الاسئلة و الأجوبة » الاجتهاد والتقليد » الإمام عليّ(عليه السلام) وأصحاب الرأي


ابو محمد / عمان
السؤال: الإمام عليّ(عليه السلام) وأصحاب الرأي

كيف يوفّق العلماء (المجتهدون الحاليون) بين اختلافهم في الفتاوي وقول الإمام عليّ(عليه السلام):
(تَرِدُ عَلَى أحَدِهِمُ القَضِيَّةُ في حُكم مِنَ الاَحكَامِ فَيَحكُمُ فِيهَا بِرَأيِهِ, ثُمَّ تَرِدُ تِلكَ القَضِيَّةُ بِعَينِهَا عَلَى غَيرِهِ فَيَحكُمُ فِيها بِخِلافِ قَولِهِ, ثُمَّ يَجتَمِعُ القُضَاةُ بِذلِكَ عِندَ الإمام الَّذِي استَقضَاهُم, فَيُصَوِّبُ آرَاءَهُم جَمِيعاً, وَإِلهُهُم وَاحِدٌ! وَنَبِيُّهُم وَاحِدٌ! وَكِتَابُهُم وَاحِدٌ!
أَفَأَمَرَهُمُ اللهُ - سُبحَانَهُ - بِالاختلاَفِ فَأَطَاعُوهُ؟! أَم نَهَاهُم عَنهُ فَعَصَوهُ؟! أَم أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ دِيناً نَاقِصاً فَاستَعَانَ بِهِم عَلَى إِتمَامِهِ؟! أَم كَانُوا شُرَكَاءَ لَهُ فَلَهُم أَن يَقُولُوا وَعَلَيهِ أَن يَرضِى؟! أَم أَنزَلَ اللهُ سُبحَانَهُ دِيناً تَامّاً فَقَصَّرَ الرَّسُولُ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَن تَبلِيغِهِ وَأَدَائِهِ؟! وَاللهُ سُبحَانَهُ يَقُولُ: (( مَا فَرَّطنَا في الكِتَابِ مِن شَيء )) (الأنعام:38) وَفِيهِ تِبيَانٌ لِكُلِّ شَيء, وَذَكَرَ أَنَّ الكِتَابَ يُصَدِّقُ بعضه بَعضاً, وَأَنَّهُ لاَ اختِلافَ فِيهِ؛ فَقَالَ سُبحَانَهُ: (( وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثِيراً )) (النساء:82) )(1).
كيف يتغاظى عموم الشيعة عن المجتهدين ويسمحوا لهم بالاجتهاد، مع أنّ الكليني الذي هو أعلم منهم وأرفع منهم منزلة، وهو الذي جمع (الكافي) الذي هو مرجع الشيعة لمعرفة أحكامهم لم يُجز الاجتهاد, ويعلّق قائلاً أنّه أصلاً حركة الاجتهاد ابتدأت متأخّرة مع الشيخ الطوسي، وأمّا العلماء الذين قبله لم يقرّوا بالاجتهاد: (الاجتهاد حادث على التشيّع)، فهل كان العلماء قبل الشيخ الطوسي مخطئين! وهم الأقرب منه إلى عصر بروز الأئمّة(عليهم السلام)؟!
وأتحدّى أن يأتيني أحد (العلماء وغيرهم) برواية من الكتب الأربعة أو من غيرها مع صحّة السند تندب الاجتهاد.

(1) شرح نهج البلاغة 1: 388، الاحتجاج 1: 389.
الجواب:

الأخ أبا محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال العلاّمة المجلسي في كتابه (بحار الأنوار) في شرح كلام الإمام(عليه السلام):
((هذا تشنيع على من يحكم برأيه وعقله من غير رجوع إلى الكتاب والسُنّة وإلى أئمّة الهدى(عليهم السلام)؛ فإنّ هذا إنّما يكون إما بإله آخر بعثهم أنبياء، وأمرهم بعدم الرجوع إلى هذا النبيّ المبعوث وأوصيائه(عليهم السلام), أو بأن يكون الله شرك بينهم وبين النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النبوّة, أو بأن لا يكون الله عزّ وجلّ بيّن لرسوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جميع ما تحتاج إليه الأمّة, أو بأن بيّنه له لكن النبيّ قصّر في تبليغ ذلك ولم يترك بين الأمّة أحداً يعلم جميع ذلك.

وقد أشار (عليه السلام) إلى بطلان جميع تلك الصور, فلم يبق إلاّ أن يكون بين الأمّة من يعرف جميع ذلك، ويلزمهم الرجوع إليه في جميع أحكامهم.
وأمّا الاختلاف الناشئ من الجمع بين الأخبار بوجوه مختلفة، أو العمل بالأخبار المتعارضة باختلاف المرجّحات التي تظهر لكلّ عالم، بعد بذل جهدهم وعدم تقصيرهم، فليس من ذلك في شيء, وقد عرفت ذلك في باب اختلاف الأخبار, ويندفع بذلك إذا أمعنت النظر في كثير من التشنيعات التي شنّعها بعض المتأخّرين على أجلّة العلماء الأخيار))(1).

وببيان آخر نقول:
نحن مخطّئة لا نقول بصحّة كلّ ما يرد مِن أهل الاجتهاد من آراء، على خلاف المذاهب الأُخرى التي تعدّ كلّ موارد الخلاف صحيحة، أي أنّهم: مصوّبة، وهذا هو الذي يناقض الحقّ؛ لأنّ الحقّ واحد والإله واحد والدين واحد, أمّا نحن فنقول: إنّنا عند غياب الحكم الواقعي نرجع اضطراراً إلى الأحكام الظاهرية، والتي أمرنا بالرجوع لها في مثل هذه الحالة، ولا غضاضة في ذلك؛ لأنّها توفّر لنا المعذرية في مقام التكليف.
وأمّا بقية الأسئلة فقد مضى الجواب علنها؛ فليراجع!
ودمتم في رعاية الله

(1) بحار الأنوار 2: 284.

ابو نور الزهراء / العراق
تعليق على الجواب (1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يُردّ على ما قلتم: ((أمّا نحن فنقول: عند غياب الحكم الواقعي نرجع اضطراراً إلى الأحكام الظاهرية، والتي أُمرنا بالرجوع لها في مثل هذه الحالة، ولا غضاضة في ذلك؛ لأنّها توفّر لنا المعذّرية في مقام التكليف))، برواية أبي بصير: قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ترد علينا أشياء ليس نعرفها في كتاب الله ولا سُنّة، فننظر فيها؟ قال: (لا؛ أما إنّك إن أصبت لم تؤجر، وإن أخطأت كذبت على الله عزّ وجلّ)(الكافي 1: 56 حديث(11)).
الجواب:

الأخ أبا نور المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرواية المذكورة التي وردت في (الكافي) لا تنهى عن الاجتهاد والاستنباط للأحكام الظاهرية، وإنّما هي في مقام النهي عن القياس والعمل بالرأي؛ فإنّ قول أبي بصير: ((فننظر فيها))، أي: ننظر في تلك الأشياء ونستخرج الحكم بقياسها على غيرها؛ فلذلك نهى الإمام(عليه السلام) عن ذلك، وقال: إن أصبت حكم الله في تلك الأشياء بالقياس لم تؤجر؛ لأنّ الأجر إنّما هو على استنباط حكم الله بطريق مخصوص قرره للوصول إليه، وإذا أخطأت فقد كذبت على الله، لأنّه تعويل على الرأي والقياس الباطل في الدين.

ويؤيّد هذا المعنى: فهم الكليني ذلك من الرواية، أي: النهي عن القياس والعمل بالرأي؛ فقد أدرجها في روايات الباب الذي عنونه بعنوان: (باب البدع والرأي والقياس). (وللمزيد ينظر: شرح أُصول الكافي للمازندراني 2: 206 باب (البدع والرأي والقياس)).
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال