الاسئلة و الأجوبة » الأعلام » سليمان بن صرد


جعفر / البحرين
السؤال: سليمان بن صرد
نقرأ في سيرة الثائر سليمان بن صرد الخزاعي أنّه لم يشارك في ثورة كربلاء وأنّه بعد حدوث واقعة كربلاء ندم, وقاد ثورة التوابين التي استشهد فيها.
ولكن ما هو سبب عدم مشاركته في كربلاء, هل لاجتهاد ذهب إليه, أم أنّه أراد المشاركة فزجّ في السجن؟ ولمّا قدم مسلم بن عقيل إلى الكوفة ما كان موقفه, وما موقف الأئمة المعصومين(عليهم السلام) من ثورة التوّابين, هل جاء ذكر سليمان أو ثورته في أحاديث المعصومين(عليهم السلام).
الجواب:

الأخ جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم يرد في الكتب التاريخية التي بين أيدينا ما يدلّ على أنّ سليمان بن صرد الخزاعي قد سجن أو منع منعاً خاصّاً من المشاركة في كربلاء. فما يذكره المامقاني في (تنقيح المقال) من أنّ عبيد الله بن زياد سجنه لا دليل عليه ولم يذكر مصدره(1)، وربّما كان نظره إلى  ما ورد في (حكاية المختار في الأخذ بالثار) المطبوع في نهاية (اللهوف في قتلى الطفوف) لابن طاووس، حيث ورد فيه أنّ سليمان بن صرد كان في حبس ابن زياد ثم خرج بعد موت يزيد(2)، ولكن هذه الحكاية من أوّلها إلى آحرها نسجت على منوال القصص، وفيها من الخرافة والتزويق ما لا يخفى، وفيها ما هو مخالف للمثبت في المصادر المعروفة، من أنّ سليمان وإبراهيم الأشتر وصعصة العبدي وغيرهم كانوا في سجن ابن زياد من زمن معاوية مع أنّه لا يوجد أثر لهذا في المصادر المعتبرة، بل لا يوجد ذكر لسجن إبراهيم بن الأشتر، وأمّا صعصعة بن صوحان العبدي فلم يكن موجوداُ ذلك الوقت، فقد توفي في زمن معاوية.

نعم، كان هناك منع عام لكلّ أهل الكوفة من الخروج ومساعدة الحسين(عليه السلام)، كما يذكر ذلك في كيفية خروج حبيب بن مظاهر من الكوفة(3).
وكان سليمان قد كاتب الإمام الحسين(عليه السلام) قبل قدوم مسلم بن عقيل، وحثّه على القدوم إلى الكوفة(4).
ثمّ إنّ في كون سليمان بن صرد من التوّابين، بل هو رأسهم، وأنّه كان يدعو في أصحابه بضرورة القتال من أجل التوبة والغفران، دلالة على أنّه كان مقصّراً في عدم مشاركته في نصرة الحسين(عليه السلام).
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ إطلاق هذا الاسم عليه وهو كونه توّاباً ودعوته للقتال من أجل التوبة كانت من أجل غيره ممّن قصّر في نصرة الحسين(عليه السلام)، فإطلاق العنوان عليه بلحاظ أصحابه، أمّا هو فهو في عذر من ذلك، لعدم قدرته على نصرته من خلال عدم القدرة على الوصول إليه، ولكن هذا ما يحتاج إلى ما يثبته.
بل توجد في أقواله كلمات ينسب التقصير فيها إلى نفسه، إذ قال في خطبته في مجموعة التوّابين لمّا اجتمعوا في داره: ((...إنا كنّا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبيّنا ونمنيهم النصر ونحثّهم على القوم، فلمّا قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربّصنا وانتظرنا ما يكون، حتى قتل فينا ولدينا ولد نبيّنا وسلالته...
إلى أن قال: كونوا كالأولى من بني إسرائيل إذ قال لهم نبيّهم: (( إِنَّكُم ظَلَمتُم أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُم فَاقتُلُوا أَنفُسَكُم ذَٰلِكُم خَيرٌ لَكُم عِندَ بَارِئِكُم )) (البقرة:54)...))(5).
فانظر إليه كيف يصف حاله وحال أصحابه بدقّة بالغة بالعجز والادهان والتربّص وانتظار ما يكون، بل يشبه نفسه ومن معه ببني إسرائيل وعصيانهم بعبادة العجل.
وقال في خطبة أخرى: ((حتى بلى الله خيارنا، فوجدنا كذّابين في نصر ابن بنت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا عذر دون أن نقتل قاتليه، فعسى ربّنا أن يعفو عنّا))(6).
وارتجز لمّا استقتل يوم عين الورد:

إليك ربّي تبت من ذنوبي ***** وقد علاني في الورى مشيبي
فارحم عبيداً غير ما تكذيبي***** واغفر ذنوبي سيّدي وحوبي(7)

وقال ابن سعد في (الطبقات): ((كان فيمن كتب إلى الحسين بن عليّ أن يقدم الكوفة، فلمّا قدمها أمسك عنه ولم يقاتل معه، كان كثير الشكّ والوقوف، فلمّا قتل الحسين ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذل الحسين ولم يقاتل معه))(8).
وقال ابن أثير: ((وكان فيمن كتب إلى الحسين بن عليّ(رضي الله عنهما) بعد موت معاوية يسأله القدوم، فلمّا قدمها ترك قتال معه))(9).

نعم، يشهد لحسن حال سليمان بن صرد ما ورد من قول عليّ(عليه السلام) له: (( فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا )) (الاحزاب:23) ، وأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدّل(10)، فشهادة عليّ(عليه السلام) هذه بعد ثبوتها تدلّ على حسن حاله، وعلوّ شأنه وصحة توبته، وأنّ عاقبته كانت عل خير.
وقد جعله الحسين(عليه السلام) في كتابه إليه وإلى صحبه المسيّب ورفاعة وعبد الله بن وال - الذين أصبحوا قادة التوّابين بعد ذلك - من جماعة المؤمنين(11)، وقد  عدّه الفضل بن شاذان من كبار التابعين وزهادهم(12).
ودمتم في رعاية الله

(1) تنقيح المقال 2: 63 الطبعة الحجرية.
(2) اللهوف في قتلى الطفوف: 153.
(3) انظر: أكسير العبادات 2: 741 المجلس الحادي عشر المقام الثالث.
(4) انظر: الإرشاد 2: 36، تاريخ الإمام الحسين(عليه السلام)، مناقب آل أبي طالب 3: 241 باب إمامة الحسين(عليه السلام).
(5) مقتل الحسين لأبي مخنف: 251 تولية سليمان بن الصرد، كتاب الفتوح 6: 204 ابتداء أخبار عين الورد.
(6) ذوب النضار: 73 المرتبة الأولى.
(7) كتاب الفتوح 6: 222 ابتداء أخبار عين الورد.
(8) الطبقات الكبرى 4: 292 سليمان بن صرد.
(9) أسد الغابة 2: 351 سليمان بن صرد.
(10) وقعة صفين: 519 رأي سليمان بن صرد في الصحيفة.
(11) كتاب الفتوح 5: 81 ذكر كتاب الحسين(رضي الله عنه) إلى أهل الكوفة.
(12) اختيار معرفة الرجال 1: 286 (124) ترجمة صعصعة بن صوحان.

علي / فلسطين
تعليق على الجواب (1)
لِمَ مجّد صاحب المراجعات (قدّس سرّه) سليمان بن صرد رغم تهجّمه على الإمام الحسن(عليه السلام) بعد الصلح مع معاويه لعنه الله...كيف؟
الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن الدراسة المستفيضة لما ورد بخصوص أخبار سليمان بن صرد تظهر بوضوح أنّه كان من الراسخين في حبّ أهل البيت(عليهم السلام)، والولاء لهم، والمتصلّبين في الدفاع عنهم، والوقوف معهم، وله مواقف مشهورة معروفة.
فقد كان قائداً لرجالة الميمنة في صفين، وهو الذي قتل حوشب ذا ظليم(1).
وقد أتى عليّاً(عليه السلام) بعد كتابة الصحيفة ووجهه مضروب بالسيف، فلمّا نظر إليه عليّ(عليه السلام)، قال: (( فَمِنهُم مَن قَضَى نَحبَهُ وَمِنهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبدِيلًا )) (الاحزاب:23) ، وأنت ممّن ينتظر وممّن لم يبدّل) فقال: يا أمير المؤمنين أما لو وجدت أعواناً ما كتبت هذه الصحيفة أبداً، أما والله لقد مشيت في الناس ليعودوا إلى أمرهم الأوّل فما وجدت أحداً عنده خير إلاّ قليلا(8).
وكان ممّن كتب إلى عثمان بن عفان مع أصحابه من أهل الكوفة ينصحونه ويدعونه للتقوى والتوبة(3).
وجعله الشيخ المفيد من التابعين لعليّ(عليه السلام) في المدينة(4)، وفي داره اجتمع الشيعة وكتبوا إلى الحسين(عليه السلام) يعزونه بوفاة الحسن(عليه السلام)، ويؤكّدون على أنّهم شيعته وشيعة أبيه، وأنّه الخلف من بعد أخيه الحسن(عليه السلام)(5).
ولا يقلّل من مكانته وعلوّ كعبه بعض ما كان له من هنات الترديد أو عدم فهم وعجلة في الحكم مثله مثل آخرين غيره من أصحاب الأئمة(عليهم السلام) في بعض أيام الأئمة(عليهم السلام) التي اشتد فيها الابتلاء والتمحيص، كما هو الحال في أيام الأنبياء والأوصياء(عليهم السلام)، فقد تخلّف عن عليّ(عليه السلام) يوم الجمل حتى كاتبه أمير المؤمنين(عليه السلام) بقوله: (ارتبت وتربصت وراوغت، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي، وأسرعهم فيما أظنّ إلى نصرتي، فما قعد بك عن أهل بيت نبيّك؟ وما زهدك في نصرتهم؟)(6)، ولكنّه أكّد محبته ونصرته له(عليه السلام)!
وعاتب الإمام الحسن(عليه السلام) بعد سنتين من الصلح بقوله: ((ما ينقضي تعجبّنا من بيعتك لمعاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلّهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم...الخ))(7)، فأجابه الإمام الحسن(عليه السلام) هو ومن معه بما يقنعهم ويشرح لهم الحال.
ومنها تخلّفه عن نصرة الإمام الحسين(عليه السلام)، ولكنه ندم وتاب وثار للأخذ بثأر الحسن(عليه السلام) في عين الورد هو وأصحابه التوّابين، فمن كلّ هذا يتّضح لك ما كتبه صاحب (المراجعات) في ترجمته من أنّه كان كبير شيعة العراق وصاحب رأيهم، وأنّ من ترجمه أثنى عليه بالفضل والدين والعبادة، وأنّه من المستبصرين بضلال أعداء أهل البيت(عليهم السلام)، على أنّ السيد شرف الدين لم يأت بشيء من عنده(8).
ودمتم في رعاية الله

(1) وقعة صفين: 400 مقتل حوشب.
(2) وقعة صفين: 519 رأي سليمان بن صرد في الصحيفة، المعيار والموازنة: 181 كتاب عقيل إلى أخيه أمير المؤمنين(عليه السلام) لما خذله الكوفيون (باختلاف يسير).
(3) كتاب الفتوح 2: 390 ذكر كتاب أهل الكوفة إلى عثمان.
(4) الجمل: 52 بيعة باقي الشيعة.
(5) تاريخ اليعقوبي 2: 228 وفاة الحسن بن عليّ(عليهما السلام).
(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3: 105 بقية ردّ المرتضى على ما أورده القاضي عبد الجبار من الدفاع عن عثمان، وقعة صفين: 6 سليمان بن صرد والحسين(عليه السلام).
(7) تنزيه الأنبياء: 222 الحسن بن عليّ(عليهما السلام).
(8) المراجعات: 130 المراجعة 16 رقم (36).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال