الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » حديث عائشة في النصّ على أبي بكر


اميرة محمد / السعودية
السؤال: حديث عائشة في النصّ على أبي بكر

يوجد حديث بحثت فيه بشتّى الوسائل لاحتواء، جميع مضامينه ومعانيه من كتب الأخوة السُنّة، ولكن للأسف الشديد لم أجد ما يشفي غليلي.. ويا حبّذا لو أفدتموني بمصدر معيّن والتعقيب عليه..
وهو كالتالي: (صحيح البخاري) كِتَاب المَرضَى، باب: قَولِ المَرِيضِ إِنِّي وَجِعٌ أَو وَا رَأسَاه... رقم الحديث: 52634 (حديث مرفوع): ((حَدَّثَنَا يَحيَى بنُ يَحيَى أَبُو زَكَرِيَّاءَ, أَخبَرَنَا سُلَيمَانُ بنُ بِلالٍ, عَن يَحيَى بنِ سَعِيدٍ, قَالَ: سَمِعتُ القَاسِمَ بنَ محمّد, قَالَ: قَالَت عَائِشَةُ وَا رَأسَاه, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ): (ذَاكِ لَو كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَستَغفِرَ لَكِ وَأَدعُو لَكِ), فَقَالَت عَائِشَةُ: وَا ثُكلِيَاه، وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوتِي، وَلَو كَانَ ذَاكَ لَظَلِلتَ آخِرَ يَومِكَ مُعَرِّساً بِبَعضِ أَزوَاجِكَ, فَقَالَ النبيّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ): (بَل أَنَا وَا رَأسَاه, لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)).

الحديث مرويّ في البخاري في باب قول المريض: إنّي وجع، أو وا رأساه... في كتاب المرضى.. وأيضاً ذكر مرّة أُخرى في باب الاستخلاف.. كتاب الأحكام.. وفي نفس الباب حديث رزية الخميس..وو.
فهنا عائشة تقسم بالله بأنّ الرسول يحبّ موتها.. ويترجّاه.. فيا ترى هل من سبب يدعوها أنت تتأكّد من ذلك؟
ألذنب سترتكبه بعد وفاته حتّى يقول لها: (ذلك لو كان وأنا حيّ فاستغفر لك وأدعو لك...)؟
ولِمَ قال لها النبيّ.. لو.. ولم يذكر استغفاره لها على وجه التأكيد؟
فنحن نعلم أنّ المصرّ على المعصية وهو عارف لا ينفعه استغفار ولا يتوفّق للتوبة إن تعمّد وقصد المعصية وعاند فيها.. بعكس إن كان على جهل أو زلّة.. أو إن صدرت عنه التوبة النصوح.. فلِمَ لم يتأكّد استغفار الرسول لعائشة، بل جاء على التمنّي؟

ثمّ ما شأن عائشة إن تزوّج النبيّ غيرها، أو لم يتزوّج، فبأيّ سلطة؟ وهذا خارج عن الحدود الأخلاقية للتخاطب مع النبيّ الأكرم ومعارضته والتسلّط في أمر ليس من شأنها؟
وهنا نقطة توقّف! وماذا يقصد (صلّى الله عليه وآله) من قوله: (لَقَد هَمَمتُ أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ: يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)؟

الجواب:

الأخت أميرة المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحديث يبحث عن دلالته إذا كان صادراً عن المعصوم, والحديث المذكور بانفراد راويه وإرساله وركاكة تعبيره ومعارضته بما هو متواتر ينبأ أنّه حديث موضوع, فلا داعي للبحث عن دلالته!

بل الأجدر بيان نقاط الخلل في الحديث من حيث الدلالة التي تقدح بصحّة صدور الحديث - وإغضاء الطرف عمّا في سنده بعد أن التزم أهل السُنّة على أنفسهم بصحّة ما في البخاري ومسلم وسدّوا باب المناقشة في أسانيد روايتهما - نعم يمكن إلزام المخالفين ببعض مضامينه حتّى لو كانت المضامين الأُخرى غير مقبولة، وذلك في مجال المناظرة والجدل.

وأمّا المقصود من قوله(صلّى الله عليه وآله): (لقد هممت...الخ)، فإنّ عائشة - أو من وضع الحديث - تريد أن توحي بأنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أراد أن يوصي بالخلافة لأبي بكر! ولكن هذا خلاف إجماعهم بأنّه لم يوص لأحد. وإنّ أصحاب سقيفة بني ساعدة لم يذكروا شيئاً من ذلك في احتجاجهم على الأنصار أو في ردّهم على عليّ(عليه السلام) لمّا أبى البيعة ودخل داره. ثمّ إنّه لا ربط له بأوّل الحديث، وإن حاول الشرّاح ربطه بالتعسّف.
ويبقى السؤال: لماذا يكتفي رسول الله(صلّى الله عليه وآله) باستشهاد أبي بكر أو ابنه فقط دون غيره من كبار المسلمين؟! من دون جواب.
ودمتم في رعاية الله


ابو محمد / اليمن
تعليق على الجواب (1)
ردّ الحديث بدعوى الركاكة بدون إثبات ذلك من العبث, وإلاّ فقد صرّح بعضهم بركاكة بعض الآيات في القرآن بدون دليل.
وأمّا قوله: (لَقَد هَمَمتُ، أَو أَرَدتُ أَن أُرسِلَ إلى أَبِي بَكرٍ وَابنِهِ وَأَعهَدَ أَن يَقُولَ القَائِلُونَ أَو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ ثُمَّ قُلتُ يَأبَى اللَّهُ وَيَدفَعُ المُؤمِنُونَ أَو يَدفَعُ اللَّهُ وَيَأبَى المُؤمِنُونَ)، فهذا فيه من علم الغيب الذي أخبره الله به, وهو أنّه سيتولّى على الناس.
فقد جاء في لفظ آخر عن عائشة(رضي الله عنها)، قالت: ((قال لي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في مرضه: (ادعي لي أبا بكر وأخاك - يعني عبد الرحمن - حتّى أكتب كتاباً، فإنّي أخاف أن يتمنّى متمنّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر) )).
وهذا فيه إشارة قويّة, ولكنّه ترك ذلك لأنّه علم بأنّ الأمر سيكون له كما جاء: (ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر).
الجواب:

الأخ أبا محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم، يكفي في ردّ هذا الحديث المزعوم ما فيه من ركاكة..
فإنّه من أكثر الأحاديث التي وقع الترديد في عباراتها، فضلاً عمّا في أوّله من محاولة الترقيع، إذ أيّ ربط بين صداع الرأس وتوقّع موت عائشة حتّى يقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لو كان وأنا حيّ...) الخ، فإنّه نادر المصادفة، إلاّ إذا كان محاولة غير مباشرة من واضع الحديث لربطه مع مرض رسول الله(صلّى الله عليه وآله) آخر حياته وموته(صلّى الله عليه وآله)، ومقدّمة وتهيئة للفقرة المحورية في آخره المتضمّنة لإرادة كتابة العهد لأبي بكر، حتّى تتمّ المعارضة به لحديث الكتف والدواة المعروف الصحيح المشهور والمرويّ في صحاحهم.

قال ابن أبي الحديد في معرض ذكره لوضع البكرية للأحاديث: ((ونحو: (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان)، ثم قال: (يأبى الله تعالى والمسلمون إلاّ أبا بكر)، فإنّهم وضعوه في مقابلة الحديث المرويّ عنه في مرضه: (ائتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلّون بعده أبداً)، فاختلفوا عنده، وقال قوم منهم: لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله...))(1).

وقال الأميني(رحمه الله): ((هذه صورة ممسوخة من حديث الكتف والدواة المرويّ بأسانيد جمّة في الصحاح والمسانيد، وفي مقدّمها الصحيحان، حوّلوه إلى هذه الصورة لمّا رأوا الصورة الصحيحة من الحديث لا تتمّ بصالحهم، لكنّها الرزية كلّ الرزية كما قاله ابن عبّاس في الصحيح، فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) منع في وقته عن كتابه ما رامه من الإيصاء بما لا تضلّ الأُمّة بعده، وكثر هناك اللغط، ورمي (صلّى الله عليه وآله) بما لا يوصف به، أو قال قائلهم: إنّ الرجل ليهجر، أو: إنّ الرجل غلبه الوجع. وبعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) قلبوا ذلك التاريخ الصحيح إلى هذا المفتعل وراء أمر دُبّر بليل))(2).
فضلاً عن أنّه معارض بما روته عائشة نفسها في الصحيح بأنّ: (أوّل ما اشتكى رسول الله في بيت ميمونة)(3)، لا في بيتها.

وأمّا الترديد الواقع في عباراته مع ما فيه من نسبته إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وهو ما لا يمكن قبوله:
فأوّله: قوله(صلّى الله عليه وآله): (لقد هممت، أو أردت)، فإن كان من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فهو لا يليق به، خاصّة أنّه إذا أراد شيئاً فلا يرجع عنه إلاّ لمانع يمنعه خارج عنه، وإن كان من الراوي، كما قالوا(4)، فهو وهن في الرواية.

وثانيه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه)، قال ابن حجر: ((ووقع في رواية مسلم (أو ابنه) بلفظ (أو) التي للشكّ، و(أو) للتخيير، وفي أخرى (أو آتيه) بهمزة ممدودة بعدها مثنّاة مكسورة ثمّ تحتانية ساكنة، من الإتيان بمعنى المجيء))(5).
وقال القاضي عياض: ((وفي رواية أبي ذرّ الهروي (أو ابنه) مكان (أبيه)))(6).
وفي رواية ابن عساكر بسنده: (أردت أن أرسل إلى أبي بكر أو ابنه)(7).
ومن ثمّ روى أحمد: ((قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لعبد الرحمن بن أبي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتّى أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه...))(8).
وروى أبو داود: ((إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال لعائشة: ادع لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه بعدي...))(9).
فأيّ معنى لاستدعاء أبي بكر وابنه فقط من قبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في أمر مهم يتوقّف عليه مستقبل الإسلام، وهو كتابة العهد لمن بعده؟! فأين المهاجرين الأوّلين وزعماء الأنصار حتّى يُشهد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) شخصاً قضى أكثر عمره كافراً، ولم يسلم إلاّ قريباً؟! أو أنّ عائشة أشهدت أحد أهلها حتّى لا يكذّبها بما لم يقع أصلاً؟!!

وثالثه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (أن يقول القائلون أو يتمنّى المتمنّون)، وفيه من الركاكة إضافة للترديد؛ أنّ التمنّي يكون قبل القول، لأنّه يترقّى للقول بعد التمنّي، ولكنّه جعل القول قبل التمنّي هنا.
وأيضاً، إنّه إذا كان الغرض من كتابة العهد هو المنع من قول القائل وتمنّي المتمنّي، فلماذا لم يكتبه النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟ بعد وضوح أنّ ما جعل علّة لعدم الكتابة، وهو قوله(صلّى الله عليه وآله): (يأبى الله...) الخ، لم يكن مانعاً من القول والتمنّي، فقد قال عليّ(عليه السلام) أنّه الأحقّ بالخلافة، وتمنّى سعد بن عبادة ذلك، ثمّ إنّ معناه المفترض لا يتمّ إلاّ بالتقدير، فإنّ القائل يقول ماذا؟ والمتمنّي يتمنّى ماذا؟

ورابعه: قوله(صلّى الله عليه وآله): (يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون)، وهو الأشنع في وقوع الترديد! ونسبته للراوي(10) يوهن الرواية.

ثمّ إنّ فيه من الركاكة:
أ - هل المراد من إباء ودفع الله والمؤمنين إباء ودفع القول والتمنّي، ولذلك لم يكتب النبيّ(صلّى الله عليه وآله)؟ فقد قلنا أنّ ذلك لم يحصل، بل وقعا معاً.

ب - هل المراد من الإباء الإباء التشريعي، أم الإباء التكويني؟
فإذا كان المراد الإباء التشريعي، يعني أنّ الله لا يرضى إلاّ بخلافة أبي بكر ولا يرضى الخلاف فيها، فإنّ ذلك لا يمنع من كتابة العهد، لأنّ المكلّفين مختارين مقابل التشريع، وكثيراً ما يحصل العصيان، ومع ذلك وقع عدم القبول من قبل أشخاص لا يتطرّق الشكّ في إيمانهم وطاعتهم، كعليّ وفاطمة(عليهما السلام)، فضلاً عن بني هاشم، وسعد بن عبادة، وغيرهم.
وإن كان المراد الإباء التكويني وأنّه لا يقع الخلاف خارجاً، فقد عرفت أنّه تخلّف ووقع الخلاف، ولا يمكن نسبة من وقع منهم الخلاف ودفعوا خلافة أبي بكر إلى عدم الإيمان.

ج - أو أنّ المراد: يأبى الله إلاّ وقوع خلافة أبي بكر في الخارج، ولكنّه على هذا سوف لا يتّسق مع ما بعده وهو (ويدفع المؤمنون)، فما معنى: (ويدفع المؤمنون إلاّ خلافة أبي بكر)؟ إذ يدفعون ماذا؟
وإذا قيل: يدفعون الخلاف في خلافة أبي بكر فسوف يتعارض مع التقدير الأوّل، لأنّ التقدير لا بدّ وأن يكون واحد في الاثنين، فيقدّر (يأبى الله وقوع الخلاف في خلافة أبي بكر)، فيأتي فيه الاحتمالان الأوّلان.

وأمّا إذا قيل: إنّ الصحيح (يدفع الله ويأبى المؤمنون)، فلا بدّ أن يكون المراد (يدفع الله الخلاف)، وقد قلنا أنّ الله لم يدفعه فقد وقع من عليّ(عليه السلام)، وسعد، وغيرهما.
ومنه يظهر أنّ كلّ فقرات الحديث لا يتمّ معناها المفترض إلاّ بتكلّف وتقدير وتأويل، وهذا هو المراد بالركاكة، إذ يبعد ذلك في كلام أفصح من نطق بالضاد.
ودمتم في رعاية الله

(1) شرح نهج البلاغة 11: 49 (203) فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الأحاديث.
(2) الغدير 5: 340 سلسلة الموضوعات في الخلافة.
(3) صحيح مسلم 2: 21 باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرها.
(4) انظر: فتح الباري 10: 106 باب ما رخص للمريض أن يقول إنّي وجع.
(5) فتح الباري 10: 106 باب ما رخّص للمريض أن يقول إنّي وجع، وانظر: عمدة القاري، للعيني 21: 223 الحديث (5666).
(6) إكمال المعلم بفوائد مسلم 7: 390 كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر.
(7) تاريخ مدينة دمشق 30: 266 (3398) ترجمة أبي بكر.
(8) مسند أحمد بن حنبل 6: 27 حديث السيّدة عائشة.
(9) مسند أبي داود الطيالسي: 210 ابن أبي مليكة عن عائشة.
(10) انظر: عمدة القاري، للعيني 21: 223 الحديث (5666).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال