الاسئلة و الأجوبة » إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وإقامة الشعائر » اللطم جائز للإقرار وللأصل


د. عبد الله / السعودية
السؤال: اللطم جائز للإقرار وللأصل
من المتعارف عليه بين أبناء الشيعة الإمامية إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين(عليه السلام)، ويصاحب ذلك في كثير من الأحيان اللطم، أو ما عرف بالعزاء.
وهو إنشاد القصائد الرثائية في أهل البيت، ويصحب ذلك اللطم على الصدور، وحسب اطّلاعي المتواضع، فإنّ الأئمّة(عليهم السلام) كانوا يحيون هذه الأيّام، ولكن لم يرد بأنّهم كانوا يلطمون على صدورهم، أو كانوا يحثّون على ذلك، ولو كانت هذه العادة هي شعيرة خاصّة، أو لها أهمّية لجاءت أخبار الأئمّة بالحثّ عليها، بل ربّما هناك ما يتعارض مع مثل ذلك.
فنحن نعرف وصية الإمام الحسين(عليه السلام) لأخته زينب(عليها السلام) ليلة العاشر: بأن تتعزّى بعزاء الله، ولا تشقّ عليه جيباً، أو تلطم عليه خدّاً... مع أنّ السيّدة زينب ليست بحاجة لذلك، إلاّ أنّ الإمام ربّما قال لها ذلك من باب: إيّاك أعني واسمعي يا جارة.
كذلك سمعت من البعض: بأنّ أوّل ظهور لهذه العادة كان في عصر الشيخ المفيد، وكان الشيخ يقف موقفاً سلبياً ممّن يمارسون هذه العادة.
أودّ أن أسمع تعليقكم حول هذا الموضوع بالتفصيل؟ شاكراً ومقدّراً لكم.
الجواب:

الاخ د. عبد الله المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نلخّص الجواب في نقاط:

أولاً: هناك كلّية صحيحة يُرجع إليها في الاستدلال، وهي: كُلّ ما يأمر به، أو يحثّ عليه، أو يفعله، أو يقرّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام) فهو جائز بالمعنى العام، أي: أعمّ من الواجب والمستحبّ والمباح.
وهناك قضية يأتي بها المغالطون كثيراً على أنّها كلّية صحيحة يمكن الاستدلال بها، ليموّهوا على مناقشيهم بنوع من المغالطة، وهي: إنّ كُلّ جائز - وليس الواجب - يجب أن يفعله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو الإمام(عليه السلام)، وهي عكس الأُولى، وهذه الكلّية غير صحيحة وباطلة، ولم تثبت لا عقلاً ولا شرعاً.
ومن راجع علم المنطق يعرف: إنّ العكس المستوي في الموجبة الكلّية يكون موجبة جزئية، فعكس القاعدة الأُولى: كُلّ ما يفعله الإمام فهو جائز، وهي موجبة كلّية، يكون: بعض ما هو جائز يفعله الإمام، وهي موجبة جزئية، ثمّ إنّه لم يثبت في الشرع أنّ كُلّ شيء جائز - سواء كان مستحبّاً أو مباحاً - يجب أن يفعله الإمام.
ملاحظة: نحن اقتصرنا في القضية على فعل الإمام(عليه السلام)؛ لأنّ المخالفين الذين يتعمّدون المغالطة يحتجّون دائماً علينا بأنّ الإمام لم يفعل كذا، ولم يفعل كذا، فهو غير جائز، ولا يحتجّون علينا بعدم فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ نادراً.
أمّا نحن، فإنّ هذه القاعدة واضحة عندنا، فلا نحتجّ عليهم بعدم فعل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لشيء لإثبات عدم جوازه إلاّ من باب النقض.
ومن هنا عرفت الجواب على كُلّ من يعترض على فعلٍ ما بأنّ الإمام(عليه السلام) لم يفعله، أو لم يثبت فعله له، ومنها: الاستدلال بعدم فعل الإمام(عليه السلام) للّطم.

ثانياً: تبيّن أنّ إقرار النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الإمام(عليه السلام) لفعل ما يدلّ على جوازه بالمعنى الأعم، ولا يثبت به الوجوب، فهو يحتاج إلى دليل آخر.
وفي موردنا جاءت عدّة روايات تثبت إقرار الإمام(عليه السلام) لِما فعله الآخرون من اللطم أمامَه، أو لم ينكر على من ذكر اللطم على الإمام الحسين(عليه السلام)، ويبيّن له المنع من ذلك..
منها: ما رواه الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (وقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود - الفاطميات - على الحسين بن عليّ(عليه السلام)، وعلى مثله تلطم الخدود، وتشقّ الجيوب)(1).
ومنها ما رواه الشيخ الصدوق: إنّ دعبل الخزاعي أنشد الإمام الرضا(عليه السلام) قصيدته التي فيها:

أفاطم لو خلت الحسين مجدّلاً ***** وقد مات عطشاناً بشط فراتِ
إذاً للطمت الخدّ عنده ***** وأجريت دمع العين في الوجنات(2)

فلم يعترض عليه الإمام(عليه السلام) بأنّ فاطمة(عليها السلام) لا تفعل الحرام، وهو اللطم، بل بكى(عليه السلام).
ومنها: ما ورد في زيارة الناحية المقدّسة: (فلمّا رأين النساء جوادك مخزيّا، ونظرن سرجك عليه ملويّا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات، الوجوه سافرات، وبالعويل داعيات...)(3)، وغيرها.

ثالثاً: إنّ استنباط الحكم الشرعي لقضية معيّنة يتمّ من خلال قواعد مقرّرة في أُصول الفقه وعلم الفقه، ويستدلّ بها من القرآن والسنّة والعقل والإجماع، ولا ينحصر الدليل بقول المعصوم أو فعله، وإذا فقد الدليل من هذه الأربعة يرجع إلى الأُصول العملية التي تحدّد الوظيفة العملية للمكلّف باتجاه هذه القضية.
وقد قرّروا أنّ الأصل في الأشياء: الإباحة ما لم يأتِ فيه تحريم، فإذا سلّمنا بفقد الدليل على اللطم، نرجع إلى هذا الأصل الأوّلي فيه، وهو: الإباحة، ولم يثبت في هذه القضية أصل ثانوي من أنّه إضرار بالنفس، وعلى فرض ثبوته فليس كُلّ ضرر - وإن كان لا يعتدّ به - حراماً.

رابعاً: ومثل هذا يثبت بخصوص خروج المواكب في الطرقات وإنشاد المراثي، على أنّ شعائر خروج المواكب في الطرقات كان من عهد البويهيين في بغداد في القرن الرابع الهجري، وهو عصر علماء عظام من الإمامية - كالمفيد وابن قولويه والمرتضى والرضي - ولم يُسمع من أحد منهم الاعتراض والنهي عن ذلك، ولم نعرف المصدر الذي نقلت منه موقف الشيخ المفيد السلبي بخصوص ذلك، فنرجو أن تذكر المصدر حتّى ننظر فيه.

خامساً: وأمّا ما أوردته من الرواية عن الإمام الحسين(عليه السلام) يخاطب زينب(عليها السلام): بأن تتعزّى بعزاء الله، ولا تشقّ عليه جيباً، أو تلطم عليه خدّاً...، فإنّ متن الرواية هكذا، كما في (اللهوف) لابن طاووس (ت664هـ): (انظرن إذا أنا قتلت، فلا تشققن عليّ جيباً، ولا تخمشن عليّ وجهاً...)(4)، ومثله في (الفتوح) لابن أعثم (ت314هـ)(5).
وليس فيها: ((ولا تلطمن عليّ خدّاً)) حتّى تستدلّ بها على النهي عن اللطم.
بل عن رواية الأقدم منهما، وهو: أبو مخنف - المتوفّى (ت158هــ) - عن الحارث بن كعب وأبي الضحّاك، عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام)؛ أنّ المخاطبة كانت زينب(عليها السلام)، إذ قال لها الحسين(عليه السلام): (يا أُخية! إنّي أُقسم عليك فأبري قسمي: لا تشقّي عليّ جيباً، ولا تخمشي عليّ وجهاً، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكت)(6).
مع ملاحظة أنّ القضية في كُلّ الروايات واحدة، وهي خبر إنشاد الحسين لعدّة أبيات، والتي أوّلها: يا دهر أُفٍّ لك من خليل...، ليلة عاشوراء، فمرّة مخاطباً النساء معاً، ومرّة مخاطباً زينب(عليها السلام) وحدها، إضافة إلى أنّ رواية ابن أعثم والسيّد ابن طاووس مرسلة.

نعم، قد يستدلّ برواية أُخرى في (دعائم الإسلام) عن الإمام الصادق(عليه السلام): أنّه أوصى عندما احتضر فقال: (لا يلطمن عليّ خدّ، ولا يشقّن عليّ جيب، فما من امرأة تشقّ جيبها إلاّ صدع لها في جهنّم صدع، كلّما زادت زيدت)(7).
ولكن، بغضّ النظر عمّا قيل في توثيق كتاب (دعائم الإسلام)، فقد قال السيّد الخوئي بخصوص هذه الرواية وغيرها: (إلاّ أنّ الأخبار لضعف إسنادها لا يمكن الاعتماد عليها في الحكم بالحرمة بوجه)(8).
ولذا أفتى علماؤنا بجواز شقّ الثوب على الأب والأخ؛ فراجع!
فيتّضح أنّ ما تقدّم من الروايات لا تنهض حجّة لمقاومة الأدلّة التي ذكرناها.
ودمتم في رعاية الله

(1) تهذيب الأحكام 8: 325 حديث (1207) كتاب الإيمان باب الكفّارات.
(2) بحار الأنوار 45: 257 الباب (44).
(3) المزار: 504 الباب (18).
(4) اللهوف في قتلى الطفوف: 50.
(5) كتاب الفتوح 5: 84 ذكر نزول الحسين(رضي الله عنه) بكربلاء.
(6) مقتل الحسين لابن مخنف: 111.
(7) دعائم الإسلام 1: 226 كتاب الجنائز ذكر التعازي والصبر وما رخص فيه من البكاء.
(8) التنقيح في شرح العروة الوثقى 9: 232 كتاب الطهارة فصل في أحكام الأموات.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال