×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أدوات الخط: تكبير افتراضي تصغير

معنى قولهم (عليهم السلام) (لنا مع الله حالات هو فيها نحن...)


السؤال / حيدر نظير / العراق
يُذكر كلام ينسب إلى الأئمّة (عليهم السلام) : (لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن ونحن هو).
وقد أُشكلت علَيَّ فهم هذه العبارة.. ألا تدلّ على معتقد وحدة الوجود، واتّحاد الخالق مع المخلوق، وهي شبيهة بعقائد النصارى من حلول الإله في البشر؟
أرجو المساعدة بالإجابة، ولكم كلّ الشكر والامتنان.
الجواب
الأخ حيدر نظير المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
بادئ ذي بدء نقول: إنّ هذا الكلام المنسوب إلى الأئمّة (عليهم السلام)، لا يوجد له سند في الكتب الحديثية عند مدرسة أهل البيت، بل خلوّها من هكذا متن.
نعم، أورده العرفاء في بعض كتبهم كالفيض الكاشاني (ت1091هـ) في (الكلمات المكنونة) مرسلاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) بلفظ: (لنا حالات مع الله هو فيها نحن، ونحن فيها هو، ومع ذلك هو هو ونحن نحن)(1)، ومنه استقى الباقون؛ هذا أوّلاً.

ثانياً: إنّ قولهم (عليهم السلام) هذا - بعد التسليم بصحّة النسبة - ليس فيه دلالة على ما أشرت إليه!
فقولهم: (لنا حالات مع الله هو فيها نحن...) الخ، ناظر إلى المقام الذي يطلق عليه العرفاء (مقام الفناء) - وهو غير (مقام الحلول والاتحاد) الذي تزعمه الصوفية - أي: إنّ لنا مع الله تعالى حالات نكون في هذه الحالات لشدّة الاتّصال به عزّ وجلّ والقرب منه كأنّنا هو، إذ تغيب إنياتنا في هذه الحالات لاندكاكها في عظمته، فنكون مظهراً لأمر الله وفعله، فإذا قلنا فالله تعالى هو القائل بنا، وإذا فعلنا فالله تعالى هو الفاعل بنا، فبلحاظ هذه الحالات يكون فعلنا وقولنا فعل الله وقوله، مع أنّه أجل وأعلى من أن يتّحد بنا، لأنّنا نحن نحن وهو الله، وكذلك نكون كأنّنا الله عزّ وجلّ مع إنّنا عبيد له.
ويشير إلى هذا المعنى ما ورد في دعاء كلّ يوم من شهر رجب للإمام الحجّة (عليه السلام) ومنه: (وآياتك ومقاماتك التي لا تعطيل لها، في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك، لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك وخلقك)(2).
فقوله (عليه السلام) : (لا فرق بينك وبينها) يشير إلى تلك الحالات التي لهم (عليهم السلام) مع الله تعالى بحيث تغيب إنياتهم وذواتهم في جلال جبروته وعظمته، ففي مثل هذه الحالات لا يكون ثمّة فرق بينه عزّ وجلّ وبينهم من جهة صيرورتهم مظاهراً لأفعاله، لأنّهم واسطة فيضه، ومحلّ مشيته، ومظهر كبريائه؛ فتأمّل!

ولتقريب الصورة بشكل أوضح، يمكن إدراك هذه المقولة وفهم المراد منها بالمثال التالي:
إنّ المرآة الفضّية حين تشرق عليها الشمس، لها أن تقول بلسان حالها: لي مع الشمس حالات، فإنّها حين لم تشرق عليها تكون كسائر الفلزات، إلّا أنّها حين الإشراق لها أن تقول: أنا الشمس، والشمس أنا، كلّ ذلك بلحاظ الإشراق. وكذلك لها أن تقول: أنا أنا، أي: أنا الفلز المظلم، وهي هي، أي: الشمس هي الشمس، أي: حين الإشراق الشمس شمس لا أنّ الشمس حينئذ مرآة، بل هي هي، أي مع قطع النظر عن المرآة هي هي(3)..
فقوله: (هو فيها نحن، ونحن فيها هو)، حين الإشراق والتجلّي، وقوله: (هو هو ونحن نحن)، أي: بلحاظ ذاوتهم مع قطع النظر عن الإشراق والتجلّي.
فليس هناك حلول ولا اتّحاد، بل ظهور في مظاهر المرآتية المستمد من أنوار جماله وجلاله، وعلمه وقدرته.

ومثال آخر: الحديدة المحماة في النار، فإنها حينئذ كالنار في فعلها، ولا فرق بينها وبينها في الإحراق، إلّا أنّ النار تحرق بفعلها، والحديدة تحرق بفعل النار الظاهرة على الحديدة، وذلك لمجاورتها وقربها من النار بحيث إذا نظرت إلى الحديدة لم تر إلّا حمرة النار، فهم بقربهم إليه تعالى كقرب الحديدة إلى النار، وإنّ لذواتهم قابلية كقابلية الحديدة في قبولها لحرارة النار، فلا محالة تؤثر فيه الآثار الربوبية من العلم والقدرة والنورانية والفعل، فيكون فعلهم فعله تعالى، وبالعكس مع حفظ مقام ربوبية الربّ ومقام عبودية العبد(4).

وخلاصة القول: إنّهم (عليهم السلام) لشدّة قربهم إليه تعالى ظهرت لديهم صفاته تعالى، بحيث تلاشت عندها الحدود الخلقية، مع استثناء رتبة العبودية المشار إليها في كلامهم (عليهم السلام) : (لا فرق بينك وبينها إلّا أنّهم عبادك)(5).
وهذه المرتبة أعلى المراتب للممكن، وهي مرتبة خاصة لمحمّد (صلى الله عليه وآله) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) .
ودمتم في رعاية الله
(1) الكلمات المكنونة: 113 كلمة فيها إشارة إلى معنى الفناء في الله والبقاء بالله، ط حجرية بمبئي 1296هـ).
(2) انظر: مصباح المتهجد، للطوسي: 803 (866) أعمال شهر رجب.
(3) انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة، لجواد الكربلائي 3: 269.
(4) انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة 3: 269، تفسير الصراط المستقيم، للبروجردي 5: 394.
(5) انظر: الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة 4: 34 قوله (عليه السلام): (والحقّ معكم وفيكم ومنكم...).