من إمام غائب ؟! وأي لطف حصل لهم ؟!
إن الواحد منا -كما يقول الرازي- إذا احتاج إلى هذا الإمام الغائب أو غير المتمكن ليستفيد منه علماً أو ديناً, أو يجلب بواسطته إلى نفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة, فلو أتى بكل حيلة لم يجد منه البتة أثراً ولا خبراً !
وإذا كان القصد من نصب (الإمام المعصوم) أما منفعة دينية أو دنيوية فالانتفاع به يعتمد على إمكان الوصول إليه, فإذا تعذر هذا الإمكان تعذر الانتفاع به . وإذا تعذر الانتفاع به لم يكن في نصبه فائدة أصلاً, فكان القول بوجوب نصبه ووجوده عبثاً.
وأوضح دليل على بطلان مبدأ اللطف الواجب على الله سبحانه أنه لو كان مثل ذلك واجباً على الله لفعله, وبما أنه لم يفعله فهو غير واجب عليه سبحانه .

بين (الإمام) والنبي
وإن احتجوا بأن كثيراً من الأنبياء كانوا مقهورين, بل إن بعضهم قتل دون أن يحصل لهم تمكين قيل: هذا قياس مع الفارق, فإن كل نبي بعثه الله إنما أعطاه من البينات والحجج الظاهرة ما بها يُعرف ويشهر بين قومه . وكان كل نبي يظهر نفسه ويجهر بدعوته رغم ضعفه ويقيم الحجة الباهرة القاهرة على صدقه بحيث يصل ذلك إلى كل من أرسل إليهم ويجب عليه تبليغهم, وهم قادرون -لو أرادوا- على الوصول إليه ثم بعد ذلك اذا عصوه أو قتلوه فالذنب ذنبهم والشأن شأن شأنهم وقد قامت عليهم حجة الله التي قال عنها : (( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً )) (النساء:165) . وقال : (( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتى نَبعَثَ رَسُولاً )) (الإسراء:15)

وهذه العصمة (أي الحماية) خاصة برسول الله (ص) . ولذلك قام (ص) بتبليغ الدين كله دون خشية من أحد من الناس, فلم يكتم شيئاً ولم (يتق) أحداً إلا الله وحده . ولو كان الأشخاص الذين اتخذهم الشيعة (أئمة) مأمورين بالتبليغ كما أمر الرسول (ص) لعصمهم الله تعالى من الناس كما عصم رسوله . ولو كانوا كذلك لما عاشوا -كما يدعي الشيعة- مقهورين مغلوبين على أمرهم لم يتمكنوا من حماية أنفسهم إلا بـ(التقية) والكذب والتعامل مع الناس بإظهار عكس ما يبيتون من القول, ويبطنون من الأمر كحال الشيعة اليوم ! ومع ذلك فلم يسلم أحد منهم -طبقاً لما يدعي الشيعة-من القتل ولو مسموماً !
وهذا كله مما يتناقض مع دعوى (اللطف) و (العصمة) .

روايات مجنحة لا تستقيم مع الواقع
روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله(1) ما يلي :
- لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام .
- إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة لله عليه .
- ما زالت الأرض إلا ولله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله .
- إن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل.
- وعن أحدهما (عليهما السلام) : إن الله لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل.

إن هذه الروايات -كما يقول احمد الكاتب- تنقض نفسها بنفسها! إذ ما معنى الإمام والحجة؟ وما الفائدة منهما؟ أليس لهداية الناس وإدارة المجتمع ومنع الاختلاف وتنفيذ الأحكام الشرعية؟ فكيف يمكن للإمام غير الظاهر الذي لا يعلن عن نفسه, وغيره يدعي (الإمامة) في زمانه ويظهر نفسه دون إنكار ظاهر من (الإمام), بل قد يقاتل على ذلك ويلتف من حوله الأتباع الذين ليس عندهم علامة واضحة قاطعة على التمييز, والمدعون كثيرون والإمام الحق ساكت لا يبين للناس حجة, ولا يظهر لهم علامة على انفراده وتميزه ! غاية أمره أن يحدث بذلك خويصة أصحابه ! فكيف يمكن لمثل هذا أن يقيم الحجة على غيره ؟! بل كيف يتمكن الناس من معرفته والائتمام به دون سواه وهو على مثل هذه الحال؟!
فكيف إذا غاب منذ ألف ومائة عام وأكثر ؟! كيف يمكن للغائب أن يقوم بمهمة الإمامة والرئاسة ومهمة التبليغ وإقامة الحجة؟! ما الفرق بينه وبين المعدوم ؟! أو الميت ؟!
إن هذه الروايات تصرح بأن من وظيفة الإمام الحجة أن يعرِّف الناس الحلال والحرام ويدعوهم إلى سبيل الله, وأن الأرض لا تخلو من مثل هذا : (ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل), وأن آخر من يموت الإمام, وإلا فإن المتخلف عنه يمكن أن (يحتج على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة له عليه) فإذا غاب هل يمكن مع غيبته تحقيق هذه المقاصد العظمى ؟ فهل هناك من فرق بين المعدوم والغائب ؟!
(الغيبة) جريمة تستحق العقوبة
عاقب الله - جل جلاله - نبيه يونس (عليه السلام) لما ترك قومه وغاب عنهم قبل أن يقوم بما عليه تجاههم من مهمة التبليغ. فلو كانت الحجة تقوم على الناس بغائب لما وقع ذلك.
ولأن الحجة لم تتم بحقهم بسبب (غيبة) نبيهم وتركه إياهم ارتفع عنهم العذاب ولم يقع. وكان الذي عوقب وعذب هو الذي تركهم وغاب وإن كان نبياً ! بل هذا أدعى لمعاقبته كما قال تعالى : (( إِذاً لأذَقنَاكَ ضِعفَ الحَيَاةِ وَضِعفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيراً )) (الإسراء:75) ولو كانت الحجة تقوم على الخلق مع الغيبة لما ارتفع العذاب عن قوم يونس - عليه السلام - .اجب ان استطعت ؟؟؟

فأين اليوم هذا (الإمام) (الذي يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله) ؟! يقولون : قد غاب ! أليس هذا تنصلاً عن وظائف (الإمامة) كما افترضها الإمامية ؟! أليس هذا (الإمام) الغائب العاطل عن أي وظيفة, الذي ترك شيعته يواجهون مصيرهم بأنفسهم وهرب بجلده خوفاً على نفسه وحرصاً عليها دونهم يستحق المقت والعقاب ؟!
إن عجبي - والله - لا ينقضي من تناقض القول بوجوب وجود (إمام معصوم) يقيم الحجة على الناس مع القول بغيبته وعدم وجوده في الوقت نفسه ! ثم جعلهم هذا واجباً على الله مع أن الله لم يقم بهذا الواجب !!
أليس هذا هو عين الخيال والفكر المجرد, بل المغرق في التجريدية والابتعاد عن الواقع ؟!
فالله يجب عليه تنصيب إمام ظاهر يفصل بين الناس ويقيم حجته عليهم لكنه لم ينصبه!
و(الإمام) لا بد من وجوده ظاهراً ليزيل الخلاف والاختلاف ولكن الخلاف والاختلاف لا زال موجوداً !!
و(الإمام) يقيم الحجة ويعلم الدين ويفسر القرآن, كل هذا في الخيال ولا نصيب له من الواقع !!!
و(الإمام) موجود ولكن إذا سألت : أين هو ؟ قالوا : غائب!!!! فكيف أصل إليه ؟! وكيف تقوم الحجة بشخص غائب لا وجود له ؟!! وكيف يسمى حجة الله مع أن الحجة يجب أن تكون حاضرة ظاهرة ؟!!! فكيف تحضر وتظهر إذا كان صاحبها خائفاً غائباً ؟!!!!
وإذا كان الذي لا تقوم الحجة إلا به غائباً فحجة الله غائبة ! وإذا كانت الحجة غائبة فلا حجة !! وإذن بطلت حجة الله على خلقه!!! وبطل الدين !!!! وقضي الأمر واستوت على الجودي !!!! وقيل بعداً للقوم المؤمنين !!!!!
(( سُبحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ )) (الصافات:180) . بل الأمر كما قال تعالى : (( قُل فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ فَلَو شَاءَ لَهَدَاكُم أَجمَعِينَ )) (الأنعام:149) . وحجة الله تعالى قامت بنبيه محمد (ص) واستمرت به ظاهرة باهرة في كتاب الله سبحانه وسنة نبيه (ص) . وكتاب الله محفوظ وسنة نبيه معلومة, ولكن كما قال تعالى : (( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الفَاسِقِينَ )) (البقرة:26).
وهكذا ... تبين أن هذه العقيدة خيالية افتراضية لا حقيقة لها ولا سند ولا واقع ولا برهان, أملتها مقاصد وأسباب لسنا في صدد ذكرها . فحاولوا دعمها والبرهنة عليها باتباع متشابه القرآن وتأويلها على ما يشتهون, وباختراع الحجج التي أسموها عقلية ثم بصنع الروايات وإلا فإنها لا أصل لها في الدين .

*************************

(1) أصول الكافي 1/178 باب (إن الأرض لا تخلو من حجة)
الجواب:

الأخ أبا جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأول:
الظاهر من استهلال هذا الكاتب أنه يفتقر إلى الدقة العلمية ويعتمد على أسلوب الصحافة والإلقاء الإعلامي, فانه يقول: ((ان الخيال المجنح الذي يطير بجناحيه فوق الواقع له أكبر نصيب في الإيمان بفكرة العصمة)), ولا نعرف ما هو الواقع الذي يريده والذي جعل مقابله الخيال فإن للواقع مصطلحات عديدة تختلف باختلاف المدارس العقلية الفلسفية.
فإن الواقع يراد به الثبوت والعينية مقابل السفسطة وإنكار والوجود, فمن يثبت الواقع يسمى بالواقعي ومقابله السفسطائي الذي يقول أن الوجود كله خيال ولا عينية وثبوت له وهو منهج الشك المطلق, وهناك من يلتزم منهج الشك الجزئي ولا يثبت إلا الوجود المادي الحسي وينكر الوجود العقلي المجرد ويجعله من المثاليات والخيالات وهؤلاء هم الماديون, والظاهر أن صاحبنا متأثر بهم ويتبع منهجهم لأنه يقول: ((وإلا فبمجرد أن يغادر صاحبه ميدان الجدل والفكر المجرد ليدخل ميدان التطبيق والواقع)).
فبظاهر مقابلته بين الواقع والفكر المجرد يظهر أنه يتصور أن الواقع هو الوجود المادي الحسي الخارجي ولا مجال للوجود العقلي المجرد, مع ملاحظة الإختلاف بين الجدل, فهو صناعة بحثت في علم المنطق ولا تثبت شيئاً بالقطع والدليل وبين الفكر أي صناعة البرهان, والشيعة يثبتون الإمامة والعصمة بالبرهان العقلي, ولكن هذا الكاتب لا يميز بينهما!
وكان الأجدى به لو أراد الإشكال أن يقول: انّ أدلة الشيعة العقلية ليست أدلة برهانية, وإنّما هي من نوع الجدل الذي لا يثبت شيئاً بالقطع واليقين. أو يقول مثلاً: انهم يتخيلون أنها أدلة عقلية ثم يبدأ بالجواب عليها.
مع إنا لم نعرف هل هذا الكاتب ينكر العقل وحجيته في معرفة العقائد ومن ثم الإيمان بها, أو بالأحرى هل يعتقد بمدخلية المعرفة العقلية بالإيمان أو لا ؟ لأنّا نراه يستشكل وينقض بالتطبيق وما وقع خارجاً عبر الزمن, وإن كان خاطئاً فيه أيضاً كما سيأتي!!
ثم هل هو يتهم الشيعة بأنّ ما يدعونه من أدلة هي من عالم الخيال - أي صور خيالية كما تتصور العنقاء مثلاً - أو هي من عالم العقل - أي قائمة على قضايا برهانية وقياسات منطقيةـ؟
فإن كان يتصور أن أدلتهم من عالم الخيال, فهذا لا يقول به أحد من المخالفين, بل لا يقول به عاقل! وإن كان يدعي أنّ الشيعة يقدمون أدلة على شكل قضايا برهانية وقياسات منطقية ولكنها خاطئة ومبنية على المغالطة, فعليه أن يردها بالدليل والبرهان العقلي لا أن يحاول الهروب إلى التطبيق كما يدعي! لأن مجال التطبيق مرحلة متأخرة عن ثبوت النظرية والبرهان عليها, وعدم الحصول الخارجي المدعى - المقصود من قوله بالتطبيق - لا يلازم خطأ الاستدلال البرهاني العقلي, لأنه يعتمد على مقومات وشرائط من جنس تختلف عن المقدمات والقضايا العقلية.

الثاني:
إنّ المنهج النظري المستخدم في المناقشات العلمية ينقسم في الأغلب إلى مرحلتين:
الأولى: مرحلة الحلّ, وهي مرحلة يقوم بها المناظر بالإجابة على أدلة المقابل ودحضها وبيان خطأ مقدماته مادة وصورة.
والثانية: هي مرحلة النقض, بأن يأتي المناظر بقضية يثبت بها المناقضة مع ما يدعيه الخصم عقلاً. وأحد أنواع النقوض هو الإتيان بواقعة خارجية تنقض البرهان العقلي الذي تستند عليه النظرية.
وصاحبنا قفز على مرحلة الحلّ الى النقض مباشرة!! إذ أنه لم يشر ولو من بعيد إلى الأدلة النظرية للشيعة الإمامية في إثبات الإمامة والعصمة ثم محاولة ردها, وإنما انتقل مباشرة إلى ما يدعيه من التطبيق. وسنرى ما في محاولة نقضه من أخطاء وتهافت.

الثالث:
يقول: ((وهكذا يمكن القول بأنّ هذه العقيدة - أي العصمة - هي فكرة افتراضية خيالية لا يمكن وجودها إلا تصوراً في الأذهان دون إمكان تحقيقها ولا الاستفادة منها في زمان ولا مكان)), وكأنه غفل عن عقيدة المسلمين كلهم بعصمة النبي (صلى الله عليه وآله), واتفاقهم على عصمته في التبليغ, وانفراد الشيعة بعصمته قبل البعثة وبعدها. فإذا كانت فكرة العصمة لا يمكن تطبيقها في الخارج, فانه قد خطأ المسلمين قاطبة, وخالف إجماعهم بأنها طبقت في شخص الرسول(صلى الله عليه وآله) على الأقل في التبليغ!! فانهم - أي المسلمين - مجمعون بتحقيق هذه الفكرة زماناً ومكاناً, وإمكان الاستفادة منها على الأقل في حياة الرسول(صلى الله عليه وآله).
وإن إدعى بانه يقصد العصمة المطلقة الشاملة للذنب والخطأ والسهو قبل البعثة وبعدها وأنها غير قابلة للتحقق, فكان عليه أن يورد أدلة الشيعة في ذلك, ثم يردها حلاً ونقضاً بنقاط غير ما أورده - وهناك كتب بحثت ذلك تفصيلاً يمكن مراجعتها - لا أن يورد ما ذكره من نقاط (سوف يأتي الجواب عنها بالتسلسل), فان ما أورده ينحصر مناطه في العصمة في التبليغ والتشريع!

الرابع:
يقول: ((بل لا حاجة إليها بعد أن كمل الدين وتمت النعمة وتعهد الله بحفظه)), وهنا وضح الخلط في كلامه! فان ما قدمه كان محاولة مناقضة أصل إمكان العصمة, وفي هذه العبارة كأنه أقر بإمكان وجودها قبل إكمال الدين واتمام النعمة, ولكنه يدعي أنها بعد إكماله مناقضة للواقع!
ولكنه نسى أنه:
1- يخالف ما عليه واقع أهل السنة ورؤساء مذاهبهم, وإلا لم يلجؤوا إلى القياس والاستحسان وسد الذرائع.
2- يخالف ما عليه اعتقاد خلفائه الثلاثة بل كلّ خلفائه, فهذا أبو بكر وعمر وعثمان يصرحون بأنهم إذا لم يجدوا شيئاً في القرآن والسنة قالوا فيه برأيهم. بل يكفي في النقض قولهم: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ينص على الخليفة بعده وأوكل الأمر إلى رأيهم.
3- انّ الشيعة يدعون أنّ الدين كمل بالإمامة وبعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير, وفيه نزلت آية إكمال الدين, وأن الله تعهد بحفظه عن طريق المعصومين, وهو محفوظ عند شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لا عند غيرهم.
4- انّ القرآن فيه تبيان كلّ شيء, ولكنه على شكل قواعد كلية كمنزلة الدستور عند الدول, وأمّا القوانين المتوسطة والجزئيات فلم يسع زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبيانها, خاصة وأن الجزئيات غير منحصرة ومتجددة عبر الزمن, فلذا إحتاج إلى قيم وحافظ ومبين للقرآن والشريعة. كما هو الأمر في القوانين التي تصدرها البرلمانات في الدول وهي بمثابة المتوسطات, وكذا الأمر في الأجهزة التنفيذية التي هي بمنزلة الجزئيات.

الخامس:
هناك جواب عام على مجمل ما أشكله هذا الكاتب يتركز على نقطة محورية واحدة:
انّ الإمامية استدلوا على وجوب الإمامة بأدلة, واستدلوا على لزوم أو إشتراط عصمة الإمام بأدلة أخرى في عالم الإثبات, وإن كانت العصمة لا تنفك عن الإمامة في عالم الثبوت, فإذا ورد النقض فرضاً على أدلة العصمة فلا يعني هذا انتقاض أدلة وجوب الإمامة, وهذا الكاتب توهم ذلك, هذا أولاً.
وثانيا: انّ حصول التصرفات المعصومة في الخارج ليس من ماهية الإمامة بشيء ولا لازمة لها كالعصمة كما حاول المستشكل إيهام ذلك بنقوضاته, بأن جعل عدم حصول التصرف للإمام وعدم بسط اليد دليل على عدم وجوب الإمامة وعدم حصول العصمة, إيهاماً بوجود التلازم بينهما! فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
وذلك لأنا نقول: بأنّ وجود الإمام لطف, وتصرفه لطف آخر.
وبيان ذلك: أن لطف الإمامة متقوم بثلاث جهات: جهة مختصة بالله وهي بأن يوجد الإمام, وجهة مختصة بالإمام نفسه بأن يهيء نفسه للإمامة, وجهة مختصة بالأمة بأن تكون قابلة لأتباع الإمام.
فالجهتان الأولى والثانية وهي المختصة بالله وبالإمام نفسه هي الأصل, وقد تمت وحصلت, فالله قد أوجد الإمام والإمام هـّيء نفسه حتى لا تكون للناس على الله حجة بعد الرسل, ولكن بقيت الجهة المختصة بالأمة وهي الفرع, فهي إما شرط, أو عدم مانع, بأن يكون عدم استعداد مواليه واتحادهم أو خوفه من أعدائه مثلاً مانع من تحقق لطف الإمامة في الخارج وحصول التصرف المعصوم وبسط اليد.
ولا يقال: انّ الله قادر بأن يهيء الأمة, لأن ذلك يؤدي إلى بطلان الإختيار! حيث جعل الله إطاعة أوامره التشريعية بالإختيار لا الإجبار. ولا يقال: انّ عدم تهيّء الأمة يؤدي إلى عدم وجود الإمام, لأن تهيء الأمة فرع مترتب على وجود الإمام من قبل الله, فلا يتقدم الفرع على الأصل, إذ يجب حصول الأصل في اللطف ثم حصول الفرع, فإذا لم يحصل الفرع بتقصير الأمة لا يلزم منه عدم حصول الأصل من قبل الله, وذلك حتى لا يبقى للناس على الله حجة بعد الرسل.

السادس:
ونبدأ بالإجابة على ما أثاره من نقاط بالترتيب:

1- قال: ((الأخذ عن المجتهدين المعصومين: من الأفكار الخيالية التي يعيشها الشيعة كأنها حقائق لا تقبل الشك قولهم: اننا نأخذ ديننا من أئمة معصومين فنحن واثقون من صحته بينما غيرنا يأخذ دينه عن رجال غير معصومين فلا ثقة بما يقولون)).
نقول: انه أوّل ما بدأ كلامه بمغالطة! فشيعة اليوم وقبلهم إلى ما بعد الغيبة الصغرى لا يقولون أننا نأخذ ديننا من معصومين, بل يقولون أننا أخذنا ديننا من معصومين لمدّة تزيد على ثلاثمائة عام, وغيرنا لم يأخذه عن معصوم إلا لمدّة عشرين سنة, بل عشر سنوات وهي سنوات الهجرة إلى المدينة, ومن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذناه عن أشخاص ثقات لا يمتنع عليهم الخطأ والكذب بل التحريف كما هو الواقع. والفرق واضح في درجة الوثوق والإطمئنان في أخذ الدين بين الطريقين, فإن في المدّة الممتدة قرابة ثلاثمائة عام ثبتت وترسخت مفاهيم الدين الكلية والمتوسطة بل ومعظم الجزئيات عن طريق الأئمة (عليهم السلام), لكثرة ما كرروها وأكدوا عليها بالنص المعصوم منهم, وبالتالي حصول القطع لنا في كثير من أمور الدين, بخلاف مخالفينا إذ أكثر ما يدعون القطع به لا يتجاوز عدّة عشرات من المسائل, بل انّ منهم كأبي حنيفة ردّ معظم السنة لأنه أتهم أسلافه بإخفائها بعد المنع من التدوين! فالفرق بيننا واضح في درجة الوثوق لمن هو منصف.
وقال: ((ويقولون: أن وجود المعصوم يحصل به رفع الخلاف وعند عدمه تقع الأمة في التنازع والاختلاف)).
نقول: هذه الشبهة أخذها من القاضي عبد الجبار وأجابه عليها السيد المرتضى (ره). وإنا لا نقول أنّه يرتفع الاختلاف جملة, بل نقول: انّ الإمام رافع للخلاف عندما يكون المفزع إليه عند وقوع الخلاف, كما قال الله تعالى: (( فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأوِيلاً )) (النساء:59), ولا يقع القرآن في مكان الإمام كما يدعي البعض لأنه حمال أوجه, وقد رجعت الأمة إليه من أوّل وقتها إلى الآن ولم يرفع خلافها.
كما أنه خلط بين زمن حضور الإمام (عليه السلام) - فانه رفع الخلاف بين الشيعة - وبين زمن غيبته وعدم الوصول إليه وعدم بسط يده! وهذا ناتج من تقصير الأمة كما قدمنا.

ففي زمن حضور الإمام لا يصح كلامه في ما يحاول من نقض على فكرة العصمة, لأنها كانت متحققة عند الشيعة. نعم له أن يسأل عن زمن الغيبة؟ ولكن هذا لا ينقض أصل الفكرة كما يحاول دون جدوى, فهو قد أدعى مدعاً عاماً وأقام عليه الدليل خاصاً وهذا من أوضح المغالطات المعروفة.
فأنظر إليه كيف حصر إستدلاله في زمن الغيبة إذ يقول: ((ولو غادر أحدهم ميدان الفكر المجرد ونظر إلى الواقع لوجد نفسه عملياً لا يختلف عن أولئك الذين ينتقدهم ويتبجح عليهم لأنه سيجد نفسه كغيره تماماً يقلد رجلاً يطلق عليه أسم المجتهد يخطيء ويصيب وليس إماماً معصوماً وهذا المجتهد غير معصوم فاين يوجد اليوم ذلك المعصوم الذي ياخذ عنه الشيعي دينه حتى يصح قوله السابق))! فإنّ الشيعة في زمن حضور المعصوم يتبعون المعصوم فلا يرجع عليهم هذا النقص, وبالتالي فإنّ فكرة العصمة وثبوت الإمامة في ذلك الزمن لا خدشه فيها, وهذا يكفي لنقض مذهب مخالفينا.
نعم له أن يناقش تطبيق هذه الفكرة في عصر الغيبة, وهذا لا يكون مناقشة في أصل العصمة والإمامة, بل في الغيبة ووقوعها, بل أن ثبوت الإمامة وعصمة الأئمة بالأدلة وتطبيقها زمن الحضور يجعلنا نقطع بوجوب وجود إمام وإن كان غائباً, ثم نفسر غيبته بأدلة أخرى.
هذا وانّ تقليد المجتهدين اليوم يختلف جذرياً عن تقليد مجتهدي العامة! فكما أوضحنا أن النص المعصوم لمدّة ثلاثمائة عام أوسع دائرة بكثير وأوثق من النص عند مخالفينا, وبالتالي تم حصر دائرة الخلاف بين المجتهدين في دائرة ضيقة وهامش محدود حصل التسامح به لوقوع الغيبة وظروفها, وما فات في هذا الهامش لطف فوتته الأمة على نفسها ولا يرجع على الله - نعوذ بالله - هذا أولاً.
وثانياً: قد خفي عليه أصل أصيل عند الشيعة! وهو أنّ المجتهدين لا تكون الحاكمية لهم في الافتاء بالإستقلال حتى على مبنى ولاية الفقية, على العكس من مخالفينا.
هذا والمجتهد عندنا نتيجة لضيق دائرة إجتهاده في الجزئيات لا يتعدى إلى كليات الدين والقوانين المتوسطة التي رسخها أئمتنا (عليهم السلام), على العكس من غيرنا.
وإن كانت الكليات موجودة في القرآن وسنة الرسول(صلى الله عليه وآله) وكذلك بعض المتوسطات, ولكنها أولاً غير مبينة بشكل كامل كما وضحه الأئمة لنا, وثانياً لم تصل إليهم بالشكل القطعي الراسخ أو المطمأن إليه.

ومن هنا قد نجد مناسبة لما هو المبنى عند الطرفين, فإنّ الإمامية تبني على التخطئة في الإجتهاد - أي أن المجتهد قد يصيب الواقعة الجزئية أو يخطئها ويكون الرأي الإجتهادي ظاهريّاً على كلّ حال ـ, بخلاف مخالفينا فإنّ مبناهم التصويب للمجتهد - أي أنه إذا إجتهد واستنبط فانه يقع على الواقع, أو أن الله ينشيء حكماً على طبق فتواه فتكون فتواه صحيحة على كلّ حال ـ, ولعل ما ألجأهم إلى هذا الأمر قلّة القوانين المتوسطة لديهم فإحتاجوا إلى إنشائها بالإجتهاد ومن ثم التصويب.
وقال: ((ولا يمكن لهم غير ذلك لأن المعصوم إما مفقود وكما عليه الحال اليوم وإما على افتراض وجوده فان التقاء الناس به غير ممكن ...الخ)).
نقول: كأنه تنبه هنا لعموم الدعوى وخصوص النقض السابق الذي أورده, فأراد أن يستدرك, ولكنه جاء بالطامة! فأوّل ما ينقضه عصمة الرسول(صلى الله عليه وآله), فما يقوله هناك نقوله هنا, إذ من الواضح أن النقض هنا مبني على عصمة التشريع وهم يقولون بها في الرسول(صلى الله عليه وآله), مع أنّ الجواب عليه قد ذكره المرتضى في الشافي رداً على القاضي عبد الجبار.
فإننا أوّلاً لا نوجب إماماً واحداً بالدليل العقلي الذي نعتمده على وجوب الإمامة وهو اللطف, بل ما اقتضاه اللطف, فانه ربما اقتضى أكثر من إمام بصفاته في عدّة أماكن, وإنما نقول بإمام واحد بأدلة أخرى, ولما ثبت بالقطع عند المسلمين بأنّ الإمام واحد, وثانياً أن وجود إمام معصوم واحد وتحته الأمراء والولاة يرجعون إليه يسددهم ويرد المخالف منهم يكفي في إتمام الغرض, كما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفعله, فمن هو بعيد عن الإمام وداخل تحت سلطة الإسلام لابد أن تصله أوامره ونواهيه وأقواله وأفعاله وإن كان بالتتابع والتدريج, وهذا كاف في البين إذ لا يوجب العقل أكثر من ذلك, فإن وجود الأمراء والولاة في كلّ بلدة يقوم مقام الرئيس والإمام, ولا نثبت العصمة إلا لإمام الكلّ, لأنّ ما تحته من أمراء وولاة يقعون تحت أمره ونهيه وردعه وحثه, وليس فوق الإمام إمام, فتثبت العصمة له وحدّه بالعقل.
وقوله: (( فما الفرق بينهم وبين بقية المسلمين الذين يتبعون العلماء والمجتهدين ولا يؤمنون بمعصومين غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) )).
نقول: فقد بيّنا الفرق, ولكنه هو لم يبين الفرق بين إثبات العصمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي وقت معين, وبين عدم إثباتها للأئمة (عليهم السلام), أو في كلّ وقت, مع أن الدليل والمناط العقلي واحد والحاجة حاصلة في كلّ وقت وعلى الدوام!
وما أورده من نقوضات - لو قلنا أنها نقوضات - فهي واردة أيضاً على قولهم بعصمة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

2- قال: ((استحالة تواجد المعصوم في كلّ زمان ومكان ..الخ)).
نقول: هذا تكرار لما سبق في النقطة التي قبلها وقد أجبنا عليه. والظاهر أنّ هذا المستشكل يفهم من القول بالعصمة بوجوب مباشرة كلّ الناس للمعصوم في كلّ حركاتهم وسكناتهم وعلى طول اللحظات الزمنية في حياتهم وكأنهم مكائن آلية, أو أنّ الغرض من وجود المعصوم لكي يجعلهم معصومين مثله, وأن فائدة العصمة لا تتم إلا بهذا التصور الذي هو أحق أن نقول فيه أنه خيال.
ومن الواضح أنّه لم يفهم دليلنا على وجوب الإمام, ودليلنا على عصمته! فإنّ جهة حكمنا بكون الإمامة لطف هو حكم العقل بوجوب وجود رئيس للناس, وأنهم أقرب لصلاح الحال معه لو كانوا بدون رئيس يردعهم عن الخطأ والتجاوز والتقصير, وسبب احتياجهم إلى رئيس بهذا الشكل هو عدم عصمتهم فيحتاجون إلى رئيس يقومهم, ولازم ذلك ثبوت العصمة لهذا الرئيس, وإلا كان كأحدهم يحتاج إلى إمام وهلم جراً فيتسلسل.
ودليل العقل هذا من جهة اللطف لا يثبت أكثر من وجوب العصمة للإمام, بحيث يستطيع أن يسودهم بأعوانه من الأمراء والولاة ما تصل إليه سلطته وأخباره, كما هو الحال مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يثبت كلّ المسلمين عصمته, ولو تأمل هذا المستشكل قليلاً لرأى أن كلامه يعود بالنقض عليه من جهة رسول الله (صلى الله عليه وآله)!
أمّا الإشكال في زمن الغيبة, فقد أجبنا عليه سابقاً أيضاً, وأنّه لطف ضيّعه الناس على أنفسهم بمقدار ما, مع أنّ الإمام تدارك هذا اللطف بلطفٍ أضعف منه, ولكن مما لا بد منه وهو نصبه للسفراء, وعندما امتنع هذا اللطف أيضاً تداركه بلطف آخر أضعف من الأولين وهو نصبه للفقهاء بالنيابة العامة, على أنّ هذا المستشكل لم يعرف طريقة إنزال الشرائع من قبل الله وكيفية تبليغها وجهات قبول الناس لها.

3- هنا نقدم أولاً تقرير الإستدلال على ما ذكره المرتضى (ره) في (الشافي) حتى يتضح مراد الشيعة منه:
قال المرتضى (ره): ((قد علمنا أن شريعة نبينا عليه السلام مؤيدة غير منسوخة ومستمرة غير منقطعة فان التعبد لازم للمكلفين إلى أوان قيام الساعة ولابد لها من حافظ لأن تركها بغير حافظ إهمال لأمرها وتكليف لمن تعبد بها ما لا يطاق وليس يخلو أن يكون الحافظ معصوماً أو غير معصوم فان لم يكن معصوماً لم يؤمن من تغييره وتبديله وفي جواز ذلك عليه وهو الحافظ لها رجوع إلى أنها غير محفوظة في الحقيقة, لأنه لا فرق بين أن تحفظ بمن جائز عليه التغيير والتبديل والزلل والخطأ وبين أن لا تحفظ جملة, إذا [إذ] كان ما يؤدي إليه القول بتجويز ترك حفظها يؤدي إليه حفظها بمن ليس بمعصوم, وإذا ثبت أن الحافظ لابد أن يكون معصوماً استحال أن تكون محفوظة بالأمة وهي غير معصومة والخطأ جائز على آحادها وجماعتها, وإذا بطل أن يكون الحافظ هو الأمة فلا بد من إمام معصوم حافظ لها))(الشافي في الإمامة 1/179).
وننبه هنا: انّ هذه الشبهات قد أثارها كلها القاضي عبد الجبار المعتزلي من قبل وأجاب عليها السيد المرتضى (ره) في (الشافي) بما لا مزيد عليه. ولكن لا ينقضي عجبنا من هؤلاء السلفية أو الأشاعرة أنهم بعد عجزهم في مقام الدليل يلجؤون إلى إنتحال قول من يكفرونهم كالمعتزلة!! وليس إلا من أجل الرد على الشيعة .

وعلى كلّ, نقول في جواب هذه الشبهة: من قوله: ((فإذا كان المعصوم ضرورياً لحفظ الدين والدين لا يتم ولا يحفظ إلا به فأين هو المعصوم في زماننا...الخ)), انه جاء هنا بعدّة مغالطات! إما لقصر فهمه عن إيراد الإشكال, أو متعمداً لإيهام القارئ, ونحن نبين ذلك بالتدريج, فنقول:
انّ وجود الإمام وكونه حافظاً لطف, وبسط يده وتحقق الحفظ لطف آخر, ولا يلزم من عدم تحقق اللطف الثاني - وهو تحقق الحفظ على الفرض - انتفاء اللطف الآخر وهو عدم وجوده (عليه السلام). وسيتوضح ذلك أكثر بما يسترسل من الجواب لاحقاً.
بل نحن نقول: أن الإمام الحيّ الموجود هو حافظ للدين الآن حقيقة بما أودعه الله عنده من علم وبما ورثه عن آبائه (عليهم السلام) عن جدهم (صلى الله عليه وآله), ولكن عدم بسط يده من قبل المكلفين ومنعه من إظهار ذلك الحفظ علانية جاء من قبل المكلفين أنفسهم بعد أن أخافوه ومنعوه ووقفوا أمام بسط يده.
فنحن نقول: بعد ما كانت شريعة محمد (صلى الله عليه وآله) مؤبدة إلى يوم القيامة, فلابد من أن يجعل الله لها حافظاً يحفظها من التبديل والتحريف وهو حاصل بوجود الإمام المعصوم, ولكن ليس على الله أن يجبر المكلفين على التسليم, لأنه وظيفة من باب الاختيار, وإذا ارتفع الاختيار بطل التكليف, وقد ذكرنا سابقاً أن لهذا اللطف أصل وفرع ومتوسط بينها, فالأصل إيجاد الإمام من قبل الله, والمتوسط تهيئة الإمام نفسه لأداء وظيفته, والفرع قبول الأمة وتمكينها للإمام من بسط يده.
بل نقول: انّ الإمام (عليه السلام) حافظ للشرع الآن وبالفعل والواقع الخارجي, فانه لا يلزم إذا لم يتمكن الإمام من حفظ الدين والشرع لكلّ الناس وفي كلّ زمان ومكان أن يكون ليس حافظاً للدين لبعض الناس وفي زمان ومكان معينين, كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان حافظاً للدين وهو في المدينة ويده بعد لم تكن مبسوطة على مكة أو كلّ الجزيرة, وكما كان علي (عليه السلام) حافظاً للدين لأتباعه في الكوفة وإن لم يكن حافظاً له في الشام لعدم بسط يده عليه.
ونحن لا نمنع من أن يكون الإمام الحجة الغائب حافظاً للدين لبعض أوليائه وتابعيه ممن يتشرفون بلقائه بل يحفظ الدين لشيعته عن طريقهم بمختلف الأساليب التي لا تعارض غيبته. وملخص هذا الجواب أن من فات الحفظ للدين عليه فانما واُتي من قبل نفسه وتقصيره . هذا .
ونحن لا نقول أن الإمام الآن ليس بحافظ كما أراد من التمويه والمغالطة حتى يتم له ما اراده من النقض, مع أن عدم تحقق الحفظ خارجاً لو كان على نحو التسليم والفرض لا يلزم منه نفي وجود الحافظ كما بينا.
ونحن لا نقول أن حفظ الدين ليس ضرورياً وواجباً في حال الغيبة بل نقول أنه ضروري وواجب حال الحضور للإمام وحال الغيبة ولكن الحفظ يتم ويظهر حال الحضور ولا يتم ويظهر حال الغيبة لعدم أنبساط يده والتقصير جاء من قبل المكلفين أنفسهم.
ولنا أن ننقض عليكم بما تقولون من وجوب نصب خليفة من قبل أهل الحل والعقد لحفظ نظام الإسلام وحفظ الثغور وإقامة الحدود, فإن نظام الإسلام وحفظ الثغور وإقامة الحدود الآن ومنذ مئات السنين غير متحقق؟ وبالتالي فلازم ذلك سقوط وجوب نصب خليفة على أهل الحل والعقد الآن!!
فإن الفرق بيننا وبينكم أننا نوجب نصب إمام من قبل الله سبحانه وتعالى وأنكم توجبونه على أهل الحل والعقد وذلك لا يوجب فرقاً ههنا.

أمّا قوله (وما الفرق بين أن يكون معدوماً وان يكون مختفياً...الخ) فقد وضح مما بينا من أن حفظ الدين لا يتم إلا بإيجاد الإمام من قبل الله تعالى وتقبل وتهيئة الإمام نفسه لذلك فإذا منعه الناس من حفظ الدين (على الفرض) فقد أجرموا بحق أنفسهم وأصابهم ما جنته أيديهم ولا يجبرهم الله بالقهر أو بأنزال الملائكة على ذلك لأنه يؤدي إلى سقوط التكليف وأمّا إذا لم يوجده الله فإن الحجة ستكون للمكلفين على الله لا عليهم.
فإن الإمام حافظ للدين والشرع وقد أوجده الله واستعد لذلك بنفسه فمتى ما مكنه المكلفين من ذلك تمَّ له ما أراد.
هذا كله إذا سلمنا عدم تمكن الإمام من حفظ الدين الآن وإلا على ما ذكرنا من أننا نعتقد بأنه (عليه السلام) حافظ للدين ولو على نحو الموجبة الجزئية فيسقط الإشكال من أصله وليس لقائل ان يدعي علينا بانا نقول أن الإمام حافظ للشرع على نحو الإطلاق والشمول لكلّ ما يتعلق بالشريعة لكلّ الناس وفي كلّ زمان ومكان بل نحن نقول أنه حافظ للشرع ما وسعه ذلك ومكنه الناس منه.
وبهذا وضح الجواب عن السؤال عن الحكمة من وجوده مختفياً. فلاحظ.

4- قوله: ((لا شك أن الدين محفوظ وكامل والنعمة تامة مع عدم وجود المعصوم ..الخ)).
نقول: أنه أورد في هذا الكلام دعاوى بدون دليل وجعلها كأنها مسلمات وليس كذلك. فأوّل ما فيه أن حفظ الدين غير كونه كاملاً أو تاماً! فإنّ كون الإسلام نعمة وأنّها نعمة تامّة وكاملة لا يلزم منه أن يكون محفوظاً عند الكلّ, بل نقطع أنّه غير محفوظ عندكم, بل محرّف, وما تتعبدون به الآن ليس من دين الله في شيء.
وثانياً: أنّ كون الدين كاملاً أو تامّاً لا يعني أنه وصل كاملاً عند الكلّ وأنّه محفوظ عند الكلّ, بل هو كامل ومحفوظ عند المعصوم (عليه السلام), بل لم يتم ويكمل إلا بتنصيب الإمام المعصوم يوم الغدير بشهادة الآية, فالإعتقاد بوجوب الإمام المعصوم هو من تمام الدين.
وثالثاً: أنك لم تبيّن كيفية حفظ الدين من قبل الله! فلا يوجد من يقول أنّ الله يحفظ الدين بملائكته مثلاً, ونحن نعرف من دعواكم أنّه حُفظ بالأمة. ونحن نقول: أنّه حُفظ بالمعصوم, فلا فرق بيننا من هذا الجانب. مع أنّ الحفظ بالأمة باطل ولا يمكن لما يجوز عليها من الخطأ والتغيير! بل أنه لم يقع في الخارج, وما تقوله من أنه محفوظ عندكم منذ ألف عام لا يخرج عن الدعوى.
ورابعاً: أنك قد قلبت المقدمات بنوع من المغالطة عندما قلت: ((فإذا قلنا أن حفظ الدين مشروط بالمعصوم استلزم ذلك نقصان الدين في حالة عدم وجود المعصوم أو غيابه))! لأنّ الأصل في ترتيب المقدمات أن تقول: انّ الدين الإسلامي الأبدي إلى يوم القيامة لازم الحفظ, ولا يحفظ بالأمة, فلا بد من وجود معصوم لحفظه, ومن هنا يثبت وجوب وجود الإمام المعصوم, وإلا لبطل الملزوم وهو وجوب حفظ الدين.
ومن هنا نحن نقطع بوجود المعصوم وغيابه لا يؤثر كما بينا, فالدين عندنا محفوظ بالمعصوم, وكونه غير محفوظ عند غيرنا لا يلزم منه الكفر.

5- قوله: ((المعصوم مفقود منذ أكثر من ألف عام وأقواله وأحواله مجهولة تمام الجهل لم يسمعها ولم يشاهدها أحد من الناس وإنما غايتها أن تنقل وتسند إليه)).
نقول: لقد ذكرنا سابقاً أنّ العقل يوجب وجود إمام معصوم يكون وراء أمراءه وعماله يخوفهم ويردهم ويرجعهم إلى صراط مستقيم إذا مالوا عن الطريق, وبعض هذا حاصل بالنسبة لأتباع أهل البيت (عليهم السلام), بل لعلمائهم حال الغيبة فإنهم قاطعون بأنّ الحجة (عجل الله فرجه) ورائهم مع ثبوت منصب النيابة العامة لهم, وما فاتهم من ذلك فقد أشرنا إليه سابقاً أيضاً بأنّ المكلفين أتوا فيه من قبل أنفسهم.
مع أن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) استمر عندهم وجود المعصوم لأكثر من ثلاثة قرون في زمن الحضور والغيبة الصغرى, والفرق واضح في سعة زمن صدور النص المعصوم مع غيرهم من المذاهب كما أشرنا إليه سابقاً.
وقوله في عنوان هذه النقطة: ((ثبوت الدين وحفظه بالنقل)) عجيب!! كيف ونقل الآحاد وإن كان صحيحاً ظنّي لا يرقى إلى القطع والعلم, وهو قابل للخطأ والنسيان, وكان المفروض منه أن ينقض كما نقض القاضي عبد الجبار بالتواتر, ولكنه أيضاً لا يكفي كما هو واضح, لأنّ ما نقل بالتواتر النزر القليل مع أن التواتر قابل للتغيير, بل لاتفاق من ينقله على عدم النقل كما هو حاصل في الأمة, فلزم من ذلك لا بدية وجود معصوم يرجع بالأمة للشريعة ويكون ورائها إذا نكصت.
ولم يقل أحد من الشيعة أن الناقل عن المعصوم معصوم ولكن يتدارك ذلك بوجود المعصوم ورائهم كما قلنا.

6- قوله: ((آخر المعصومين لا ينقل عنه شيء ...الخ)).
نقول: ما ذكره هنا تكرار لسابقه بعبارة أخرى, وقد ذكرنا أن ما فات المكلفين من تصرف المعصوم أتوا فيه من قبل أنفسهم, وأدلة وجوب وجود إمام في كلّ زمان ذكرناها سابقاً فلا نعيد, وما حصلنا عليه من قبل الأئمة (عليهم السلام) السابقين يكفي لهذه المرحلة مع قطع علمائنا بوجود الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) ورائهم, إذ هم نواب عنه لا غير, وما بيد الأمة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكفيها لقلته وكثرة التغيير والضياع فيه, ولا نسلم كون الأمة أحرص على حفظ ما جاء من نبيها من أهل بيته (عليهم السلام), بل انّ زعمائها كانوا أحرص على زعامتهم وولايتهم من حرصهم على الدين, وكثرة ما بأيدي أهل السنة غير صحيح قطعاً, وإلا لما لجؤوا إلى القياس والرأي والاستحسان, بل المشاهد المحسوس أن ما لدى الشيعة من السنة المنقولة عن أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر بأضعاف مضاعفة.

7- لم يستدل الشيعة على وجوب وجود الإمام من كونه قدوة, وقد مضى أدلتهم على لزوم وجوده, نعم أحدى فوائد الإمام كونه قدوة ولم يثبت لأبدية حياة القدوة لتحقق الإقتداء, نعم المباشرة مع القدرة أقوى تأثيراً وأسرع في المقتدي, وقد كان أئمتنا (عليهم السلام) أحياء يتواصل معهم شيعتهم, وتفاصيل حياتهم بعد موتهم معروفة بالقدر الكافي, بل أن ما عند الشيعة من تفاصيل حياة أئمتهم (عليهم السلام) أكثر من أي مصداق آخر لدى كلّ الأمم والشعوب الأخرى, ولا علاقة للتقية بهذا الأمر, فإنّ التقية كانت بالنسبة للأعداء لا الأولياء, وهذا القدر يكفي في معرفة تفاصيل حياتهم لأتباعهم وأصحابهم, نعم إنّ المخالفين ومن نصب لهم العداء لا يعرف الكثير عن تفاصيل حياتهم.
وأمّا ما ذكره من مثال للإمام الحسن العسكري (عليه السلام), فدال على الجهل لا أكثر! فإنّ القدوة للفقير لا تكون بمقدار ما يملك من المال, بل بالسلوك الذي يمكن للفقير أن يتبعه, على أننا ننقض عليه بأنّ نبيّ الله سليمان (عليه السلام) كان ملك وذا سلطان, فهل يقول هذا المخدوع أنه لم يكن قدوة, بل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) - نعوذ بالله - لم يكن فلاحاً أو نجاراً أو حداداً أو ....الخ فهل لم يكن قدوة لكلّ هؤلاء بل - نجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك - لم يكن امرأة حتى يكون قدوة للمرأة ... يا هذا ما هكذا تضرب الأمثال!!
ثم إنّ القدوة لا يكون قدوة حتى يعرف, فلا يؤثر في ذلك دعوى من يدعي, مع أن هناك من ادعى النبوة في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يؤثر في كونه (صلى الله عليه وآله) قدوة لأصحابه, كما أنه (صلى الله عليه وآله) لم يكن قدوة لأعدائه.
وأمّا ما ذكره من نقل السيرة لحياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتفاصيلها, فهو غير صحيح! وما نقل أكثره مكذوب, كما نقل عنه البول واقفاً - حاشاه ـ, وأنه يسمع للمغنيات داخل بيته والحبش يلعبون في مسجده, وأنه ينام عن صلاته, إلى غير ذلك مما نقله وعاظ السلاطين والكاذبون عليه مما يترفع عنه أواسط الناس فضلاً عن كبرائهم, وما نقل من أقواله وأفعاله وحروبه وسيرته أغلبه مكذوب محرف في خدمة أغراض من غصبوا الخلافة بعده, وليس هنا مجال بيانه وتفصيله.
وأمّا ما ذكره أخيراً من وجه الحجية, فقد أجبنا عليه سابقاً في وجه الحاجة لوجود إمام معصوم.

وأمّا السؤال عن حجية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهل هي ناقصة؟ فغير صحيح أصلاً! وإنّما الكلام في مقدار ما وصلنا من أقواله وأفعاله وتقريراته, وهل يكفي زمن حياته لبسط وترسيخ دين الله وشريعته على النحو المطلوب أو لا؟
مع أننا لا نقول أن حجية أئمتنا (عليهم السلام) في عرض حجية رسول الله (صلى الله عليه وآله), بل في طولها, ولكنه لمّا لم يفهم ذلك أشكل بهذا الإشكال! فان ما يترتب علينا من ثبوت الحجية للأئمة لا يخرج عن دين وشريعة وحجية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما هو هو, فلاحظ.

8- قوله: ((من الأقاويل المشتهرة على ألسنة الشيعة (أهل البيت أعلم بما فيه) قلنا: لا بأس ... الخ)).
نقول: الحمد لله, إنه سلم بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) أدرى بما فيه, ولكن كان عليه أن ينصف في المقارنة التي ذكرها, إذ لا يختلف الشيعة في أعلمية صاحب البيت رسول الله (صلى الله عليه وآله), كيف وهو أفضل الخلق وصاحب الرسالة الخاتمة؟! ولكن الشيعة عندما يستدلون بهذا القول يستدلون به بالمقارنة مع ما يدعيه مخالفوهم من نقل الصحابة للعلم والدين, فلو دار الأمر بين أخذ دين الله المنزل على رسوله(صلى الله عليه وآله) من أهل بيته (عليهم السلام) أو أخذه من أصحابه, لا يكون هناك شك في أولوية أخذه من أهل بيته (عليهم السلام), وأهل بيته (عليهم السلام) لا يدّعون أنهم أعلم بدين غير دين جدهم, بل هم يقولون نحن أعلم بدين جدنا من الأباعد, فما ذكره لا يعدو كونه مغالطة مكشوفة غير موفقة في الردّ على المقارنة التي يدعيها الشيعة, كما سيأتي في كلامه لاحقاً.
والقول بأنّ الشيعة يأخذون دينهم من أهل البيت (عليهم السلام) دون رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذب صارخ! ولا يوجد شيعي واحد يعتقد به, ولو فرضنا الأمر كذلك وفرض المحال ليس بمحال كنا أيضاً أفضل حالاً من مخالفينا لأنهم يأخذون دينهم عمن يدعون له الصحبة بل من المقطوع كذب بعض هؤلاء الصحابة على رسول الله (صلى الله عليه وآله), فلاحظ.
فلماذا إذا أخذ الشيعة دين محمد من أولاده يكونوا أخذوا بدين جديد ولا يكون من يأخذ عن كلّ من هب ودب من الصحابة قد أخذ بدين مفترى؟!

وأمّا الروايات التي يرويها الأئمة (عليهم السلام), فلا جدال بين الشيعة أنّها من علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشريعته, وكلّ ما يروونه هو عن آبائهم عن جدهم لا غير, واتهامه للشيعة بأنهم يهتمون برواية جعفر الصادق (عليه السلام) ولا يهتمون برواية الرسول(صلى الله عليه وآله) دعوى كاذبة, وكذبها على مدعيها, وهذا هو الواقع أبلج كالشمس بخلاف ما يحاول هذا المدعى أن ينسب إليهم ما هو أليق به وبمذهبه, فإن نظرية أهل السنة والجماعة التي يدّعونها شيء وواقعهم شيء آخر, فإنهم يدعون النسبة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بينما هم في الواقع يتبعون سنة الخلفاء الثلاثة وبالأخص عمر منهم, بل يقولون عن دينه أنه بدعة ونعمت البدعة, بل يعتبرون من يتبع سنة معاوية بسبّ علي (عليه السلام) منتنسباً للسنة متمسكاً بها مع أنه خلاف صريح لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله), وأمامك كتب الرجال فنقب بها!!
والعجب كلّ العجب!! من دعواه أخذ الدين من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا أحد في الأجيال المتعاقبة بعده قد سمع منه مباشرة إلا من عاصره, وإنّما نقلوا عنه بالرواية, فكيف يكون ما ينقله الأباعد هو سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وما ينقله أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليس من سنته؟! فهل يوجد أعجب من هذا المدعى!! ولله في خلقه شؤون.
ونحن نسأل بدورنا: لماذا إذا نقل لكم أبناء صاحب الدعوة الشريعة عن جدهم ترفضونها, وإذا نقلها غيرهم تقبلونها؟! هل من تفسير لهذا إلا البغض والنصب!! بل كيف يمكن تقبل فكرة أن الأتباع يحفظون الدين بينما أهل البيت (عليهم السلام) أضاعوه؟!

وأمّا لماذا روايات جعفر (عليه السلام), فلأنّه معصوم لا ينقل لنا إلاّ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشرعه بالقطع من دون نقص أو زيادة أو تحريف أو تبديل, ومن هنا نبع الإهتمام برواياته وروايات غيره من الأئمة (عليهم السلام) أبائه وأبناءه, لأن قولهم هو قول رسول الله (صلى الله عليه وآله), فالإهتمام أوّلاً وبالذات بقول وشرع رسول الله (صلى الله عليه وآله), ومن هنا يتبين أن الأخذ بقول الأئمة (عليهم السلام) والصادق منهم (عليه السلام) هو بالحقيقة أخذ بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله), لا إلاستغناء عن قوله كما عند البعض الذين يأخذون بقول فلان وعلان وإن خالف قول رسول الله (صلى الله عليه وآله), وهو أيضاً احتفاظاً بالأصل لا ما حرّف وبدلّ وغير, فقول الصادق (عليه السلام) هو نفس قول الأصل (صلى الله عليه وآله) بل هو هو, فلاحظ.
وقوله: ((لماذا جعفر دون غيره من الأئمة....الخ)) ما هو إلا مغالطة منه, لأنّ قول جميع الأئمة (عليهم السلام) بنفس المستوى من الحجية عندنا لا نفرق بين أحد منهم, بل هو أصل في عقيدتنا, فما نسبه لنا من الاقتصار على قول الصادق (عليه السلام) فقط كذب لا غير, والشيعة لم يقتصروا على التلقي منه..
نعم, ما وصلنا من الروايات عنه وعن أبيه الباقر (عليه السلام) أكثر من بقية الأئمة (عليهم السلام), وذلك لما سمحت لهما الظروف الموضوعية في وقتهما من نشر العلم فزاد عدد الناقلين عنهم, وما النسبة إلى جعفر الصادق (عليه السلام) إلا من أجل هذا لما كثر الناقلون عنه في الأمصار واشتهروا وعرفوا وخرجوا إلى العلن.
وقوله: ((لماذا جعفر وليس الإمام المنتظر (عليه السلام)... الخ)) يتضح جوابه مما سبق.

وأمّا الأدلة على وجوب إمام في كلّ وقت, فقد مضى ذكرها فلا نعيد, والإمام المنتظر قد قام بأعباء الإمامة كما كان يقوم بها آباؤه من قبله, وما فات الناس من اللطف بتصرفه جاء بسببهم وتقصيرهم, فإذا منعوا الإمام من بسط يده يكونوا هم المقصرين, ولا يقال أنّ الإمام (عليه السلام) مسلوب القدرة فلماذا هو إمام؟ بل الإمام له كامل الأهلية والقدرة لما ثبت له من العصمة والصفات الأخرى.
وما يوجد عند كلّ إمام يكفي للعمل بالدين كما كان يكفي ما يوجد عند رسول الله (صلى الله عليه وآله), ولكن تمامية وسعة النقل لكلّ تفاصيل الشريعة يحتاج إلى وقت واستمرار عدد من الناقلين المعصومين, فافهم.
وما نقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بطريق موثوق عندنا لم يكن بتمام الشريعة ولم يحصها بتمامها وكمالها غير الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام), وأمّا دعوى المبطلين فلا شأن لنا بها, فما وصلنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو من أحد من الأئمة (عليهم السلام) نأخذ به ولا فرق, ولكن بشرط الوثوق بالطريق.
وقوله: ((وبعضهم يجيب إجابة باردة يقول: أنتم تأخذون رواياتكم عن الصحابة ونحن نأخذ رواياتنا عن أهل البيت وهذا جواب من لا يتصور ما يقول)).
ونحن نقول له: بل أنت لم تتصور ما تقول! لأنك لم تتصور أو لم ترد أن تتصور المقارنة الصحيحة التي نقول بها فأوردت من وهمك ما شاء لك من الدعاوى والمغالطات, فمن من الشيعة يجعل الأئمة (عليهم السلام) في عرض رسول(صلى الله عليه وآله) ويقارن بينهم؟! بل أن إجماع الطائفة على أن العلاقة بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة علاقة طولية لا عرضية, فلا يكون الأئمة (عليهم السلام) في مقابل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يكون عمر مثلاً في مقابل النبي (صلى الله عليه وآله) عندكم, كما في قصة أسرى بدر, أو الصلاة على المنافقين, أو المتعتين, أو صلاة التراويح!
فالشيعة لا تروي عن الأئمة (عليهم السلام) وتتوقف عندهم على أنهم (عليه السلام) في عرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقولهم مقابل قوله كما تدعي! بل تروي عنهم لأنّهم المعصومون الذين لا ينقلون إلا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقطع.

نعم, أنت تريد أن تحمّلنا كيفية تعاملكم أنتم مع أهل البيت (عليهم السلام) على أنهم أناس عاديون حالهم حال الرواة الآخرون, ثم تشكل علينا بهذا الإشكال! ولم تتنبه إلى أن هذا الإشكال نابع من وهمك وما تتصور وتعتقد أنت وأسلافك فيهم, لا ما نعتقده نحن فيهم من عصمتهم وإمامتهم, فما تريد أن تفرضه علينا هو الجور والمغالطة والكذب لا غير.
وعليه لو قارنا بين أهل البيت (عليهم السلام) وبين الصحابة ومن يدعى له الصحبة, تكون الكفّة راجحة للأئمة (عليهم السلام) بلا ريب, بعد ذلك لو قارنا بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) وبين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله), يكون الأمر بين بين - لأنّ كلّ أحد من الطرفين مرهون بعمله ـ, ولو قارنا بين أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ومن يدعى له الصحبة أو خان الصحبة ونكث, تكون الكفة مع أصحاب الأئمة (عليهم السلام) بلا ريب أيضاً.
فالمنهج الموضوعي للأخذ بالرواية إذن سواء المنقولة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو المنقولة عن أحد الأئمة (عليهم السلام) هو تمحيص سندها لكي نحصل على الوثوق بالصدور, ثم نأخذ بما يطابق الموازين العلمية بلا فرق.
ولم يدّع أحد عصمة الرواة, فهذا فرض غير واقع! وإنّما أجمعت طوائف المسلمين على تطبيق قواعد علم الحديث والجرح والتعديل.

وأمّا قوله: ((ولماذا؟ فالدين نزل على الرسول فكان وجوب حفظه بحفظ رواته متعيـِّناً شرعاً وعقلاً وإلا ضاع الدين)), فهو من العجب العجاب أن يصدر منه!! لأنّه من أوّل كلامه لحدّ الآن ينقض علينا بعض هذا القول, فنحن لم نقل إلا بوجوب نصب رئيس للناس, وأن هذا الرئيس والإمام يجب أن يكون معصوماً, واستدللنا على ذلك بالعقل والشرع, وهو واحد, وأمره أوضح عقلاً وشرعاً من إثبات وجوب وجود رواة كثيرين يحفظون الدين كما يدعي هذا المدعي الآن, وهذا من أوضح الأدلة على أن الباطل متهافت ينقض بعضه بعضاً.
ولو قال: إنّ هؤلاء الرواة الذين أثبتناهم ليسوا معصومين.
قلنا: بأنك كالتي تنقض غزلها! إذ كيف يحفظون الدين وهم غير معصومين؟ ويرجع السؤال والجواب جذعة كما بدأنا من أول الكلام.
وإذا أدعى عصمتهم, فهذا أولاً نقض لقوله, ثم إنه هرب إلى ما هو أشنع من قولنا حسب عقيدته, فعندنا المعصوم واحد وعنده كثير.
وإذا قال: إنهم معصومون باجتماعهم.
قلنا: هذا أولاً إثبات لوجوب العصمة بعد الرسول(صلى الله عليه وآله), وأنت تحاول الفرار منه, ثم عليك بالدليل, فأين الدليل؟ بل نحن أقمنا الدليل على عصمة الإمام ونقيم الدليل على عدم عصمة المجموع بما هو مجموع, أو عصمة الإجماع حسب تصوركم, أو عصمة الأمة, بأنه إذا جاز الخطأ على كلّ فرد فرد كيف تجوز العصمة وعدم الخطأ باجتماعهم؟!
وقوله: ((فكيف نعقل أن الله زكى أصحاب جعفر وسلسلة الناقلين عنهم دون أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ اللهمَّ إلا إذا قلنا: أن الناقلين عن الأول هم معصومون يروون عن معصوم.....الخ)).
فنقول: لا فرق بين الرواة إطلاقاً إلا بمعايير الجرح والتعديل, ولم يدع أحد من الشيعة العصمة لرواة الحديث عن أهل البيت (عليهم السلام), فما رتبه على هذا الفرض طرفة كما وصفه هو.
وأمّا قولنا بحفظ الدين, فإنا لم ندّع حفظه بالرواة غير المعصومين, وإنما بالأئمة المعصومين (عليهم السلام), فقولك: ((فان كان هذا الواقع فأين العصمة وأين حفظ الشرع وأين حفظ الدين)) أكل من القفا! لأنّك قلبت مقدمات الدليل, إذ بعد اعترافك بأنّ الرواة غير المعصومين لا يحفظون الدين, لا يخرج قولك عن أمرين: إما أن تلتزم بوجود إمام معصوم يحفظ الدين, وإما أن تلتزم بعدم حفظ الدين والرسالة الخاتمة. وإذ لا مجال للثاني فلا يبقى إلا الأول, وهو ما نقوله, فيجب على الله لحكمته ولطفه نصب الإمام, وإذا ألجاه الناس إلى الغيبة ولم يأخذوا بتصرفاته المعصومة أتوا من قبل أنفسهم وتتم الحجة عليهم.
وقوله: ((الشيعة يجرحون رواتهم: فكيف إذا كان الناقلون عن جعفر الصادق وغيره من الأئمة مجروحين في المصادر الرجالية المعتمدة عند الشيعة أنفسهم قبل غيرهم...)) يجعلنا نستغرب من غفلته! إذ ما فائدة كتب الرجال إذا لم يكن فيها جرح وتعديل؟! ثم إذا كان الجرح الموجود في كتب الرجال عندنا مثلبة فلماذا يوجد في كتب رجال السنة؟! بل لنا أن نرتب ملازمة على قوله: من أنه إذا كان جرح بعض الرواة خطأ عند الشيعة ولا يوجد عند السنة مثله, وبالتالي لا يوجد في رواة السنة مجروحين, فلماذا أصلاً ألـّفوا في الرجال؟
وإيهامه في عبارته إطلاق الجرح لكلّ الرواة عن جعفر الصادق (عليه السلام) وباقي الأئمة (عليهم السلام) كذب مفضوح! فإنّ كتب رجال الشيعة مثل كتب غيرهم فيها الجرح والتعديل, ولا نعرف لماذا الاستغراب من الجرح عند الشيعة ولا يستغرب من الجرح عند السنة! وهل يفترض بالشيعة أن يعدّلوا ويوثقوا كلّ الرواة حتى المجروحين؟!

وأمّا ما ذكره من أمثلة الجرح لبعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام), فإنّه نابع عن جهله بقواعد ومباني الجرح والتعديل عندنا, بل أنه لم يطلع على ما قاله علمائنا في هؤلاء الأصحاب, مع أنه يجد مثل ذلك بل أكثر في رواته, ولكن إذا أتبع الهوى ذهب الإنصاف.
ثم أنّا لا نعرف ماذا يريد بأنه ليس في الرواة (عن الأئمة) أحد من أهل البيت (عليهم السلام)؟ إذ لو كان المدار على النقل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنّ أئمتنا (عليهم السلام) من الناقلين عنه (صلى الله عليه وآله) وهم من أهل البيت (عليهم السلام), وإن كان المقصود رواة آخرين من أهل البيت غيرهم (عليهم السلام) فهو وهم لم يوقعه فيه إلا عدم الإطلاع والجهل.
وأمّا دعواه بأنّ في رواتهم - أي أهل السنّة - من أهل البيت (عليهم السلام) مثل علي (عليه السلام), فما هو إلا إمامنا الأول, وكثرة رواياته عندهم بالنسبة إلى غيره من خلفائهم - وإن كان قليلاً بمقدار علمه - فليس بمستغرب بعد أن كان أعلمهم وأفقههم وأقضاهم, وهل يقارن التبر بالتراب!
وأمّا إدعاءه بأنّ نساء النبي (صلى الله عليه وآله) من أهل البيت, فهي دعوى أجاب عليها علماء الشيعة منذ مئات السنين تجد تفصيل ذلك في مضانّه, ولكن ما أستدل به من الآية يدحض قوله, قال تعالى: (( وَاذكُرنَ مَا يُتلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِن آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً )) (الأحزاب:34), إذ أين نسبة البيوت لهن من كونهن من أهل البيت؟ فمن الواضح أن البيوت جاءت على الجمع ونسبت لهن من حيث السكن, إذ هي بيوت النبي (صلى الله عليه وآله) في الواقع, وهو ما يوضح أن المقصود هو حجراتهن - أي بيوت الطين التي كان النبي (صلى الله عليه وآله) يسكنهن فيها - وأين هذا من مصطلح أهل البيت - أي أهل بيت الشرف والذروة ـ؟!!

9- قوله: ((لا يوجد إلا علماء غير معصومين... الخ)).
نقول: يرد عليه بعّدة نقاط:
أولاً: إن ظاهر ما أدعاه غير صحيح, فقد وجد للشيعة أئمة معصومون في زمن الظهور إلى أكثر من ثلاثة قرون, ولم يصل الأمر إلى الفقهاء والعلماء إلا بعد نهاية الغيبة الصغرى.
ثانياً: لا يوجد عند الشيعة الآن علماء فقط من دون معصوم, فإن الشيعة تعتقد بحياة الإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه), وأن الفقهاء نواب عامون عنه, نعم لا يوجد على حال الظهور إلا العلماء المجتهدون بسبب غيبة الإمام لما فصلنا سابقاً.
ثالثاً: إن فقهاء الشيعة ليس كغيرهم من فقهاء المسلمين, لأنهم لا يستنبطون الحكم إلا بعد الخضوع والإتباع لقواعد صارمة رسخها المعصومون عبر ثلاثة قرون في عقول تلاميذهم حتى وصلت إلينا عبر أجيال العلماء, وتفصيل هذه القواعد في علم أصول الفقه.
وهذا الخضوع لهذه القواعد يؤدي إلى الابتعاد قدر الإمكان عن الخطأ والانحراف عن الخط العام للشريعة, ولا يقع عملاً إلإّ في الجزئيات وبعض الفروع البعيدة, خلافاً للآخرين المعتمدين على القياس والاستحسان وغيرها من قواعدهم التي ما أنزل الله بها من سلطان.
رابعاً: إن ما يفتي به علمائنا الآن يصطلح عليه بالحكم الظاهري - أي الذي وصل إلينا بالأدلة الاجتهادية - مقابل الحكم الواقعي الموجود عند المعصوم والحفاظ على الدين والشريعة بشكل كلي وتام يكون بالحفاظ على الحكم الواقعي الثابت إلى يوم القيامة وهو عند المعصوم ولذا أوجبنا وجوده في كلّ زمان.
ونحن لا نعتقد التصويب بما يستنبطه العلماء - أي لا نقول بصحة كلّ ما أفتى به العلماء وأنه حكم المكلف واقعاً - كما يلتزم به مخالفونا, بل نحن من المخطئة الملتزمين بإمكانية إصابة المجتهد للواقع وعدمه, ومن هنا كان حكمه حكماً ظاهرياً. نعم أن الحكم الظاهري تبرأ به الذمة لأنّه حكم المكلف حال عدم وصول الحكم الواقعي.
فهذا المستشكل لم يفرق بين أن يكون الحكم صحيحاً مطابقاً للواقع المنزل من الله, وبين براءة الذمة, وظن وجود التلازم بينهما من الطرفين! بينما الصحيح أن براءة الذمة أيضاً تحصل بالحكم الظاهري المبين من عند المجتهد كما تحصل بالحكم الواقعي لو علم به المكلف.
ومن هنا ظهر الخلط في قوله: ((فهل ما يدعوننا إليه صحيح تطمئن إليه النفس وتبرأ به الذمة أو لا؟ فان كان صحيحاً مبرئاً للذمة فلا حاجة للمعصوم...الخ))! فالذي عندنا من فتوى المجتهدين هو الحكم الظاهري.

أمّا لماذا لا يظهر المعصوم ويبّين لنا الحكم الواقعي, فهذا قد أجبنا عليه سابقاً من أنهم أي المكلفين أتوا فيه من قبل أنفسهم وتقصيرهم ومنعهم الإمام من بسط يده.
وأمّا ذمة الشيعة في التكاليف فهي بريئة بعد وصول الحكم الظاهري لهم. نعم لم يحصل المقصود من الدين تماماً لحد الآن, ولذا نحن نقول بوجوب ظهور إمام يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجورا.
وقوله: ((ألم يترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أعظم مربٍّ وأعظم معلم عرفته البشرية علماء يبلغون الدين؟....الخ)), إن كان يقصد به أنه ترك علماء عندهم كلّ ما في الشريعة الإلهية والرسالة المحمدية وعندهم كلّ ما يحتاجه الناس, فهم أئمتنا المعصومون (عليهم السلام) وأولهم علي (عليه السلام) وهو ما ندعيه, وإن قال أنهم غيرهم كذب, وكذّبه أسلافهم لعدم وقوع هذه الدعوى من أحد منهم, بل أنهم اعترفوا بجهلهم في كثير من الأحيان.
وإن أراد أنه (صلى الله عليه وآله) ترك علماء نالوا حظاً من علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشريعته, قلنا: بوجود من عنده كلّ الشريعة فنحن في غنى عن هذا البعض. ثم إن هذا البعض الموثوق به هم من تبع أمير المؤمنين (عليه السلام) عندنا لا غيرهم الذين أدعوا العلم كذباً وزوراً وتصدوا للإفتاء والحكم, وهناك الكثير من الروايات تشير الى ذلك عندنا.
وأمّا من جاء بعدهم ممن يدعي العلم من أصحاب المذاهب وغيرهم, فإنهم إمّا مبطلون أو خلطوا حقاً وباطلاً, لأنهم لم ليستوعبوا كلّ الشريعة وأخذوا جهالة من جهالات وخلطوها ببعض الحق ثم استنبطوا منها بآرائهم ما أخذه الناس منهم والله ورسوله (صلى الله عليه وآله) بريئان منه.
والعلماء الذين يرثون العلم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) علماء الحق المتبعين للموازين والقواعد الشرعية لا كلّ من يدعي العلم, إذ أنّ الوراثة تتحقق بمن يرث العلم الذي جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعلاً لا ما قاله برأيه واستحسانه.
وأمّا ما ذكره بعد هذا إلى آخر الكلام فهو تكرار لما مضى قد أجبنا عليه سابقاً.

10- قوله: ((اللطف بين الحقيقة المرة والخيال الجميل: أن نصب إمام معصوم يمنع الناس من الوقوع في الزلل والاختلاف لطف وكلّ لطف واجب على الله).
نقول: أولاً: القول بقاعدة اللطف ليس خيالاً وإنما هو قاعدة كلامية مبنية على مقدمات عقلية, ولكن كما أشرنا سابقاً في أول الجواب أن الظاهر من كلام هذا المستشكل أنه من أصحاب المذهب المادي.
ثانياً: لم يقل الشيعة في وجوب نصب الإمام هذا المعنى الذي أورده, وحتى لو كانت هناك مثل هذه العبارة ((ان نصب إمام معصوم...الخ)) عند أحد الشيعة فإن الواجب على المستشكل أن يتحرى مرادهم منها لا ما يفهمه من ظاهرها, فقد أشرنا سابقاً عند كلامنا عن هذه المسألة في النقطة رقم (1) من أن الشيعة تقول بوجوب نصب إمام معصوم يكون المفزع والحجة عند الاختلاف لا أنه يرفع الاختلاف جملة, وانه إذا وجد الإمام فلا يوجد خلاف أصلاً, فإن هذا واضح البطلان, ولم يحدث حتى في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله), مع أن وجود الرسول(صلى الله عليه وآله) ووجود الإمام (عليه السلام) من شأنه أن يرفع الخلاف.
وبعبارة أخرى أكثر صناعة: إنّ الإمام رافع للخلاف بالاستعداد والأهلية الذاتية ويمكن أن يحدث هذا بالفعل خارجاً, فهو رافع للخلاف عند الرجوع إليه!
وأمّا عدم اشتراطهم الظهور فيه, فقد بينا أيضاً سابقاً أن هذا اللطف فيه ثلاث جهات مترتبات طولاً كأصل وفرع ووسط, أولها: وجوب وجود الإمام على الله, وثانيها: تهيئة الإمام نفسه, وثالثها: تمكين الأمة له من بسط اليد. فإذا لم تمكنه فقد حرموا هذا اللطف من قبل أنفسهم, واختلال الجهة الثالثة لا يؤثر في وجود الجهتين المتقدمتين, ولكن هذا المستشكل غفل عن هذا!!
وقوله: ((وانما جعلوا اللطف في مجرد خلقه ووجوده...الخ)), فقد بينا ما فيه عند ذكرنا للجهات الثلاث.
وقوله: ((لا يدعو إلى نفسه ولا يعرف بها)), دعوى بدون دليل, بل نصوصنا متواترة في الدعوة إلى نفسه بالشروط الموضوعية التي تحتمها الغيبة, بل عندنا أدعية مأثورة تفيد ذلك.
وقوله: ((بل ينكر كونه إماما)), دعوى أخرى ادعاها دفعاً بالصدور.
وقوله: ((أو كان مشتبهاً لا يميّزه الناس عن غيره الذين يدعون دعواه نفسها), فإن الاشتباه يقع عند المفتونين لا عند المهتدين, وهل خلا نبيّ أو ولي من شيطان من الإنس يبطل عليه دعواه! وإنما يميز النبيّ أو الإمام الدلائل النيرات التي يتبعها أصحاب البصيرة.
وقوله: ((أو غائباً لا يمكن أن يراه أو ينتفع به أحد)), فإن دعوى عدم الانتفاع به دعوى أخرى من دعاويه الكثيرة.

وأمّا مثال المعلم الذي ذكره, فإن التمثيل يجب أن يطابق الممثل به حتى يؤدي الغرض المطلوب منه, وأمّا التمثيل بمثال حسب تصوره وما يتوهمه دون مراعاة المطابقة مع ما يدعيه صاحب الدعوى فهو تمثيل لا فائدة منه وبعيد عن الحقيقة!
وإليك نفس المثال نحاول مطابقته مع ما ندعي: فلو علمت حكومة ما أن هناك مجموعة من الناس في قرية أو مدينة لا يمكن إيصالهم إلى الحضارة والرقي المطلوب الموصل لكمالهم التام إلا بتعليمهم بعلم خاص كامل تام عن طريق معلم فذ, وإن ترسيخ هذا العلم يحتاج إلى وقت وتعاقب معلمين لهم مواصفات خاصة لمدّة زمنية معينة, وإلا ضاع هذا العلم أو شوه ولم تصل هذه المجموعة من الناس إلى ما تريده لها الحكومة, كان واجباً على الحكومة إرسال هذا المعلم مع المعلمين الذين يتبعونه بهذا العلم الخاص مع وسائل الحفاظ عليه من التشويه والتحريف. ولكن هؤلاء الناس ونتيجة لسيطرة كبرائهم ومترفيهم وطالبي السلطة فيهم سواء كان عن طريق الترغيب أم الترهيب قاتلوا ومانعوا المعلم الأول حتى غلبهم, ثم إنهم رفضوا وقتلوا من جاء بعده من المعلمين, كلما قام معلم بعد معلم قتلوه ومنعوه من بث العلم, فلم يبق أمام الحكومة إلا خياران, إمّا أن تتركهم وشأنهم دون تعليم, أو تلجأ إلى طريق آخر يؤدي إلى بعض الغرض حسب الضرورة, فإن اختارت الحكومة الخيار الأول, لم يكن عندها حجة وجواب إذا طالبها هؤلاء الناس بحقوقهم في المساواة والعدالة مع بقية القرى والمدن, فضلاً عن أن من واجبات الحكومة - كحكومة بغض النظر عن المطالب - أن تراعي مصالح رعاياها, وإن رفض هؤلاء الرعايا فلم يبق إلا الخيار الثاني, وهو أن تبقى تستمر بإرسال المعلمين وإن عورضوا أو قتلوا لما سيكون لإرسالهم من النفع وإن لم يكن كاملاً, لوجود ثلة من الناس تقبل بهم وتأخذ عنهم وإن كان سراً وخوفاً وأنهم سيعلّمون جيلاً بعد جيل إلى أن يصبحوا ذا تأثير وقدرة لمساندة المعلم الأخير. ثم إنّ الحكومة ترسل المعلم الأخير وتعطيه من المواصفات والعلامات بحيث يستطيع أن يعرفه من أراد, وأن هذا المعلم يتحرك بطريقة حكيمة سرية تجنبه القتل, فيأخذ من تلاميذ المعلمين السابقين ناطقين عنه لعبور مرحلة الخوف إلى أن تتوفر له الظروف المناسبة للتعليم العلني, مع أنه متواجد دائماً مع هؤلاء الناس يؤدي جزءاً من وظائفه وإن كانت غير علنية, وهؤلاء الناس الذين اتبعوا المعلمين السابقين يعلمون بوجوده وإن لم يعرفوا شخصه, ويعلمون أنه سيأتي اليوم الذي يستطيع أن يعلمهم دون خوف بما يوصلهم إلى سعادتهم وكمالهم, فهم دائمي الجهد والسعي للوصول إلى ذلك اليوم بتكميل نفوسهم وربط قلوبهم واستزادتهم من العلم حتى يكونوا أهلا ً لمساندة هذا المعلم, ولا يجدون في ذلك أدنى تعارض لمبادئ العقل أو الدين وإن كان كبرائهم وأتباعهم يسخرون بهم وينفون وجود هذا المعلم, فهل تجد في مثل هذا المثال تصادم مع العقل؟
وقياساً على هذا المثال يكون الكلام على المثال الثاني والثالث بخصوص القاضي وشرطي المرور فلا نكرر, مع أن مثال شرطي المرور لأحمد الكاتب قد أجبنا عليه في أجوبة سابقة.

وأمّا حصول اللطف بوجود الإمام, فقد بيناه بما يكفي فلا نعيد.
وقوله: ((أن الواحد منا - كما يقول الرازي - إذا احتاج...الخ)).
نقول: قد ذكرنا سابقاً أن هذه الشبهات مأخوذة من كلام القاضي عبد الجبار صاحب المغني الذي أجاب عليه السيد المرتضى, والمستشكل هنا يشير إلى بعض كلام الفخر الرازي, ولكن لا ينقضي العجب من هذا المتعالم!! لم لم يطلع على ردّ السيد المرتضى وأخذ كلام صاحب المغني وكأنه آخر ما في الباب, مع أن طريقة العلماء خلاف ذلك!
ألا ترى صاحب شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد كيف أخذ رد المرتضى على القاضي آخراً وقام بالرد على الرد!! فكان الأولى بهذا أن يوفر الوقت والجهد ويطلع على الردود التي أجاب بها علمائنا سواء على القاضي أم الرازي ثم يرد عليها - إن إستطاع - ولا يكلفنا ما نستنزفه من وقت للرد عليه.
وعلى كلّ فإن جواب ما ذكره الرازي قد وضح ممّا قدمنا, فان ما فات المكلف من لطف قد أتاه من قبل نفسه ولا حجة له على الله مع ما في قوله: ((فلو أتى بكلّ حيلة لم يجد منه البتة أثراً ولا خبراً)) من تعميم لا نقبله, فانه من المقطوع به لقاء بعض الكمل للإمام (عليه السلام) بما بذلوا من جهد لتهذيب نفوسهم.
وكذلك قوله: ((وإذا كان القصد من نصب الإمام المعصوم إمّا منفعة دينية أو دنيوية فالانتفاع به يعتمد على إمكان الوصول إليه فإذا تعذر...الخ)), من كلية لا نقبلها أيضاً! فإن إمكان إيصال المنافع من قبل المعطي لا يستلزم لا عقلاً ولا شرعاً ولا عرفاً وصول المعطى له ولقائه بالمعطي, فمن أين له هذا الشرط والتلازم؟! ولو سلمنا ذلك في بعض المنافع فإنا لا نسلمه في بعضها الآخر, بل أن المنافع العظمى غير ناظرة إلى الوصول واللقاء أو عدمه, ألا ترى أن منفعة الملك أو الرئيس ممكن أن تصل إلى الرعية دون أن يصلوا إليه! هذا كله في المنافع الخاصة بالأفراد أمّا المنافع العامة الشاملة للكلّ خاصة في الدين فالأمر أوضح.
وأوضح في البطلان قوله: ((لو كان مثل ذلك واجباً على الله لفعله)), فإن فيه مغالطة قلب المقدمات على النتائج! ثم من أين لك أن الله لم يفعله؟! وهل كلامنا إلا في هذا !
قوله: ((بين الإمام والنبي: وإن احتجوا بأنّ كثيراً من الأنبياء كانوا مقهورين بل أن بعضهم قتل دون أن يحصل لهم التمكين قيل: هذا قياس مع الفارق)).
نقول: إن فيما قاله هنا كلام كثير:
فأول ما فيه أنه اعترف بأنّ النبوة لا تسلب عند عدم التمكين, بل حتى عند القتل والقهر, فكذا الإمامة على قولنا لأنها منصب إلهي كالنبوة.
ثانياً: ان هذا القول لو قاله أحد من الشيعة فالظاهر أنه يورده مورد النقض, ولم يبين هذا المستشكل هذا المورد! فإن الشيعة ينقضون بما مضى من الأنبياء في موردين, والظاهر أنه خلط بينهما مع أن ما ذكره من الفرق لا مدخل له فيهما معاً:
المورد الأول: عندما يورد من يقول باللطف على الإمامية (قولهم بالإمامة وإن لم يكن هناك تمكين وبسط اليد), بأنه كيف تكون الإمامة لطف مع عدم بسط اليد, فإن فيه نقض للغرض وعدم تحقق فائدة حصول الإمام؟
فيكون الجواب بالنقض بوجود كثير من الأنبياء لم يحصل لهم بسط اليد والتمكين مع إقراركم بأنّ النبوة لطف. وهذا المورد كما ترى لا يؤثر فيه الظهور والاشتهار وعدمهما لأن مورده المفروض مناقضة عدم التمكين للطف, وهو يتم في زمن حضور الإمام أو غيبته لأنه منصب أساساً على أصل وجوب الإمامة وكونها لطفاً أو لا, فسواءاً عرف الإمام واشتهر كما في زمن الحضور أم غاب ولم يعرف فان مورد الإشكال ونقضه موجود.
وهذا رجوع من المستشكل إلى بداية البحث بعد أن انتقل في عدّة مواضع منه من زمن الحضور إلى غيبة الإمام, وقد تكرر هذا الرجوع عدّة مرات قبل هذا, وهو من أوضح الدلائل على الخلط وعدم ترتيب المباحث, وانما جمعها من هنا وهناك, وإلا فكيف يستقيم أن يستشكل من لا يقول باللطف باشكالٍ يورده من يقول به إلا على طريقة الخلط والجمع!
المورد الثاني: عندما يقول المنكر لإمامة المهدي (عجل الله فرجه) بأنّ الغيبة تنقض الإمامة إذ كيف يكون إمام واجب الطاعة وهو غائب؟
فيكون الجواب بالنقض من الشيعة بغيبة الكثير من الأنبياء ومنهم نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) في الغار والشعب, والاشتهار والمعروفية وعدمها غير مؤثرين هنا أيضاً, لأن ثبوت النبوة والإمامة غير منوط بهما, وإنما بالإصطفاء الإلهي وما يراه الله من مصلحة. نعم, إن الاشتهار والمعروفية مؤثرة في تنجز التكليف بالطاعة على باقي الناس. وهذا ما سيأتي الكلام عليه في مناقشة قوله التالي وعليه يظهر ان النبيّ والإمام متساويان هنا, وقد ظهر من كلّ هذا ان الفارق الذي ذكره غير فارق.
قوله: ((فان كلّ نبيّ بعثه الله إنما أعطاه من البينات والحجج الظاهرة ما بها يعرف ويشهر بين قومه....الخ)).
نقول: انه لم يبين لنا أن هذا الظهور للبينات والحجج؟ ومن ثم الاشتهار كان بعد حياة النبيّ أو في أواخرها أو في بدايتها؟
فإن قال: بعد حياة النبيّ أو في أواخر دعوته.
قلنا: لحد الآن لم تنته حياة الإمام (عجل الله فرجه) ولم يصل إلى أواخرها أو أواخر دعوته على ما نقول من طول حياته, وأن الله سيمكنه في الأرض ويظهر على يديه من الحجج والبيانات ما سيشتهر في كلّ العالم, ويكون سببا لدخول الناس تحت رايته والإيمان بالإسلام وترك مذاهبهم ودياناتهم السابقة, فيتساوى بذلك النبيّ والإمام.
وإن قال: في بداية حياته أو دعوته.
قلنا: هذه دعوى تكذبها الوقائع, ومنها سيرة نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) فانه بدأ دعوته في سرية استمرت لعدّة سنوات وأظهر بعض البينات والحجج وهي لم تشتهر عند كلّ الناس كما هو حاصل في إمامنا الحجَّة المنتظر (عجل الله فرجه), بل لم يكن يعرف نبينا ونبوته إلا العدد اليسير, وإمامنا الآن أمره معروف ومنتشر في كلّ العالم ووصل الحال إلى من يعرفه ويؤمن به ومن يعرفه ولا يؤمن به إلا النزر اليسير, فاستوى النبي والإمام هنا أيضاً.
بل أنه لو احتاج النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أن يظهر نفسه حتى يعرف وتتم الحجة به, فان إمامنا قد أخبر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآبائه (عليهم السلام) حتى بان وعرف.
بل أن النبيّ يجهر بدعوته ويتحمل كلّ أنواع الأذى ما لم يصل الأمر إلى حدّ القتل, كما هرب موسى (عليه السلام) من مصر, واختفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الغار عندما وصل الأمر إلى القتل, وكذا غيبة إمامنا المهدي (عجل الله فرجه) كانت لخوفه القتل, وكان آباءه الأئمة (عليهم السلام) يتحملون كلّ أذى في سبيل الدين ويدفعون عن أنفسهم القتل بالتقية أو إنكار دعوى الإمامة أمام سلاطين وقتهم أو استعمال السرية في تحركاتهم.
وإذا كان هناك عصمة من القتل من قبل الله فهي بحيث لا تكون بسلب الاختيار بحيث يؤدي إلى الجبر بل بأمور ووسائل يمكن الله أنبياءه من استخدامها وإتباعها, كما حدث ليلة الهجرة لرسول الله (صلى الله عليه وآله), أو سنوات الحصار في الشعب, ومنها الغيبة لإمامنا الحجة المنتظ ر(عجل الله فرجه), وكان الله يمنع القتل عن أنبياءه وأولياءه بهذه الوسائل إلى أن يؤدوا الوظائف المناطة بهم ويتموا مهمتهم.
ودعوى كون مثل هذه العصمة خاصة بالرسول(صلى الله عليه وآله) دعوى بدون دليل! ولكن المستشكل في دعواه هذه العصمة ناقض نفسه إذ قال: ((ولو كان الأشخاص الذين اتخذهم الشيعة أئمة مأمورين بالتبليغ كما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعصمهم الله تعالى من الناس كما عصم رسوله)), ولكنه قال قبل أسطر من هذا: ((وكان كلّ نبيّ يظهر نفسه ويجهر بدعوته رغم ضعفه ويقيم الحجة الباهرة القاهرة على صدقه بحيث يصل ذلك إلى كلّ من أرسل إليهم ويجب عليه تبليغهم وهم قادرون لو أرادوا - لاحظ أين العصمة المدعاة!! - على الوصول إليه)).
مع أنا نناقش في كيفية هذه العصمة ونوعها كما سبق, فإن النبيّ (صلى الله عليه وآله) كما قلنا يتحمل كلّ أذى مهما كان شديداً إلى أن يصل الأمر حدّ القتل, وأن الله يدفع عنه هذا القتل بشتى الوسائل.

ثم إن هذه العصمة المدعاة عن القتل أصلها جاء من دعوى عائشة في تفسيرها لآية العصمة من الناس, وذلك لحرفها عن سبب نزولها بحق التبليغ بولاية علي (عليه السلام) يوم الغدير, وإلا لما لجأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الغار هرباً من قريش لمّا هموا بقتله, بل أن نفس رواية عائشة تنفي العصمة المطلقة من القتل على طول حياة النبي (صلى الله عليه وآله), لأن فيها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحرس قبل نزول الآية ثم ترك ذلك بعد نزولها.
ودعوى هذا المستشكل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يبلغ دون خشية من أحد, دعوى تكذبها حماية أبو طالب له(صلى الله عليه وآله)! نعم, ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأنبياء (عليهم السلام) يتحملون كلّ أذى ما لم يصل الأمر إلى القتل, وهذا عينه جار في أئمتنا (عليهم السلام) والمهدي المنتظر(عجل الله فرجه).
وأمّا قوله: ((لم يتمكنوا من حماية أنفسهم الأ بـ(التقية) والكذب), فهذا سوء أدب منه واتهام لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونصب وعداوة لهم!! وإلا فالتقية غير الكذب, ولكن ما تخفيه الصدور يظهر على الألسن.
قوله: ((روايات مجنحة لا تستقيم مع الواقع: روى الكليني بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) ما يلي: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام...الخ)).
نقول: إنّ هذه الروايات وصلت حدّ التواتر المعنوي, وبالتالي فان مضمونها قطعي الصدور, وعليه فقد تعاضد الدليل العقلي مع النقلي المقطوع به على وجوب وجود إمام في كلّ زمان.
وقوله المستشكل: ((روايات مجنحة)) لم نفهم المراد منه؟ فماذا يقصد بانها مجنحة؟! إلا إذا كان يريد منه تعبير صحفي معناه إنـّها خيالية! ولكنه لم يذكر لماذا هي خيالية؟ فقد أثبتنا له فيما مضى عقلية وجوب وجود إمام في كلّ زمان, أمّا إذا كان يقصد مقولة أحمد الكاتب: ((من أنها متناقضة مع نفسها)), فإن مجنحة بمعنى خيالية غير معنى التناقض مع نفسها, هذا.

وأمّا دعوى الكاتب على هذه الروايات بأنها تنقض نفسها بنفسها, فظاهره أنه لا يعرف معنى التناقض! إذ هو مقابلة بين السلب والإيجاب, والروايات المذكورة لا يوجد فيها إيجاب شيء ثم سلبه. نعم, ربما يتوهم الكاتب أن هناك بعض الملازمات لمفاد هذه الروايات تنافي منطوقها ومعناها, ولكن ذلك لا يعدو عن كونه توهمات ناتجة عن عدم إحاطة كافية بالمراد من هذه الروايات, إذ تنص الروايات على وجود إمام وحجة على الأرض, وأنه لابد أن يعرف حتى تتم حجيته على الخلق, وهذا غير معنى كونه مبسوط اليد ومتمكن وحاكم فعلي, وغير كونه ظاهراً.
لكن الكاتب توهم أن هناك ملازمة بين الحجية وبين بسط اليد وإدارة المجتمع والظهور وانهما لا ينفكان! ولكنا قد بيّنا سابقاً أن الإمام والحجة لطف من الله يهيئ ويمهد الطريق للعبد إلى الهداية ولا يصل إلى حدّ الإلجاء, فالكاتب لم يفهم معنى كون الحجة من شأنه الهداية وأنه كالمنار يهدي من يريد الوصول, لا أنه يهدي بالجبر وسلب الإختيار, فهو هادي بالفعل للناس إذا لم يكن هناك مانع من هدايته وبسط يده وإدارة المجتمع, وقد بينا فيما سبق بما فيه الكافية الأمور الثلاثة الداخلة في تحقق هذا اللطف.
فأحمد الكاتب لم يتدبر الروايات! فإن فيها التصريح بعدم الملازمة بين الحجية وبين التمكين وبسط اليد, فالروايات صرحت بعدم خلو الأرض من حجة إمّا ظاهراً أو مغموراً, إذ من الواضح أن الحجية أعم من الظهور والاستتار, لا أنها مساوية للظهور والتمكن حتى تنتفي بانتفائه كما توهمه الكاتب.
فالحجة كالعقل والمعرفة وضعا لكي يميز الإنسان بالعقل الخير والشر ويحصل بالمعرفة على الهداية, فإذا لم يأخذ بهما أتي من قبل نفسه, ولا يقول قائل بسقوطهما عن وظيفتهما وحجيتهما لذلك, فوظيفتهما الهداية بالاختيار لا بالجبر والحتمية, نعم من اختارهما يهتدي بالقطع فكذا الإمام والحجة.
وقول الكاتب: ((فكيف يمكن للإمام غير الظاهر الذي لا يعلن عن نفسه وغيره يدعي الإمامة في زمانه ويظهر نفسه دون إنكار ظاهر من الإمام...الخ)), تخرص بالغيب! فإن عدم الظهور غير عدم الإعلان عن نفسه, وعدم الإعلان لم يحصل من أئمتنا (عليهم السلام) قطعاً, كيف وقد كان لهم أتباع وأصحاب وروايات وعلوم, نعم لم يخلو اعلانهم عن تقية تحتمها الظروف الموضوعية ككلّ حركة تقف أمام التسلط والقهر والجبروت.
ولايتوهمن أحد أن غيبة الإمام (عجل الله فرجه) تعني عدم الإعلان, فإن غيبة الشخص غير خفاء العنوان! فهذا الحجة بن الحسن (عليه السلام) معروف منسوب عند الإمامية منذ عصور وعند غيرهم في هذه الازمان, نعم خفى علينا شخصه دون عنوانه.

وأمّا قوله: ((كيف يمكن للغائب أن يقوم بمهمة الإمامة والرئاسة ومهمة التبليغ وأقامة الحجة؟ وما الفرق بينه وبين المعدوم أو الميت)), فقد بينا ما فيه وجوابه فلا نعيد.
وقوله: ((الغيبة جريمة تستحق العقوبة: عاقب الله جل جلاله نبيه يونس (عليه السلام) لما ترك قومه وغاب عنهم قبل أن يقوم بما عليه تجاههم من مهمة التبليغ...الخ)), فهو لمّا وقر في نفسه من عدم عصمة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام), ولذا جعل بقاء يونس (عليه السلام) في بطن الحوت عقاب على معصية وجريمة فعلها يونس (عليه السلام) - أعوذ بالله - وغفل عن أنّ العقوبة الإلهية التي هي جزاء على المعصية الاصطلاحية تكون في الآخرة, وأمّا ما يقع في الدنيا على الأنبياء من ابتلاءات فهو أثر تكويني لترك الأولى.
فإن يونس (عليه السلام) لمّا دعى على قومه وخرج غاضباً منهم لله لعدم إيمانهم ترك الأولى, إمّا بعدم الصبر كمال الصبر والاستمرار على دعوتهم للإيمان والصبر على صدّهم وعدم اليأس منهم والدعاء عليهم على رأي, أو أنه خرج منهم وترك العود إليهم بعد توبتهم خوفاً من نعتهم له بالكذب وظن أن الله غير مبتليه ولا مضيق عليه رزقه على رأي آخر, فخرج باختياره فابتلاه الله أن ألقاه في بطن الحوت... إلى آخر القصة. وأين هذا من الغيبة بالجبر والأكراه خوف القتل من المهدي (عجل الله فرجه)؟! وقد ذكرنا سابقاً بأنّ الأنبياء يصبرون على كلّ أذى وتضحية دون القتل فان هذا هو طريقهم, والظاهر أن يونس (عليه السلام) لم يصل به الأمر إلى القتل كما وصل مع موسى (عليه السلام) ونبينا (صلى الله عليه وآله) والحجة بن الحسن (عليه السلام), وعلى الاحتمال الثاني أنه تركهم بعد أيمانهم وتسليمهم وهذا ما لم يحدث مع المهدي (عجل الله فرجه) لحد الآن.

وأمّا دعوى هذا المستشكل بأنّ يونس (عليه السلام) خرج من قومه وغاب عنهم دون أن يقوم بما عليه اتجاههم من مهمة التبليغ, فهو كذب على نبيّ الله يونس (عليه السلام) أولاً كما تنص عليه الروايات من أنه دعاهم إلى الله ولكنهم كذبوا ولم يؤمنوا!
وثانياً: فان الأصول الاعتقادية تبطله, لأنه لا يجوز أن يتخلف النبي (صلى الله عليه وآله) عن مهمته ولا يتصور منه مغاضبة لله.
وثالثاً: أن العذاب دنا منهم واظلهم ولولا توبتهم لم يكشفه الله عنهم, فلو كان يونس (عليه السلام) لم يقم الحجة عليهم لما نزل بهم العذاب فان الله لا يعذب قوماً حتى يحتج عليهم كما هو مفاد نصوص القرآن الكريم.
رابعاً: سلمنا, ولكن قصة يونس (عليه السلام) تثبت عكس مطلوب المستشكل, فانه بغيبته لم تنسلب منه النبوة, لأنه بعد أن القاه الحوت رجع إلى قومه ومنصبه بنص القرآن (( وَأَرسَلنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلفٍ أَو يَزِيدُونَ )) (الصافات:147), فما قاله هذا المستشكل جهل ما بعده جهل!!
وقوله: ((فأين هذا الإمام... يقولون قد غاب! اليس هذا تنصلاً عن وظائف الإمامة كما افترضها الإمامية أليس هذا الإمام الغائب عاطل عن أي وظيفة...الخ)).
نقول: فيه: ان هذا ليس تنصلاً عن وظائف الإمامة, فقد ذكرنا سابقاً في الأمور الثلاثة الخاصة باللطف أن الأمر الثاني الخاص بالإمام هو تهيئة نفسه للقيام بوظائف الإمامة ولكن إذا لم يتحقق الأمر الثالث وهو تمكين الناس له من بسط يده ووصول الأمر إلى القتل فقد أتوا من قبل أنفسهم وهم المقصرون, ولو كان كذلك فيكون دخول رسول الله (صلى الله عليه وآله) الشعب أو الغار تنصلاً من الوظيفة ولا يقول بذلك مسلم.
والإمام ليس عاطلاً - نعوذ بالله - حسب قول هذا المستشكل, وإنما يقوم بوظائف الإمامة حسب القدرة وما تقتضيه الظروف إلى أن يأذن الله بالظهور, هذا مع الألتفات إلى غفلة المستشكل عن وظائف الإمام الأخرى وحصره للوظيفة بالحكومة وادارة المجتمع.
وليت عمري, أيهما أفضل إختفاء الإمام وغيبته مع مراعاته لشيعته, بل كلّ الناس بالسر, أو أنه يظهر ويقتل ويفرح بذلك أتباع دولة الشيطان بالقضاء على الإمام الحق وممثل الإرادة الإلهية على الأرض؟! مع أن قتله - لا سامح الله - ترك للشيعة والثلة المؤمنة على الأرض يواجهون مصيرهم إلى الزوال الأبدي إلى يوم القيامة. بينما الغيبة فيها حفاظ على هذا الدور بالقدر المستطاع مقابل القتل, ولعل القتل أهون على الإمام في نفسه من الغيبة وتجرع آلامها والمحن التي فيها, ولكنه (عجل الله فرجه) يصبر مقابل رفعة الدين والحفاظ على الجماعة المؤمنة حتى يسود الدين وجه الأرض كلها, فغيبته من أجل الشيعة وحرصاً عليهم لا هرباً منهم.

وأمّا عجبك من إقامة الله للحجة في الأرض, فنابع من الغفلة من الحكمة في ذلك! وعن قلّة التأمل المحايد في الأدلة العقلية! ودخول الشبهات في ذهنك من تصورك الملازمة بين وجود الحجة وبسط اليد والظهور! وعدم فهمك للفرق بين الوجوب على الله والوجوب من الله وعنه لحكمته ورحمته ولطفه بعباده!
ويا لشدة عجبنا مما وجدنا من موافقة عبارتك التي تقول فيها: ((أليس هذا هو عين الخيال والفكر المجرد بل الغرق في التجريدية والابتعاد عن الواقع)) لما استتنجناه من أول مقالك عن الواقع والخيال من أنك ذو فكر مادي! فما أكثر ما يصف الماديون الأدلة العقلية المجردة بالتجريدية بمعنى الخيال وهم لا يفهمون!!!
وفي قوله: ((فالله يجب عليه تنصيب إمام ظاهر يفصل بين الناس ويقيم حجته عليهم لكنه لم ينصبه)), من المغالطة ما لا يخفى لدسه لفظة (الظاهر) هنا! فمتى قلنا بوجوب نصب إمام ظاهر؟! بل الدليل قام على وجوب نصب رئيس وإمام للناس, وقامت الأدلة الأخرى على وجوب عصمته, أمّا كونه ظاهراً أو غائباً فله أدلّـته الخاصّة به, ومن ثم إذا وجب نصب إمام فلابد من وجوده, وليس معنى عدم معرفتك به عدم وجوده! فلا يلتبس عليك الوهم والفهم.

وأمّا قوله: ((والإمام لابد من وجوده ظاهراً ليزيل الخلاف والاختلاف...الخ)), فقد أجبنا عليه مفصلاً فلا نعيد.
وقوله: (والإمام موجود ولكن إذا سالت اين هو؟ قالوا غائب فكيف أصل إليه وكيف تقوم الحجة بشخص غائب لا وجود له...الخ)), توهم من أن الحجة لا تقوم إلا بالظهور! وإنما تقوم الحجة على المكلفين بمعرفة الإمام والإيمان به والإلتزام بطاعته, وفرق بين الظهور وبين المعرفة, وإنما الواجب على المكلفين معرفة الإمام وهي لا تتعارض مع الغيبة.
ولا تسقط الحجية على المكلفين إلا بعدم إمكان المعرفة لا بعدم حضور شخص الإمام, فقوله: ((وإذا كانت الحجة غائبة فلا حجة وإذن بطلت حجة الله على خلقه) وهم في وهم!!
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال