الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » لم يثبت يوم أحد


زينة / لبنان
السؤال: لم يثبت يوم أحد
سمعت أحد المشايخ يقول: أنّ أبا بكر كان من الذين ثبتوا مع رسول لله(صلّى الله عليه وآله) عندما تفرّق المسلمون في غزوة أُحد، وما هي الأحاديث الواردة في هذا السياق؟
الجواب:

الأخت زينة المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم يرد في ثبات |أبي بكر يوم أُحد روايات، وإنّما هي أقوال نسجها أتباعه..
ومن هنا ردّ أبو جعفر الإسكافي كما نقله ابن أبي الحديد في شرحه للنهج على الجاحظ في قوله: ((وقد ثبت أبو بكر مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) يوم أُحد كما ثبت عليّ فلا فخر لأحدهما على صاحبه في ذلك اليوم)).
فقال أبو جعفر: ((أمّا ثباته يوم أُحد، فأكثر المؤرّخين وأرباب السير ينكرونه، وجمهورهم يروي أنّه لم يبق مع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إلاّ عليّ، وطلحة، والزبير، وأبو دجانة.
وقد روي عن ابن عبّاس أنّه قال: (ولهم خامس وهو عبد الله بن مسعود، ومنهم من أثبت سادساً وهو المقداد بن عمرو).
وروى يحيى بن سلمة بن كهيل، قال: ((قلت لأبي: كم ثبت مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يوم أُحد؟ فقال: اثنان، قلت: من هما؟ قال: عليّ وأبو دجانة))(1).
بل وردت روايات في فراره..

فقد روى الحاكم النيسابوري (ت405هـ) في (المستدرك) وصحّحه عن عائشة، قالت: ((قال أبو بكر الصدّيق: لمّا جال الناس على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يوم أُحد كنت أوّل من فاء إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فبصرت به من بعد، فإذا أنا برجل قد اعتنقني من خلفي مثل الطير يريد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فإذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح...))(2) الخ.
وعنون الطبراني (ت360هـ) لهذا الحديث في (الأوائل): (باب أوّل من فاء من أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بعد الهزيمة يوم أُحد) ))(3)، وهذا الحديث روي بصور مختلفة عند عدّة من أصحاب الحديث، وقد ضعّفوه بإسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله.
لكن تضعيفهم هذا لا ينفع لوجود روايات أُخر ذكرت هروبه يوم أُحد، وأُخرى يستنبط منها ذلك.

ففي (الاستذكار) لابن عبد البرّ (ت463هـ)، قال: ((وذكر عمر، قال: حدّثنا محمّد بن حاتم، قال: حدّثنا علي بن ثابت، قال: حدّثني موسى بن ثابت بن عيينة، عن إسماعيل بن عمر، قال: لمّا فرض عمر بن الخطّاب الديوان، جاءه طلحة بن عبيد الله بنفر من بني تيم ليفرض لهم، وجاءه رجل من الأنصار بغلام مصفر سقيم، فقال عمر للأنصار: من هذا الغلام؟ قالوا: هذا ابن أخيك هذا ابن أنس بن النضر، قال عمر: مرحباً وأهلاً، وضمّه إليه وفرض له ألفاً، فقال له طلحة: يا أمير المؤمنين! انظر في أصحابي هؤلاء؟ قال: نعم، يفرض له في ستّمائة ستّمائة، فقال طلحة: والله ما رأيتك كاليوم أيّ شيء هذا؟ فقال عمر: أنت يا طلحة تظنن أنّي أنزل هؤلاء منزلة هذا، هذا ابن من جاءنا يوم أُحد أنا وأبو بكر، وقد أُشيع أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قتل، فقال: يا أبا بكر! ويا عمر! ما لي أراكما واجفان إن كان رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قتل، فإنّ الله حيّ لا يموت، ثمّ ولى بسيفه فضرب عشرين ضربة عدّها في وجهه، ثمّ قُتل شهيداً، وهؤلاء قتل آباؤهم على تكذيب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فكيف أجعل ابن من قاتل مع رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كابن من قاتل رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، معاذ الله أن نجعله بمنزلة سواء))(4)، ورواه أُسامة بن منقذ في (اللباب)(5).

وهذه الرواية على لسان عمر نفسه، ولكن الطبري رواها عن لسان غيره، ولم يذكر فيها أبو بكر، قال: ((فحدّثنا ابن حميد، قال: فحدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثني سلمة، قال: حدّثني محمّد بن إسحاق، قال: حدّثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي ابن النجّار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطّاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟! قالوا: قتل محمّد رسول الله، قال: فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ استقبل القوم فقاتل حتّى قتل، وبه سُمّي أنس بن مالك))(6)، ولكن عمر أعرف بمن كان معه.

وفي الصحيح عندهم: ((عن حمّاد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت البناني، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش...))(7).
وأحد المهاجرين عليّ بن أبي طالب بلا ريب، والثاني إمّا سعد أو طلحة، على قولهم، فليس هو أبو بكر.

ولكن ابن حبّان روى في صحيحه عن أبي يعلى بالسند، قال: ((أخبرنا أبو يعلى، حدّثنا هدبة بن خالد، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) قال يوم أُحد لمّا أرهقوه وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش: (من يردّهم عنّا فهو رفيقي في الجنّة)...))(8). لكن في مسند أبي يعلى المطبوع ورد: ((وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش))(9)، وكذا في مسند أحمد المطبوع(10)، لكن ابن كثير في (البداية والنهاية)، و(السيرة النبوية) أورد رواية أحمد عن حمّاد، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس بلفظ: ((وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش))(11)، فلماذا هذا التحريف والخلط؟!

ولعلّ الخلط جاء من حمّاد في روايته الأُخرى عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، ورواها أحمد أيضاً، قال: ((حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفّان، ثنا حمّاد، ثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود: إنّ النساء كنّ يوم أُحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين...
إلى أن قال: أفرد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في تسعة سبعة من الأنصار ورجلين من قريش وهو عاشرهم))(12).
وهوى عطاء والشعبي معروف! مع أنّ عطاء اختلط(13).

ولله كلام المجلسي(رحمه الله) عند ذكره لقرينة فرار أبي بكر في بحاره ما أفحمه، قال: ((وهي محفوفة بالقرائن الظاهرة، إذ من المعلوم أنّ مع ثباته لا بدّ أن ينقل منه إمّا ضرب أو طعن، والعجب منه أنّه حيث لم يكن من الطاعنين كيف لم يصر من المطعونين؟! ولمّا لم يكن من الجارحين لِمَ لَم يكن من المجروحين؟! وإن لم يتحرّك لقتال مع كونه بمرأى من المشركين ومسمع لِمَ لَم يذكر في المقتولين؟! إلاّ أن يقال: إنّ المشركين كانوا يرونه منهم باطناً، فلذا لم يتعرّضوا له، كما لم يقتل ضرار عمر، ولعمري يمكن أن يقال: لو كان حضر ميّت تلك الوقعة لكان يذكر منه بعض ما ينسب إلى الأحياء ولا يدّعي مثل ذلك إلاّ من ليس له حظّ من العقل والحياء))(14).
ودمتم برعاية الله

(1) انظر: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 13: 293 خطبة (238).
(2) المستدرك على الصحيحين 3: 27 ذكر غزوة أُحد، و3: 266 مناقب أبي عبيدة بن الجرّاح.
(3) الأوائل: 91.
(4) الاستذكار 3: 248 باب جزية أهل الكتاب والمجوس.
(5) لباب الآداب: 178، 179 باب الشجاعة من كان من أصحاب رسول الله(ص) من الشجعان.
(6) تاريخ الطبري 2: 199 غزوة أُحد، جامع البيان 4: 150 قوله تعالى: (وما محمّد إلاّ رسول الله).
(7) صحيح مسلم 5: 178 باب غزوة أُحد.
(8) صحيح ابن حبّان 11: 18 الحديث (4718).
(9) مسند أبي يعلى 6: 67 الحديث (3319)، و7: 68 الحديث (3990).
(10) مسند أحمد بن حنبل 3: 286 مسند أنس بن مالك.
(11) البداية والنهاية 4: 29 غزوة أُحد، السيرة النبوية 3: 51 غزوة أُحد، روايات الإمام أحمد.
(12) مسند أحمد بن حنبل 1: 463 مسند عبد الله بن مسعود، وانظر: المصنّف، لابن أبي شيبة 8: 492 الحديث (42) هذا ما حفظ أبو بكر في أُحد وما جاء فيها.
(13) انظر: مجمع الزوائد 6: 109 باب غزوة أُحد.
(14) بحار الأنوار 20: 142 غزوة أُحد.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال