الاسئلة و الأجوبة » الشوری » نقض ما يستفيده البعض من شورى عمر


مرتضى / بلجيكا
السؤال: نقض ما يستفيده البعض من شورى عمر
سلام عليكم
في الحديث :
إبن كثير - البداية والنهاية -الجزء : ( 7 ) - رقم الصفحة : ( 165 ) فقال : أيها الناس ، إني سألتكم سرا وجهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما علي وإما عثمان ، فقم إلي يا علي ، فقام إليه تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه (ص) وفعل أبي بكر وعمر ؟ قال : اللهم لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي
...............................
ما معنى على جهدي من ذلك و طاقتي
المطلوب كتاب الله و سنة رسوله و سيرة الشيخين و هو يقول على طاقتي و جهدي فنستنتج:
تطابق سيرة الشيخين مع سيرة الرسول ص والفهم الصحيح لكتاب الله بدليل انها شرط للمبايعة
و صعوبة تطبيق هذه السيرة المثالية حتى من قبل كبار الصحابة كعلي و غيره
و الأفضلية التي لا شك فيها للشيخين على باقي المسلمين
وعدم رفض علي للسيرة بل اشتراطه انه يحاول ان يماثلها قدر استطاعته لا حظوا على جهدي من ذلك و طاقتي ؟ .
الجواب:
الأخ مرتضى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد أختلفت الروايات في نقل ما قاله الإمام أمير المؤمنين (ع) لعبد الرحمن بن عوف عند طلبه للبيعة على كتاب الله وسنة الرسول (ص) وسيرة الشيخين . فابن الأثير ـ على سبيل المثال ـ نقل في (أسد الغابة 4: 32) قوله(ع): أبايعك على كتاب الله وسنّة نبيه وسيرة أبي بكر وعمر فيما استطعت.
وفي رواية الطبري في تاريخه (4: 238)، والذهبي في (تاريخ الإسلام 3: 305) : على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده فقال أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.
إلا أنه في رواية أخرى للطبري أيضاً ورد أنه (ع) قال: (اللهمَّ لا ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي).
وفي كامل ابن الأثير (2: 221) قال(ع): أرجو أن فعل، فأعمل بمبلغ علمي وطاقتي.
وفي (تاريخ اليعقوبي 2: 162): (ابايعكم بكتاب الله وسنة نبيّه ما استطعت ).
وعندما اعاد عليه عبد الرحمن القول ثانية، قال(ع): إن كتاب الله وسنّة نبيه لا يحتاج معهما إلى اجيري (أي طريقة) أحد.
وفي مسند أحمد (1: 162) قال عبد الرحمن بن عوف لعلي (ع): أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله، وسيرة أبي بكر وعمر فقال: فيما استطعت.
وفي (صحيح البخاري 3: 1356) لم يذكر حديث الاشتراط ولم يتطرق إليه بشيء وإنما نقل قول عبد الرحمن لعلي (ع): فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك. فلما أخذ الميثاق قال: أرفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه. (انتهى).
وأما المصادر الشيعية فلم يرد فيها من الكلمات المشار إليها سابقاً شيئاً..
روى الطوسي في (أماليه 709): أن عبد الرحمن قال لعلي (ع): عليك عهد الله وميثاقه، لئن وليت لتعملن بكتاب الله وسنة نبيّه وسيرة أبي بكر وعمر. فقال علي (ع): (عليَّ عهد الله وميثاقه، لئن وليت أمرك لأعملن بكتاب الله وسنّة رسوله).
ويمكنكم أيضاً مراجعة (بحار الأنوار /ج31 ص315 وما بعدها). لتطالعوا النصوص التي نقلها محدّثوا الشيعة عن هذه الواقعة فلا تجدوا فيها أثراً لما أشارت إليه المصادر السنية من أقوال نسبت إليه (عليه السلام) بأنّه قال: أعمل بسيره أبي بكر وعمر فيما استطعت. أو: على جهدي من ذلك وطاقتي.. وأمثال هذه العبارات.
بل نجد فيما نقله اليعقوبي في رفضه(ع) للعمل بسيرة الشيخين وبيانه في ذلك علّة وافية في الموضوع بأنّه لا ينبغي بعد الاعتماد على كتاب الله وسنة نبيّه (ص) جعل الحجية لفعل أو قول أو تقرير أحد مالم يدل الدليل الشرعي على حجيّة فعله وقوله وتقريره.
ولكن على أية حال المصادر السنية ليست حجة على الشيعة كما أن المصادر الشيعية ليست حجة على أهل السنة وإنما الحجة تتم بين أبناء المذاهب فيما لو كان الحق المحتج له يستخرج دليله من كتب المخالف نفسه فهذا يلزم المخالف الأخذ والالتزام به بعد أن حوته كتبه ومصادره المعتبرة.. واما بالنسبة للحديث المذكور يجب ان نقول: هل من سائل يسأل ما هو الدليل الشرعي (من الكتاب أو السنة) الذي جعل سيرة الشيخين شرطاً لصحة البيعة ؟
نحن بهذه المناسبة نذكر جملة من الوقائع والحقائق التي نقلها علماء السنة في مخالفات الشيخين للكتاب والسنة الشريفة بما لا يدع مجالاً للشك بان سيرتهما لم تكن مطابقة لسيرة رسول الله (ص) فضلاً عن مطابقتها للفهم الصحيح لكتاب الله عز وجل:
ذكر البيهقي في (السنن 8: 273): إن أبا بكر أراد أن يقطع رجلاً بعد اليد والرجل، فقال عمر: السنة اليد.
وفي (المستدرك/ للحاكم 4: 382)، و(كنز العمال/ للمتقي الهندي 11: 7، 5: 632): أن أبا بكر قال: وددت أني كنت سألته ـ أي النبي (ص) ـ عن ميراث العمة وأبنة الأخ، فأن في نفسي منهما حاجة.
وهو ـ أي ابا بكر ـ أيضاً لم يعرف ميراث الجدة، فقال لجدة سألته عن إرثها: لا أجد لك شيئاً في كتاب الله وسنّة نبيّه (ص)، فاخبره المغيرة ومحمد بن سلمة بأنَّ الرسول أعطاها السدس، وقال: ((اطعموا الجدات السدس)) (انظر المغني لابن قدامة 7: 52, وفقه السنة 3:623).
وأيضاً كان أبو بكر يجهل (الكلالة) التي نزل بحكمها القرآن، وكان يقول فيها للسائلين عن معناها: إني ساقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وأن يك خطأ فهو مني ومن الشيطان (سنن الدارمي 2: 366. سنن البيهقي 6: 223، الدر المنثور 2: 25).
وهذا تصريح واضح وصريح أنّه يمكن أن يكون للشيطان دخل في بيانات أبي بكر وفهمه لما ورد في الكتاب الكريم، وقد ظهر أنّه كان يجهل الأثنين معاً ـ الكتاب والسنة ـ كما تقدم، والجهل كما يفسره أهل المنطق، هو حضور صورة غير الشيء المطلوب في الذهن، وهو لا يمكن أن يكون تصوراً أو تصديقاً للواقع مهما كان شأنه سواء كان جهلاً بسيطاً أو مركباً. وادعاء غير ذلك غلو واضح في الأشخاص ينبغي للمؤمن العاقل أن ينأى بنفسه عنه.
بل يوجد هناك نص صريح من أبي بكر أنّه لم يكن يطيق العمل بسنة رسول الله (ص) وكان يقول: لوددت أن هذا كفانيه غيري, ولئن أخذتموني بسنة نبيكم(ص) لا أطيقها، إن كان لمعصوماً من الشيطان، وان كان لينزل عليه الوحي من السماء (انظر: مسند أحمد 1: 14، الرياض النضرة 1: 177، كنزل العمال 3: 126).
وأيضاً لا تستقيم دعوى الأفضلية لأبي بكر على سائر المسلمين بدليل أن النبي(ص) رفض أن يشهد له بحسن العاقبة في الموقف الذي شهد به لشهداء أحد حين وقف عليهم وأبّنهم بقوله: (هؤلاء أشهد عليهم). فقال أبو بكر: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا؟! فقال رسول الله (ص): (بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي) فبكى أبو بكر ثم بكى ثم قال: أئنا لكائنون بعدك (أنظر: الأستذكار لأبن عبد البر 5: 104. التمهيد 21: 288).
وقد ذكر الخطيب التبريزي في كتابه (الإكمال في أسماء الرجال 19) بعد ذكره للحديث المتقدم: وقد جاء في الأحاديث المتواترة أن رسول الله (ص) قال: (ليردن الحوض عليَّ رجال ممن صاحبني ورآني حتى إذا رفعوا إليَّ رأيتهم أختلجوا دوني، فلأقولنَّ ربّ أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ إنهم ارتدوا بعدك على القهقري).(انتهى).
وفي إرداف الخطيب التبريزي لما ورد من الأحاديث المتواترة للحديث الصادر عن النبي(ص) في حق أبي بكر عندما شهد لشهداء أحد ولم يشهد لأبي بكر قرينة واضحة على مصير حال الرجل إليه بشكل يفهمه المستبصرون بالأحاديث النبوية فقط كالخطيب التبريزي وأمثاله. وأما عمر بن الخطاب فحاله في المخالفة للكتاب والسنة أشهر من أبي بكر بسبب اشتهاره بالشدة والغلظة حتى في أيام النبي(ص) ومواجهاته المشهودة للنبي(ص) في يوم الحديبية، وفي الصلاة على المنافق عبد الله بن أبي، وفي رزية يوم الخميس وغيرها، فقد كانت له من المواقف المتعددة من المخالفات للنبي(ص)، بل مخالفته للكتاب الكريم أيضاً ونحن هنا نشير إلى جملة منها:
1ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في منع سهم المؤلفة قلوبهم (انظر: الجوهرة النيرة في الفقه الحنفي 1: 164، حاشية رد المحتار 2: 374).
2ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في منع متعة الحج وكذلك متعة النساء (انظر: مسند أحمد 3: 325. تفسير الرازي 5: 167).
3ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في الطلاق الثلاث، فجعله ثلاثاً، والسنة جعلته واحداً (انظر: صحيح مسلم 4: 183 كتاب الطلاق، باب: طلاق الثلاث).
4ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في فريضة التيمم واسقط الصلاة عند فقد الماء (انظر صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب: المتيمم هل ينفخ فيهما؟).
5ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في عدم التجسس على المسلمين فابتدعه من عند نفسه (انظر: الكامل في التاريخ لأبن الأثير 3: 24 حوادث سنة 23).
6ـ مخالفته القرآن والسنة النبوية معاً في عدم إقامة الحد على العامد القاتل في شأن خالد بن الوليد، وكان يتوعده بذلك (انظر: تاريخ ابن الأثير سنة 11).
7ـ مخالفته السنة النبوية في إسقاط فصل من الأذان وإبداله بفصل من عنده (أنظر: الموطأ لمالك: 24: باب: ما جاء في النداء للصلاة).
8ـ مخالفته السنة النبوية في تشريع صلاة النافلة جماعة، فابتدع التراويح من عند نفسه، وقال عنها: نعمت البدعة هذه (انظر: صحيح البخاري 2: 252 كتاب صلاة التراويح، سنن البيهقي 2: 293 باب قيام شهر رمضان).
9ـ مخالفته السنة النبوية في العطاء، فابتدع المفاضلة وخلق الطبقية في الإسلام، ولم تكن تعرف فيه من قبل (انظر: المغني لأبن قدامه 7: 309، تفسير القرطبي 8: 238).
10ـ لم يمتثل لأمر النبي(ص) في تسييره ضمن جيش اسمامة وتخلّف عنه، وقد ورد عن النبي(ص) قوله: (انفذوا بعث أسامة، لعن الله من تخلّف عنه) (أنظر: الملل والنحل للشهرستاني 1: 33 كتاب السقيفة للجوهري: 57). بل نضيف إلى هذه الوقائع والحقائق أمراً آخر اشتهر به عمر بن الخطاب وهو جهله الصريح بالكتاب والسنة الشريفة مما لا تستقيم معه دعوى العمل والمطابقة لهما.
فقد روى المحدّثون ومؤرخو السير والمفسرون أن عمر بن الخطاب منع المغالاة في مهور النساء، وقال: من غالى في مهر ابنته اجعله في بيت مال المسلمين. فقامت امرأة في آخر المسجد وقالت له: أمّا تقرأ قوله تعالى: (( وَآتَيتم إحدَاهنَّ قنطَاراً فلا تَأخذوا منه شَيئاً )) (النساء: 20)، فقال: كل الناس أفقه من عمر، حتى المخدّرات في البيوت. (انظر: المبسوط 10: 153، سبل السلام 3: 149، سنن البيهقي 7: 233، المجموع شرح المهذب 16: 327. كشف الخفاء للعجلوني 2: 116 بطرق متعددة، الدر المنثور 2: 133 يخرجه عن سعيد بن منصور وأبي يعلى بسند جيد).
وفي حادثة أخرى أمر عمر برجم مجنونة فنبّهه أمير المؤمنين علي(عليه السلام) وقال: (إن القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق) فقال عمر: لولا علي لهلك عمر (أنظر فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4: 470). وقد تكررت هذه العبارة من عمر ـ أي قوله: لولا علي لهلك عمر ـ في مواقف متعددة (انظر ذلك في : ذخائر العقبى: 82، تأويل مختلف الحديث: 152، فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4: 470، مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح 11: 252).
وبلغ جهل عمر بالأحكام الشرعية إلى درجة أنه كان يجهل أحكام الشك في الصلاة التي يلزم العلماء اليوم الصبيان بتعلمها وتعد من ألف باء التكليف وتعلّم الصلاة.
روى أحمد في (مسنده 1: 190) عن ابن عباس، أن عمر تحيّر في حكم الشك في الصلاة، فقال له: يا غلام (تنبه: كان ابن عباس حينها صبياً من صبيان بني هاشم ويسأله عمر عن أحكام دينه)، هل سمعت من رسول الله أو من أحد أصحابه إذا شك الرجل في صلاته ماذا يصنع؟ (انتهى). أما الكلالة، فقد مات عمر والحسرة في قلبه بأنّه لا يعرف حكمها وقد جهلها كما كان يجهل حكمها من قبل سلفه أبو بكر، وفي هذا روى أحمد وغيره في المسند أن عمر بن الخطاب خطب الناس على منبر الجمعة قائلاً: ((رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي (إلى أن يقول) وأيم الله ما أترك فيما عهد إليَّ ربّي فاستخلفني شيئاً أهم إليَّ من الكلالة، وأيم الله ما أغلظ لي نبي الله (ص) في شيء منذ صحبته أشد ما أغلظ لي في شأن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال تكفيك آية الصيف التي نزلت في آخر سورة النساء)) (أنظر: مسند أحمد 1: 15, 27، مسند أبي داود الطيالسي: 11. 1: 165. الطبقات الكبرى 3: 335).
وقد روى الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي عن عمر قوله: ((ثلاث لئن يكون النبي(ص) بيّنهنّ لنا أحبّ إليَّ من الدنيا وما فيها: الخلافة ، والكلالة، والربا)) (المستدرك على الصحيحين 2: 333، وبذيله تلخيص المستدرك للذهبي).
ولم يفلح عمر في كل محاولاته مع النبي(ص) لمعرفة حكم الكلالة فقد كان (ص) يحيله إلى آية الصيف التي في آخر سورة النساء إلا أن عمر كان يجهل المراد منها، فاحتال مرة لمعرفة حكمها من خلال ابنته حفصة ـ زوج النبي ص ـ فقال لها: ((إذا رأيت من رسول الله (ص) طيب نفس فأسأليه عنها؟ فقال لها النبي(ص): (أبوك ذكر لك هذا ما أرى أباك يعلمها أبداً). فكان عمر يقول بعدها: ما أراني اعلمها أبداً وقد قال رسول الله (ص)) ما قال. (انظر: تفسير ابن كثير 1: 608. أحكام القرآن للجصاص 2: 110. تفسير الدر المنثور للسيوطي 2: 249. سبل الهدى والرشاد 9: 287).
وقد احتال عمر أيضاً لمعرفة حكم الكلالة من خلال حذيفة بن اليمان ولم يفلح كذلك..
روى الطبري وابن كثير في تفسيريهما عن ابن سيرين قوله: كانوا في مسير ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله (ص)، ورأس راحلة عمر ردف راحلة حذيفة قال: ونزلت (( يَستَفتونَكَ قل اللَّه يفتيكم في الكَلالَة ))(النساء: من الآية176) فلقاها رسول الله (ص) حذيفة، فلقاها حذيفة عمر, فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة , فقال والله إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله فلقيتكها كما لقانيها، والله لا أزيدك عليها شيء أبداً، وكان عمر يقول: اللهمَّ إن كنت بيّنتها له، فإنّها لم تبيّن لي. (أنظر: تفسير الطبري 6: 57. تفسير ابن كثير 1: 608. تفسير الثعلبي 3: 422).
ولم يترك عمر حذيفة بل سأله في أيام خلافته عن هذه المسألة أيضاً فرد عليه حذيفة رداً غليظاً ووبّخـَه بقوله: ((والله إنك لعاجز إن ظننت أن إمارتك أن تحملني أن أحدثّك فيها بما لم أحدّثك يومئذ)) (تفسير الطبري 6: 56).
وعند الثعلبي: ((والله إنك لأحمق أن ظننت أن إمارتك تحملني أن أحدّثك فيها ما لم أحدّثك يومئذ لما لقانيها رسول الله (ص)، والله لا أزيدك عليها شيئاً أبداً)) (تفسير الثعلبي 3: 422).
وهكذا بقيت الكلالة ومعرفة حكمها حسرة حقيقية تحزّ في قلب عمر وتنغص عليه يومه حين يواجهه الناس بالسؤال منها، وهو لا يدري ماذا يقول لهم!
روى السيوطي في (الدر المنثور) عن الحسن بن مسروق عن أبيه قال: سألت عمر وهو يخطب الناس عن ذي قرابة لي ورث كلالة فقال: الكلالة الكلالة الكلالة، وأخذ بلحيته ثم قال: والله لئن أعلمها أحبّ إليَّ من أن يكون لي ما على الأرض من شيء، سألت عنها رسول الله (ص) فقال: (ألم تسمع الآية التي انزلت في الصيف) فاعادها ثلاث مرات (أنظر: الدر المنثور 2: 251).
ومن الممكن القول هنا بأن من الغريب أن لا يفهم عمر حكم الكلالة والنبي(ص) يقول له: (أو ليس قد بين الله لك؟) ثم يقرأ له: (( وَإن كَانَ رَجلٌ يورَث كَلالَةً أَو امرَأَةٌ وَلَه أَخٌ أَو أختٌ فلكلّ وَاحد منهمَا السّدس فإن كَانوا أَكثَرَ من ذَلكَ فهم شرَكَاء في الثّلث من بَعد وَصيَّة يوصَى بهَا أَو دَين غَيرَ مضَارّ وَصيَّةً منَ اللَّه وَاللَّه عَليمٌ حَليم ))(النساء: من الآية12) ـ فيما رواه عن الواقعة ابن راهويه وابن مردويه عن سعيد بن المسيب. (كما في كنز العمال11: 79).
فعمر بن الخطاب والمفروض به أنه أمرؤ عربي اللسان نشأ بين قوم فصحاء يفهم كلام الله سبحانه الذي نزل بلغة العرب أكثر من غيره وأسرع. فالكلالة في اللغة مشتقة من الأكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، فهي مصدر من (تكلله) النسب أي تطرفه، كأنه أخذ من طرفيه، فكلالة الأم أخوة الميت من جهة الأم، وكلالة الأب هم أخوه الميت من جهة الأب، وكلالة الأبوين هم أخوة الميت من جهة أمه وأبيه. أي أن الورثة في مثل هذه الحالة محيطة بالميت من جوانبه لا من أصله وفرعه.. وهذا المعنى كله بيّنته الآية الكريمة التي كان يسميها النبي الأعظم(ص) لعمر بآية الصيف في آخر سورة النساء، إذ قال تعالى: (( يَستَفتونَكَ قل اللَّه يفتيكم في الكَلالَة إن امرؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَه وَلَدٌ وَلَه أختٌ فلَهَا نصف مَا تَرَكَ وَهوَ يَرثهَا إن لَم يَكن لَهَا وَلَدٌ فإن كَانَتَا اثنَتَين فلَهمَا الثّلثَان ممَّا تَرَكَ وَإن كَانوا إخوَةً رجَالاً وَنسَاءً فللذَّكَر مثل حَظّ الأنثَيَين يبَيّن اللَّه لَكم أَن تَضلّوا وَاللَّه بكلّ شَيء عَليمٌ )) (النساء:176). ومن هنا كان النبي(ص) يقول لعمر بصريح العبارة: (أوليس قد بيّن الله لك؟) وفي رواية: (ألا تكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء) ـ كما في صحيح مسلم 2: 81 ومسند أحمد 1: 15 ـ وهذه الموارد وغيرها الكثير الكثير ومن مصادر أهل السنة المعتبرة التي تفصح عن واقع الحال عن المستوى العلمي للشيخين فيما يتعلق بالكتاب والسنة. وأيضاً هناك ملاحظة حول الشورى وما جرى فيها ينبغي الإشارة إليها وهي: ان عبد الرحمن بن عوف قد اشترط اتباع السيرتين معاً كشرط لأعتبار البيعة عنده. فنقول: ما هو الحكم أو الموقف الذي ينبغي على القابل لهذا الشرط ان يتخذه فيما لو ثبت عنده اختلاف السيرتين في مورد ما ؟ فأي من هاتين السيرتين تراه يتبع فهل يتّبع في مثل موقف خالد بن الوليد عند دخوله بزوجة مالك بن نويره في ليلة قتل زوجها من أمر برجمه كما هو موقف عمر أو يتبع من اعتذر وقال تأول فأخطأ كما حصل من أبي بكر ـ وأمثال هذه من المواقف التي لا تسلم من أخطاء أصحابها وتباينهم في القول والفعل, والتكليف بأتَّباع المتباينين محال على العقل.. فما العمل؟!
وبعد هذا نقول : أين هذه المقامات المتقدمة لأبي بكر وعمر من المخالفة الصريحة والواضحة للكتاب والسنة بالإضافة إلى الجهل الفاضح بهما من مقام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) الذي كان يقول: (لا تسألوني عن آية في كتاب الله تعالى، ولا سنّة عن رسول الله (ص) إلا أنبأتكم بذلك) (اخرجه ابن كثير في تفسيره 4: 248 من طريقين، وقال: ثبت أيضاً من غير وجه) .
وكان (عليه السلام) يقول: (والله، ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت، إن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً) (انظر الطبقات الكبرى 2: 338. تاريخ مدينة دمشق 42: 397).
وقد كان النبي(ص) يقول فيه: (علي مع القرآن، والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).(المستدرك على الصحيحين 3: 134 صححه الحاكم ووافقه الذهبي).
وأيضاً كان (ص) يقول مخاطباً أصحابه: (أقضاكم علي) (انظر تفسير القرطبي 15: 162. والإ حكام للآمدي 4: 237).
وقد ورد عن عمر قوله: ((علي أقضانا)). (فتح الباري 7: 60. تفسير ابن كثير 1: 155). وعن ابن مسعود: ((أقضى أهل المدينة علي بن أبي طالب)). (الطبقات الكبرى: 2: 338. فتح الباري 8: 127).
ومن المعلوم أن العالم بالقضاء يكون عالماً محيطاً بالعلوم كلها، لأن القضاء يحتاج إلى جميع العلوم، فلمّا رجحه على الكل في القضاء، فهذا يعني أنّه مرجّح على الجميع في جميع العلوم.
ومن هنا كان ابن مسعود يقول: ((علماء الأرض ثلاثة، عالم بالشام، وعالم بالحجاز، وعالم بالعراق، فأمّا عالم أهل الشام فهو أبو الدرداء، وأمّا عالم أهل الحجاز فهو علي بن أبي طالب، وأمّا عالم العراق فأخ لكم (كان يريد نفسه)، وعالم الشام وعالم أهل العراق يحتاجان إلى عالم أهل الحجاز وعالم أهل الحجاز لا يحتاج إليهما)) (الرياض النضرة 3: 199. تاريخ مدينة دمشق 42: 410، 47 122 يذكره عن غير واحد).
وعن ابن عباس قال: ((والله لقد أعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم الله لقد شارككم في العشر العاشر)). (انظر: الأستيعاب 3: 1104. والرياض النضرة 3: 160). وقال سعد بن المسيب: ((لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلا علي بن أبي طالب)) (أنظر: أسد الغابة 4: 22. الرياض النضرة 3: 166).
وفي الختام نقول: هل يحق للشيخين البقاء في سدة الحكم والاستمرار في حكم المسلمين في صدر الرسالة الأول مع كل ما عرفناه عنهما من الجهل الفاضح بالكتاب والسنة والمخالفة لهما ومع وجود الأعلم منهما بين ظهراني المسلمين، وهو الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وأعلميته (ع) هذه قد شهد له بها النبي (ص) وشهد له بها الصحابة الكرام. وفي هذا المقام ورد عن النبي (ص) قوله: (من استعمل عاملاً من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنّة نبيّه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين) (انظر المستدرك على الصحيحين 4: 104 وصححه. السنن الكبرى للبيهقي 10: 118. المعجم الكبير للطبراني 11: 94. نصب الراية للزيلعي 5: 37، 38. الجامع الصغير 2: 567. كنزل العمال 6: 25، 16: 88، 89. سبل السلام 4: 117، 190. كتاب السنة: 613)؟!
وبهذا الجواب نكتفي عن الرد على بقية الاستنتاجات المستفاده من مقالة ابن كثير على لسان أمير المؤمنين (ع) لابن عوف.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال