الاسئلة و الأجوبة » النبي محمد (صلى الله عليه وآله) » الرد على من ادّعى أن الوحي عبارة عن النبوغ


ام محمد / العراق
السؤال: الرد على من ادّعى أن الوحي عبارة عن النبوغ
السلام عليكم
ارجوا الرد على هذة الشبهه بصورة واضحه
ان الوحي نوع من النبوغ العقلي والتفوق الذهني في الانسان وليس ثمرة اتصال الموحي اليه بالله تعالى
لكم كل التقدير والاحترام
الجواب:

الأخت أم محمد المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أجاب على هذا الاشكال الشيخ السبحاني في الالهيات, قال:
إنّ تفسير النبوة بالنبوغ ليس تفسيراً جديداً, وإن صيغ في قالب علمي جديد, فإنّ جذوره تمتد إلى عصر ظهور الإسلام حيث كان العرب الجاهليون يحسّون بجذبات القرآن وبلاغته الخلابة, فينسبونه إلى الشعر الّذي كان الحرفة الرائجة عندهم, ويتبارز فيه النوابغ منهم, فكانوا يقولون: (( بَل هُوَ شَاعِرٌ فَليَأتِنَا بِآيَة كَمَا أُرسِلَ الأَوَّلُونَ )) (الانبياء:5)
ويرد عليهم القرآن الكريم بقوله: (( وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُؤمِنُونَ )) (الحاقة:41)
وبقوله: (( وَمَا عَلَّمنَاهُ الشِّعرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِن هُوَ إِلاَّ ذِكرٌ وَقُرآنٌ مُبِينٌ )) (يس:69)
ومع ذلك يلاحظ عليه:

أولاً: إنّ العودة إلى هذه النظرية ينبع من الإحساس بالصَّغار أمام الحضارة المادية المُدهشة, المقترنة بأنواع الاكتشافات والاختراعات في مجال الطبيعة, والقائلون بها جماعة من متجددي المسلمين, انسحبوا أمام هذه الحضارة ناسين شخصيتهم الإسلامية, فلجأوا إلى تفسير عالم الغيب والنبوة والدين والوحي بتفسيرات ملائمة للأُصول المادية, حتى يَجبرُوا مركّب النقص في أنفسهم من هذه الزاوية, ويصيحوا على رؤوس الأشهاد بأنّ أُصول الدين لا تخالف الأصول العلمية الحديثة.
ولو صحّت هذه النظرية, لم يَبقَ من الاعتقاد بالغيب إلاّ شيء واحد, وهو الاعتقاد بوجود الخالق البارئ, وأمّا ما سوى ذلك, فكلُّه بأجمعه نتاج الفكر الإنساني الخاطئ بالنتيجة, لا يبقى إذعان بشيء ممّا أتى به الأنبياء من الأصول والمعارف في الدنيا والآخرة. وهذا في الواقع نوع إنكار للدين, لكن بصورة لا تخدش العواطف الدينية.

ثانياً: إنّ قسماً ممّا يقع به الوحي ويخبربه النبي, الإنباء عن الحوادث المستقبلية, إنباءً لا يخطيء تحققه أبداً.
أفترى هل يجرؤ نابغة من نوابغ المجتمع على الإنباء بنزول العذاب قطعاً بعد أيام ثلاثة, ويقول: (( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُم ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوب )) (هود:65).
أو يخبر بهزيمة جيوش دولة عظمى في مدة لا تزيد على تسع سنين ويقول: (( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدنى الأَرضِ وَ هُم مِن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ * فِي بِضعِ سِنِينَ )) (الروم:1-4). والبضع من العدد من ثلاثة إلى تسعة.
إنّ النوابغ وإن سَمَوا في الذكاء والفطنة, لا يخبرون عن الحوادث المستقبلية إلاّ مع الاحتياط والترديد, لا بالقطع واليقين وأمّا رجالات السياسة, اللاعبين بحبلها لمصالحهم الشخصية, سواء صدقت تنبؤاتُهم أم كذبت, فإنّ حسابَهم غيرُ حساب النوابغ.

ثالثاً: لو كان لهذه النظرية مسحة من الحق أو لمسة من الصدق, فما لنا لا نرى حملة الوحي ومدعي النبوة ينبثون بشيء من ذلك, بل نراهم على العكس, ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى الله سبحانه, ولا يدّعون لانفسهم شيئاً.
هذا هو القرآن الكريم - الّذي جاء به النبي الخاتم - يصرّح بأنً ما حوى من الحقائق والقوانين, مّما أوحى به الله سبحانه, وليس هو من تلقاء نفسه:
(( إِن أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ )) (الأنعام:50), (( إِن هُوَ إِلاَّ وَحيٌ يُوحَى )) (النجم:4)
ولا يشك أحد في أنّ الأنبياء عبادٌ صالحون, صادقون لا يكذبون ولا يفترون, فلو كانت السنن الّتي أتوا بها من وحي أفكارهم, فلماذا يغرون المجتمع بنسبتها إلى الله تعالى. فهذه النسبة, إن دلّت على شيء, فإنّما تدلّ على أنّهم كانوا يجدون في أنفسهم أنّ إدراكَ هذه السنن والمعارف, إدراكٌ وراءَ الشعور الفكريُ المشترك بين جميع أفراد الإنسان, وأنّ الطريق الّذي يصلون به إليها, غيرُ طرق الإدراك المألوفة.
وبكلمة جامعة, إنّا نرى في المجتمع الإنساني طائفتين من رجال الإصلاح والصلاح, كلٌّ يدّعي سَوقَ المجتمع إلى السعادة:
طائفة - ولهم جذور عريقة في التاريخ - ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى عالم الغيب, ويثبتون لأنفسهم مقام الرسالة والسفارة وأنّهم ليس لهم شأن سوى كونهم وسائط لإبلاغ أمر الله ونهيه.
وطائفة أخرى - مع اتّصافهم بالصلاح والسداد والسعي وراء الصالح العام - ينسبون تعاليمهم إلى قرائحهم وبدائع أفكارهم, ويعلّلون مبادءهم ببراهين اجتماعية أو تاريخيّة أو عقلية, ولا يتجاوزون هذا الحدّ قدر شعرة.
فلو كانت الطائفتان صادرتين عن أصل واحد, وتستقيان من عين واحدة, فلماذا لم تَدّع ثانيتهما ما ادعته الأولى؟.

ثم إنّ علماء النفس الذين بحثوا عن النبوغ, ذكروا لبُروزه وتفجرّه في الإنسان عواملَ, هي:
1- العشق.
2- انهضام الحُقوق .
3- العزلة.
4- كثرة السكوت.
5- التربية والتوجيه الأوّلي الّذي يتلقّاه الإنسان في صغره.
فإنّ هذه العوامل توجد في الإنسان استغراقاً في نفسه, وتوقّداً في أفكاره, وتَمَيُّزاً في فطنته وذكائه. ولكن تفسير النبوات والرسالات, والقوانين والشرائع الّتي جاء بها الأنبياء بهذا الطريق, أشبه بتفسير علّة تفجر البركان وثورانه, بسقوط طائر على فوهته.

هذا, ولو كانت شريعة النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) والكتاب المجيد الّذي جاء به, وليدي النبوغ والعبقرية, فلماذا عجز عن مقابلته ومقارعته, النوابغ والعباقرة طرّاً في جميع القرون إلى عصرنا هذا, كما سيوافيك تفصيله في النبوة الخاصة؟.( الإلهيات 132:3).
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال