الاسئلة و الأجوبة » الحريّة والديمقراطية » الحرية في الإسلام


عبد الخالق / العراق
السؤال: الحرية في الإسلام
اريد ان اطرح بعض التساؤلات التي طالما تتكرر على مسامعنا في اوربا الحريه الشخصيه والانتماء الديني غقد تعلما من الغرب احترام تلك الحريه بينما ائما نتبجح بنصوص لم تطبق ولولا مواجهتنا مع الغرب لما اكتشفناها ثم كيف تحدث
القرأن الكريم عن الحريه وكذلك السنه المطهره مع دعائي لكم بقبول الاعمال
الجواب:

الأخ عبد الخالق المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ان الحرية في الإسلام هي الأصل في الإنسان كما قال علي أمير المؤمنين (عليه السلام) لولده الحسن (عليه السلام) : ((ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)). إلاّ ان هذا المعنى ليس على إطلاقه - كما قد يفهم من ظاهر كلام الإمام (عليه السلام) - بل ان في كلام الإمام (عليه السلام) نفسه قرينة على عدم إرادة الإطلاق وذلك لقوله: ((جعلك الله)) أي ان الحرية المشار إليها هنا هي الحرية المجعولة في اطار العبودية لله.
يقول السيد محمد باقر الصدر في كتابه ((المدرسة الإسلامية)) عند المقارنة بين مفهوم الحرية في الإسلام ومفهومها في الديمقراطية الرأسمالية: نحن حين نطلق كلمة (الحرية), نقصد بها معناها العام وهو : نفي سيطرة الغير, فإن هذا المفهوم هو الذي نستطيع أن نجده في كل من الحضارتين (الإسلامية والغربية), وان اختلف إطاره وقاعدته الفكرية في كل منهما.
ومنذ نبدأ بالمقارنة بين الحرية في الإسلام, والحرية في الديمقراطية الرأسمالية تبدو لدينا بوضوح الفروق الجوهرية بين الحرية التي عاشها المجتمع الرأسمالي ونادت بها الرأسمالية وبين الحرية التي حمل لواءها الإسلام وكفلها للمجتمع الذي صنعه وقدم فيه تجربته على مسرح التاريخ. فكل من الحريتين تحمل طابع الحضارة التي تنتمي إليها, وتلتقي مع مفاهيمها عن الكون والحياة, وتعبّر عن الحالة العقلية والنفسية التي خلقتها تلك الحضارة في التاريخ.
فالحرية في الحضارة الرأسمالية: بدأت شكاً مريراً طاغياً واستحال هذا الشك في امتداده الثوري إلى إيمان مذهبي بالحرية وعلى العكس من ذلك الحرية في الحضارة الإسلامية: فإنها تعبير عن يقين مركزي ثابت (الإيمان بالله) تستمد منه الحرية ثوريتها, وبقدر ارتكاز هذا اليقين وعمق مدلوله في حياة الإنسان, تتضاعف الطاقات الثورية في تلك الحرية..
والحرية الرأسمالية ذات مدلول ايجابي, فهي تعتبر: أن كل إنسان هو الذي يملك حق نفسه, ويستطيع أن يتصرف فيها كما يحلو له, دون أن يخضع في ذلك لأي سلطة خارجية.
ولأجل ذلك كانت جميع المؤسسات الاجتماعية - ذات النفوذ في حياة الإنسان - تستمد حقها المشروع في السيطرة على كل فرد من الأفراد أنفسهم.

وأما الحرية في الإسلام فهي تحتفظ بالجانب الثوري من الحرية وتعمل لتحرير الإنسان من سيطرة الأصنام, كل الأصنام التي رزحت الإنسانية في قيودها عبر التاريخ, ولكنها تقيم عملية التحرير الكبرى هذه على أساس الإيمان بالعبودية المخلصة لله وحده. فعبودية الإنسان لله في الإسلام - بدلاً عن امتلاكه لنفسه في الرأسمالية - هي الأداة التي يحطم بها الإنسان كل سيطرة وكل عبودية أخرى, لأن هذه العبودية في معناها الرفيع تشعره بأنه يقف وسائر القوى الأخرى التي يعايشها على صعيد واحد, أمام ربّ واحد, فليس من حق أي قوة في الكون أن تتصرف في مصيره, وتتحكم في وجوده وحياته.
والحرية في مفاهيم الحضارة الرأسمالية حق طبيعي للإنسان, وللإنسان أن يتنازل عن حقّه متى شاء, وليست كذلك في مفهومها الإسلامي, لأن الحرية في الإسلام ترتبط ارتباطاً أساسياً بالعبودية لله, فلا يسمح الإسلام للإنسان أن يستذل ويستكين ويتنازل عن حريته, لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً. فالإنسان مسؤول عن حريته في الإسلام وليست الحرية حالة من حالات انعدام المسؤولية.
هذا هو الفرق بين الحريتين في ملامحهما العامة)). (انتهى)

ثم شرع السيد محمد باقر الصدر بعد ذلك بتوضيح شامل لما ذكره أعلاه من بيان لملامح كل من هاتين الحريتين في العالمين الإسلامي والغربي.. (انظر المصدر: 83 - 108).
وللاستزادة في ملاحظة مفهوم الحرية في الإسلام ومفهومها في الغرب يمكنكم مراجعة كتاب (الميزان في تفسير القرآن) (4: 116). وأيضاً يمكنكم مراجعة موقعنا على الانترنت / الأسئلة العقائدية / الحريّة والديمقراطية / حدود الحرية.
ودمتم في رعاية الله


عبد الخالق / العراق
تعليق على الجواب (1)
السلام عليكم
اعود كرة اخرى لموضوع الحريه فهناك احاديث تشيرالى ان الدنيا هي سجن المؤمن وان القران الكريم تحدث عن العبوديه ولم يتحدث عن الحريه بنفس الكم مما يوحي باصالة العبوديه لاالحريه كذلك قصة الامام الكاظم عليه السلام مع جارية بشر الحافي مع دعائي الصادق لكم والسلام
الجواب:

الأخ عبد الخالق المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قبل الحرية ومضامينها علينا ان نبحث في نقطتين رئيسيتين تحلان لنا الاشكالات المطروحة في المقام:
النقطة الأولى: البحث في وجود خالق للانسان وللعالم من عدمه.
والنقطة الثانية: إثبات ان الخالق اعلم من المخلوق واعرف منه بمصلحته (أي ان الخالق اعرف من المخلوق بما يصلح المخلوق).
والفائدة التي نجتنيها من النقطة الاولى ستحل لنا اشكالية أن الإنسان لا قيّم عليه، وله أن يفعل ما يشاء لما يشاء، فإن الاعتراف بالخالقية معناه الاعتراف بالفقر والعجز والارتباط بالآخر حدوثاً وبقاءاً، الأمر الذي يعني وجوب الانصياع لا رادة الآخر شاء الإنسان أم أبى ذلك.

وفي هذا الصدد يروى أن شخصاً جاء الى الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يقول له أنه مبتلى بمعصية الله، فقال له الإمام (عليه السلام) ما مضمونه ان عليك ان تجد ارضاً ليست لله، وهواءاً تستنشقه لم يخلقه الله، وماءً تشربه لم يفجر عيونه الله، وان يكون عملك تحت سماء لم يخلقها الله ثم بعد ذلك لك الحق في أن تعصيه...
والمتحصل: ان على المرء ان يتثبت من هذه النقطة الأولى ويحسم امره معها ثم ينتقل للكلام بعد ذلك فيما له من حدود الحريه ومضامينها.
وأما النقطة الثانية، وهي متفرعة عن الأولى، فهي تفيدنا في حقيقة نعيشها كل يوم في حياتنا، ونعني بها عودة الجاهل إلى العالم، فالجاهل بدواء مرضه يرجع إلى الطبيب، والجاهل ببناء بيته يرجع إلى المهندس، والجاهل بخياطة ملابسه يرجع إلى الخياط، وهكذا، ولا تجد مكابراً في هذا الجانب.. فإننا اذا عرفنا ان الخالق - وهو لا بد أن يكون كذلك - اعلم من المخلوق. إذ العلة الموجدة من العدم والقائمة بحاجات الكائن الذي اوجدته بما يحفظ له وجوده وحياته إلى الغاية التي ارتئتها من وجوده وبقاءه هي اعلم من المعلول، وهي اعرف بما يصلحه وما يضره، فإذا حدّدت لنا هذه العلة الموجودة مسارات الطريق وأوجزت لنا المنافع والمصالح ببيانات ارسلتها بيد رسل مؤتمنين عليها وادركنا صدقها وانها جاءت من لدن عليم خبير، فيكون عندئذ مجانبتها أمراً مخالفاً لبصيرة العقل، وتصرفاً بغاية البلاهة والسذاجة، فالعقل لا يترك المنفعة المضمونة لأجل المغامرة التي قد تودي به وبمصيره... ومن هنا نفهم الحرية المسؤولة التي تحدثنا عنها في الإسلام في الجواب السابق وندحض كل جديد حول الموضوع.

وان اردنا الاجابة على مفردات الاسئلة فنقول:
1- قولهم: ان المهم هو العيش حسب اختيار الفرد لا الاستمرار دون الشعور بالحرية.
نقول: هذه مغالطة واضحة، إذ لا توجد حرية مطلقة حتى عند الاقوام الملحدة غير المؤمنة، فهم لا يستطيعون ان يفعلوا ما تشتهيه انفسهم وما يرغبون به من دون مراعاة للمجتمع الذي يعيشون به، فالشعور بالحرية المطلقة وهم محض، لا حقيقة له على أرض الواقع، والفرق بين الإسلام وغيره، ان القوانين التي تحدد مسارات الحرية للانسان مشرّعة من قبل الله الخالق الحكيم، وأما في غيره فهي مشرّعة من قبل الإنسان المخلوق المحدود المعرفة والقدرات... ففي كلا الحالتين، في الإسلام وغيره، توجد قوانين تحد من الحرية المطلقة للإنسان.

2- قولهم: ان العلم كفيل..الخ.
نقول: ما يقوله أهل العلم فرضيات قابلة للنقض، وما أكثر النظريات والفرضيات العلمية التي ينقض بعضها بعضاً، ونحن بعد إيماننا بوجود الله، وانه خالقنا، وأنه أعلم منا وهو الاكثر إحاطة بما ينفعنا وما يضرنا صار التسليم بالاقوال الواصلة بالطرق المعتبره والصادره من الشارع في باب النواهي عن المآكل والمشارب وتحديد ما يحل للانسان أكله وما يحرم عليه أمراً يفرضه العقل السليم علينا لان مخالفة الجاهل للعالم قبيح عقلاً، ولا ينبغي للعاقل المصير اليه.

3- قولهم: ان القرآن الكريم تحدث عن العبودية..الخ.
نقول: قد ذكرنا سابقاً أنه لا وجود للحرية المطلقة، إلا اذا افترضنا ان هذا الانسان قد أوجد نفسه بنفسه، وهو باطل جزماً، لأن المسبوق بالعدم لا يقدر على ايجاد نفسه لان فاقد الوجود لا يعطي الوجود، سواء لنفسه أو لغيره.. فالذين لا يعترفون بان الله خالقهم وأنهم عبيد لربهم فهم عبيد من جهة أخرى للمجتمع الذي يعيشون فيه ويحتكمون الى قوانينه، فالمضمون من حيث الحد من الحرية وعدمه واحد، والاختلاف إنما هو في الشكل فقط، إذ المتحكم بأمر الحرية في الإسلام هو الله وحده، والمتحكم بها في المجتمع أهله والقائمين عليه.
مع ملاحظة مهمة جداً ان الإسلام عندما نهى عن العبودية بين البشر بمعنى ان لا يكون الإنسان عبداً لغيره من البشر الناقص المحدود القدرات، وان لا يعبد إلا ربّاً كاملاً قادراً فإن هذا عين الرحمة والخير والعطاء.. وهذا المعنى البليغ هو الذي انتدب المولى عباده اليه، وهذه العبودية المطلقة لله في واقعها هي عين الحرية التي يدعو إليها الإسلام العزيز، لانها تعني التحرر من عبودية الشهوات والموبقات التي تقود الإنسان إلى ما يضره ويهلكه الأمر الذي ثبت بالحس والعيان صحته.. ومن هنا نفهم قول أمير المؤمنين (عليه السلام) لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله حراً.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال