الاسئلة و الأجوبة » العرفان » معنى العبودية وأنّها علّة غائية


مرتضى حسين / بلجيكا
السؤال: معنى العبودية وأنّها علّة غائية
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما هي حقيقة العبودية؟ هل من توضيح قرآني وروائي لحقيقة العبودية؟
وهل خلقنا لأجل عبادة الله عزّ وجلّ, كما مفاد الآية الكريمة: ((وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالأِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ))(الذاريات (51): 56)، أم الغاية هي حصول اليقين (واعبد ربك حتى ياتيك اليقين)؟
وكذلك التقوى في قوله تعالى: ((يا ايها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون))( )،
أم خلقنا الله عزّ وجلّ ليرحمنا, كما مفاد هذه الآية الكريمة: ((الا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لاملان جهنم من الجنّة والناس اجمعين))( )؟
فما معنى هذه الرحمة التي لأجلها خُلقنا، وما كانت حاجتنا لها ونحن بعد لم نوجد؟
وبعد هذا نسألكم سؤالنا الأساسي وهو: لما كُنّي سيّد الشهداء(سلام الله عليه) بأبي عبد الله, وهل هذه الكنية أُعطيت له صلوات الله عليه من الله عزّ وجلّ, كما اسمه الشريف (الحسين), وأي عبودية هي المقصودة في هذه الكنية الشريفة حتى صارت هذه العبودية, محوراً ومناراً لعبودية الكائنات أجمع لله عزّ وجلّ في سيرهم نحو الكمال, وعلى ضوء هذا ما دلالة (عبادي) في قوله تعالى في سورة الفجر المباركة: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي))(الفجر (89): 27 ــ 30), من هم هؤلاء العباد؟ وما معنى ودلالة الرجوع في هذه الآية الكريمة (( ارجِعِي إِلَى رَبِّكِ))؟
وشكراً لكم
الجواب:

الأخ مرتضى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أوّلاً: سئل عنوان البصري الإمام الصادق(عليه السلام) عن حقيقة العبودية، فقال: (ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله ملكاً، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوّله الله تعالى ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبّره هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه لا يتفرّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس، فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا وإبليس والخلق، ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أوّل درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: تِلكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرضِ وَلَا فَسَاداً وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ))(القصص (28): 83)...)الخبر (بحار الأنوار 1: 24 حديث (17) كتاب العلم باب (آداب طلب العلم واحكامه)).
وورد عنه(عليه السلام) في كتاب (مصباح الشريعة): (العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي في الربوبية أصيب عن العبودية)(مصباح الشريعة: 7 الباب الثاني).
وعلق السيّد الخميني(قدس) على هذا الحديث في كتاب (الآداب المعنوية للصلاة)، بقوله: ((فمن سعى بخطوة العبودية ووسم ناحيته بسمة ذلّ العبودية يصل إلى عزّ الربوبية، والطريق للوصول إلى الحقائق الربوبية هو السير في مدارج العبودية، فما فقد من الآنية والأنانية في عبوديته يجده في ظلّ الحماية الربوبية، حتى يصل إلى مقام يكون الحقّ تعالى سمعه وبصره ويده ورجله، كما في الحديث الصحيح المشهور عند الفريقين))(الاداب المعنوية للصلاة: 32 المقالة الأولى، الفصل الأوّل).
ثانياً: أمّا بالنسبة إلى كون العلّة الغائية للخلق هي العبودية، كما هو صريح قوله تعالى: ((وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالأِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ))(الذاريان (51): 56). فقد فسّرت العبودية في جملة من الروايات بالمعرفة، ولعلّ السرّ في تفسيرها بذلك،هو لمعرفة أنّ ثمرة العبودية لله عزّ وجلّ هي حصول المعرفة، فقد ورد عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه: (من أخلص لله أربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه)(عيون أخبار الرضا 2: 74 حديث (321) الباب (31))، وورد أيضاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام): (ليس العلم في السماء فينزل عليكم، ولا في تخوم الأرض فيخرج لكم، ولكن العلم مجبول في قلوبكم، تأدبوا بآداب الروحانيين يظهر لكم)(موسوعة العقائد ال‘سلامية 2: 22 حديث (1285) القسم الرابع ، الفصل الأوّل: حقيقة العلم).
فالمعرفة إذن ثمرة من ثمرات العبودية الحقّة لله عزّ وجلّ، وثمرة المعرفة هو حصول اليقين في القلب، فاليقين هو العلم الذي يقذفه الله نوراً في قلب من يشاء، ولا يحصل إلاّ بأعلى درجات العبادة من الورع والتقوى الموجبة لانفتاح بصيرة الإنسان التي تشاهد ما لا يشاهده البصر، ولذلك قال الله تعالى في حقّ إبراهيم(عليه السلام): ((وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ))(الأنعام (6): 75).. ولا شكّ أنّ اليقين من أعلى مصاديق الرحمة الإلهية..
فتكون علّة الخلق هي حصول جميع هذه المعاني من دون تنافي.
ودمتم في رعاية الله


فاطمة / العراق
تعليق على الجواب (1)
لقد ذکرتم هذا الحديث الشريف: (سئل عنوان البصري الإمام الصادق(عليه السلام) عن حقيقة العبودية، فقال: (ثلاثة أشياء ...).
لکن المشکلة الانسان لم يصبح عبد، طبعا لو کان عبدا و لا يري لنفسه ملکا و... تتحقق العبودية. عادتا الانسان يري الاسباب مؤثرة في حياته و لهذا لا يستطيع ان يصل للعبودية... اذن کيف يحل هذه المشکلة؟ برأيي الانسان لم يعرف مالکه، فکيف يري نفسه مملوکا. في حين بالتجربة يري تأثير الاسباب بشکل مباشر. مثلا يري عادتا اذا يحسن الي شخص ما يحسن اليه و يري اذا حافظ الي صحته عادتا لم يتمرض و ... لکن لا يري تأثير الله سبحانه بشکل مباشر... فکيف يکون الانسان عبدا؟
ارجوا ان تعطوني جواب واقعي و عملي. لان تحليل الروايات امر صعب و جائر لم نأخذ کثير من الامور بنظر الاعتبار.
الجواب:
الأخت فاطمه المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انما العبودية المشار إليها في الحديث الشريف هي العبودية الحقيقية التي وصل إليها بعض عباد الله تعالى وفي مقدمتهم محمد وآله الطاهرون صلوات الله عليهم.. وأما عبودية سائر الخلق فهي عبودية مشوبة بالأنانية وحب الدنيا... ومع ذلك فليست العبودية الحقيقية أمر مقتصر على هؤلاء النخبة ولا هي بعيدة عن متناول سائر العباد فمن اجتهد في طاعة الله تعالى وتقواه وأخلص له، وتجنب سخطه بالتقرب إليه آناء الليل وأطراف النهار نالها، ولا شك أن الله عزوجل خلق الخلق لأجل هذه الغاية لأن العبد الذي يصدق عليه مفهوم العبودية بالمعنى المتقدم يحبوه الله عزوجل بأنواع المواهب كالمعرفة التي فسرت العبودية بها في بعض الروايات الشريفة، وإلى ذلك يشير الإمام الصادق عليه السلام في حديثه : العبودية جوهرة كنها الربوبية.
ودمتم في رعاية الله

نصرت هادي / الباكستان
تعليق على الجواب (2)
قلتم ان المعرفة ثمرة العبودية ... مع انه لا يمكن للانسان ان يعبد الا ان يعرف المعبود اولا ... كمال قال امير المؤمنين عليه السلام : اول الدين معرفته.
فماذا تقصدون ان المعرفة ثمرة العبودية ؟
الجواب:
الأخ نصرت المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المقصود بالمعرفة التي هي ثمرة العبودية: كمال المعرفة الذي يتحقق بها العبد فيصير بسببها عارفا، ولا شك أن هذه المعرفة لا تحصل من دون سعي خاص هو العبادة، وقد فسرت العبادة بالمعرفة لأن العابد يعرف أن له معبوداً مستحقا للعبادة، فإذا آمن العابد بذلك فقد أقر بالعبودية اي تحقق برسمها، فتصير عبادته حينئذ طريقاً إلى تكامله. وسلوك الطريق الموصل لتحصيل هذه الغاية هو ايضا معرفة، إذ الطرق كثيرة ومتشعبة، وأسلم الطرق هو الطريق الذي يرشد إليه أولياء الله تعالى، لأنهم أعرف الناس بإيصاله إلى تلك الغاية، قالوا عليهم السلام: (لا يعرف الله إلا بسبيل معرفتنا).
فالمعرفة الموصوفة بكونها ثمرة العبودية إذن: هي المعرفة التامة التي هي غاية العارف في مراتب السلوك، وكل مرتبة هي كمال لما قبلها إلى أن تتم المعرفة المطلوبة له بحسب ما في وسعه، وبكمال المعرفة يتم الدين وينتهي السفر إلى الله تعالى.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال