الاسئلة و الأجوبة » أصول الدين » هل ينحصر الاستدلال على أُصول الدين من القرآن الكريم


هيثم / مصر
السؤال: هل ينحصر الاستدلال على أُصول الدين من القرآن الكريم
أُريد أن أعرف: هل أُصول الدين تكون في القرآن فقط، أم من المتواتر، سواء أكان قرآناً أو حديثاً عن النبيّ؟ وأُريد قول علماء السُنّة في هذا الأمر..
ولماذا لم تأتِ الإمامة في قوله تعالى: (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ )) (البقرة:285)؟
الجواب:

الأخ هيثم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا بأس أن نوضح المسألة بنقاط:
أوّلاً: إنّ الدين ينقسم إلى علم وعمل: فما يجب أن يُعلم هو العقيدة، وما يجب أن يعمل هو الشريعة، وكلامنا هنا في ما يجب أن يُعلم.

ثانياً: معنى أُصول الدين: الأصل: ما يُبنى عليه غيره واستند إليه، ولذا يسمى بـ(الركن)، ويمكن أن يراد منه بـ(القاعدة الكلّية).
والدين: هو ما أنزله الله لصلاح البشرية عن طريق الرسل.
فأُصول الدين: معنى مصطلح من قبل العلماء (لم يرد في الشريعة) يراد به: الأركان التي يجب الاعتقاد بها يقيناً من الدين، وأنّ منكرها يخرج عنه(1).
ولأنّه اصطلح من قبل العلماء فقد سمّي العلم الذي يبحث في هذه الأُصول أيضاً بـ(علم الكلام)، وسمّاه أبو حنيفة بـ(الفقة الأكبر)، ولا مشاحّة في الأسماء.

ثالثاً: لكي نعرف الضابطة التي تدخل موضوع ما في أُصول الدين لا بأس أن نذكر أحد التعاريف التي أوردها علماء الكلام:
قال التفتازاني: ((الكلام هو: العلم بالعقائد الدينية عن الأدلّة اليقينية))(2).
ومن هنا ذكر العلماء في تحديد أُصول الدين: بأنّها ما يجب على المكلّف الإيمان بها يقيناً، فكلّ ما ثبت بدليل يقيني أنّه يجب على المكلّف الإيمان به يدخل في أُصول الدين، ومن قولهم في التعريف بـ(العقائد الدينية) نعرف أنّ هذه الأُصول يجب أن تطابق ما نزل به الشرع. ولذا فإنّ من وظيفة المتكلّم هو الدفاع عن أوضاع الشريعة فضلاً عن إثبات الحقائق الدينية.
وقال التفتازاني في شرحه للتعريف: ((فظهر أنّه: العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية، المكتسب من أدلّتها اليقينية، وهذا هو معنى: العقائد الدينية، أي: المنسوبة إلى دين محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، سواء توقّف على الشرع أم لا، وسواء كان من الدين في الواقع، ككلام أهل الحقّ، أم لا، ككلام المخالفين))(3).
ومن اشتراط الأدلّة بكونها يقينية يعلم أنّ كلّ دليل أدّى إلى نتيجة قطعية يمكن الأخذ به في أُصول الدين، سواء كان من العقل أو الشرع (القرآن والسُنّة)، مع اختلاف بين المتكلّمين في مقدار ما يثبت من العقل، هل هو كلّ الأُصول، أو بعضها، كالتوحيد، ثمّ يرجع إلى الشرع؟
وعلى كلّ، لا اختلاف بين المتكلّمين بالجملة. نعم، خالفهم في ذلك، (أي: منزلة العقل والاستدلال به في الأُصول). أصحاب الحديث ومتأخّريهم من السلفية والوهابية؛ فإنّهم عزلوا العقل في هذا المجال، وقالوا: أنّ الاستدلال على الأُصول لا يتم إلاّ بالقرآن والسُنّة. وعليك بالعقيدة الطحاوية كنموذج لذلك(4).
ومن المعلوم أنّ عزل العقل غير صحيح، وله لوازم شنيعة وقع بها قبلهم أوائل الأشاعرة تجد تفصيلها في كتب الكلام، وخاصّة في بحث أدلّة وجوب النظر.
ثمّ إنّ الوهابية والسلفية خالفوا أيضاً في شيء آخر؛ فإنّهم يأخذون بالخبر الواحد الصحيح في العقائد، ومن المعلوم أنّ الخبر مهما كان صحيحاً لا يخرج عن كونه ظنّياً، فلزمهم من ذلك أنّهم: لا يشترطون اليقين في أدلّة العقائد.

رابعاً: ثمّ إنّ كلّ كلامنا السابق كان في عالم الإثبات، أي: في مجال الاستدلال على العقائد وأُصول الدين.
وأمّا في عالم الثبوت والواقع، فإنّ أُصول الدين يجب أن تكون موجودة في الرسالة المحمّدية، ويُعلم ذلك من التزامهم بمطابقة ما نزل به الشرع من أوضاع، فإنّ أصحاب الكلام ينسبون كلّ ما يستدلّون عليه بالأدلّة المختلفة من العقل والقرآن والإجماع إلى الشريعة المقدّسة، ويحاولون مطابقة ما ورد في ظواهرها.
ولكنّهم اختلفوا في فهم ظواهر الشريعة كلّ على ما يريد من معنى، ومن ثمّ حاولوا إقامة الأدلّة العقلية على هذه المعاني المأخوذة من الظواهر.
فكلّ من ثبت له - حسب أدلّته والظاهر الذي يعتمده - أنّ موضوعاً ما هو أصل من أُصول الدين، أي: يجب الاعتقاد به وأنّ منكره خارج عن الدين، أثبته في الأُصول؛ فاختلف المعتزلة عن الأشاعرة عن الإمامية في أُصولهم.
وغرّب عنهم أكثر أهل الحديث والسلفية والوهابية في اعتمادهم على الظواهر حتّى لو خالفت العقل ولم تثبت إلاّ بطريق ظنّي، ومن هنا تعرف لماذا يشترط الإمامية في العقائد الدليل القطعي من العقل، أو محكم القرآن، أو السُنّة المتواترة.

خامساً: ممّا مضى تعرف أنّ الأدلّة على الأُصول في عالم الثبوت والإثبات، فضلاً عن العقل، هي: القرآن والسُنّة، وعند طائفة: الإجماع أيضاً, ولم يذكر أحد من صغار أهل العلم، فضلاً عن كبارهم، أنّه يجب أن تذكر في القرآن حصراً، حتّى من قبل أهل الحديث والسلفية والوهابية؛ فإنّ السُنّة الصحيحة عندهم حجّة، فضلاً عن المتواترة.
فما أوردته من سؤال لم يكن مبنياً على أُصول منهجية علمية, فهو سؤال مبني على الخطأ في ما هو الحجّة من الأدلّة ورتبتها عند العقل على أحسن الأحوال، وإلا فنحن نعرف أنّه نابع من مغالطة يستخدمها دعاة الوهابية والسلفية لإحراج الشيعة؛ فهو سؤال إحراج وتشنيع ليس إلاّ!
فيا ترى من أين جاءت القاعدة (الكبرى) التي تقول: أنّ الاستدلال على أُصول الدين يجب أن يكون من القرآن، ولا يكفي ورودها في السُنّة؟ وما هو دليلها؟ ومن هو القائل بها؟
فكما ذكرنا أنّ مصطلح أُصول الدين لم يرد في الشريعة وإنّما اصطلحه علماء الكلام؛ إذ جمعوا المسائل التي يجب أن يُعلم بها ضمن عناوين كلّية تحوي هذه المسائل، وسمّوها بـ(أُصول الدين)، فمنهم من عدّها ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة، أو أكثر, ولمّا اختلفوا في هذه المسائل (التي يجب على المكلّف أن يعلم بها وإلاّ خرج من الدين) اختلفوا تبعاً لذلك في عناوين الأُصول، حتّى أنّك تجد مثلاً أنّ المعتزلة عنونوا في أُصولهم أصل: (المنزلة بين المنزلتين)، وأنّ من أُصول أهل الحديث: الإيمان بظواهر ما وصف الله به نفسه في القرآن, وغير ذلك.

وأمّا بخصوص الآية المباركة: (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيهِ مِن رَبِّهِ وَالمُؤمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ )).
فلنا أن نجيب: بأنّ الإمامة داخلة في ما بلّغ به الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من كتاب الله وسُنّته، فهي داخلة في النبوّة، كالمعاد غير المذكور أيضاً في الآية، فهو ممّا بلّغ به الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونزل به القرآن.
ثمّ يرد إلى الذهن سؤال: من أنّ الحجّية هل هي لكلّ آيات القرآن الكريم، أو لآية واحدة يختارها الشخص حسب هواه؟
وإذا كان الجواب هو الأوّل، فإنّا نقول: أنّ الإمامة قد ذكرت صراحة في القرآن بمفهومها الكلّي، وبيّن الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصاديقها في سُنّته.
ولك أن تراجع أبحاث وكتب الشيعة عن الإمامة لتجد إن شاء الله تعالى الشرح الوافي لذلك، وكذا أدلّة كونها من الأُصول دون الفروع.
ودمتم في رعاية الله

(1) راجع العقيدة الإسلامية / د.مصطفى الخن ومحي الدين ويب مستو: 18 الفصل الأوّل.
(2) شرح المقاصد في علم الكلام 1: 5 المقصد الأوّل.
(3) شرح المقاصد في علم الكلام 1: 6 المقصد الأوّل.
(4) انظر: مقدّمة شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزّ الدمشقي، بقلم د: عبد الله بن عبد المحسن التركي وشعيب الأرنؤوط.

ايمن ابو أنس / لبنان
تعليق على الجواب (1)
تعليقاً على جوابكم لسؤال الأخ هيثم من مصر عن كون الإمامة لم ترد في القرآن الكريم: أتمنى أن تعطوني مثالاً واحداً عن كون العقل حجّة، أو مصدر للتشريع كالقرآن والسُنّة، وأنّه يثبت به شيء.
وأريد أن أقول لكم: أنّنا كأهل السُنّة والجماعة، لا يثبت عندنا شيء في أُصول العقائد ما لم يتحقّق فيه شرطين: أن يكون قطعي الثبوت وقطعي الدلالة.
وإذا أردتم المزيد من الشرح فلا مانع لي أن أُوضّح ذلك أكثر في رسالة لاحقة.
الجواب:

الأخ ايمن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أوّلاً: ينبغي التمييز وعدم الخلط بين (العقل النظري)، وهو: ما يجب أن يُعلم، وبين (العقل العملي)، وهو: ما يجب أن يُعمل؛ فالأوّل هو مناط الحجّية في البرهان والمعرفة والعقيدة، والثاني هو مناط التشريع.
فحجّية العقل في العقائد والمعارف الإلهية ليس هو مصدراً للتشريع، كما هو الحال في العقل العملي، المختلف فيه بين المدارس الإسلامية بشأن كونه حجّة مدرك ومصدر للتشريع أم لا.

ثانياً: إنّ (العقل النظري) الذي هو مناط إدراك المعارف الإلهية، والتفكّر والنظر، والبرهان على أُصول الدين والعقائد الحقّة، هو أمر متّفق عليه بين علماء جميع المدارس ولا خلاف فيه أبداً، وإنّما وقع الخلاف بينهم في بعض المسائل، هل دليلها عقلي أو نقلي؟ مثل: الإمامة، والعصمة، وما إلى ذلك.

ثالثاً: أيّها الأخ العزيز لو نظرت في أي كتاب في علم الكلام والعقائد فإنّك تجد كثير من الأُصول والعقائد قد ذكروا لها أدلّة عقلية ونقلية، وتجد أيضاً بعض الأُصول لا يمكن الاستدلال عليها إلاّ بالعقل، مثل: إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته، وما يليق وما يجوز أن يوصف به، وما ينزّه عنه من الجسمية والمكان والتركيب والحركة والحدوث، وما إلى ذلك.
وكذلك النبوّة لا يمكن أن تثبت بالنقل، إلاّ أن يبرهن النبيّ بمعجزة تقهر الأسباب الطبيعية وتخرقها فيذعن العقل إلى صدقه وإرساله من قبل الله عزّ وجلّ، ولو صدّقنا إخبار ونقل كلّ من يدّعي النبوّة لصدّقنا مسيلمة الكذّاب وطليحة بن خويلد، وسجاح، وأمثال هؤلاء من مدّعي النبوّة!
بل سنصدّق كلّ من يدّعي الإلوهية والربوبية أيضاً وليس النبوّة فقط، كفرعون والدجّال ومن على شاكلتهم من الطواغيت والشياطين.

رابعاً: ونقول أيضاً: لولا العقل لما أمكن اتّباع النقل، وما صحّ الاحتجاج بالنقل أصلاً.. إذ يلزم من القول: بالاكتفاء بحجّية النقل فقط، الدور، إذ يبطل النقل رأساً حين ذلك؛ لأنّ النقل لا يمكن الاحتجاج به دون إدراكه وقبوله وتصديقه أوّلاً عن طريق العقل.
فوجوب المعرفة والنظر والتفكّر ومعرفة الله عزّ وجلّ قد أجمع علماء الكلام على ثبوتها عن طريق العقل، وأوجبوا إعمال العقل لإدراك هذه المعارف، من وجود الله عزّ وجلّ، وتوحيده، وإثبات صفاته اللائقة به، كالعلم والقدرة والحياة والغنى، وتنزيه الله عزّ وجلّ عن الصفات السلبية وغير اللائقة به عزّ وجلّ.
هذا ما تيسّر لنا بيانه في هذا المقام على هذه العُجالة، وللكلام بقية بعد أن تطلبوا ذلك وتبيّنوا رأيكم وتعليقكم الكريم.

خامساً: ونكتفي بذكر ما قاله عبد القاهر البغدادي في كتابه (أُصول الدين)؛ إذ قال: ((العلوم النظرية على أربعة أقسام: أحدها: الاستدلال بالعقل من جهة القياس والنظر...
فأمّا المعلوم بالنظر والاستدلال من جهة العقول، فالعلم بحدوث العالم، وقدم صانعه، وتوحيده، وصفاته، وعدله، وحكمته، وجواز ورود التكليف منه على عباده، وصحّة نبوّة رسله بالاستدلال عليها بمعجزاتهم، ونحو ذلك من المعارف العقلية النظرية...
ثمّ قال: وإنّما أُضيف العلوم الشرعية إلى النظر لأنّ صحّة الشريعة مبنية على صحّة النبوّة، وصحّة النبوّة معلومة من طريق النظر والاستدلال، ولو كانت معلومة بالضرورة من حس أو بديهة لَما اختلف فيها أهل الحواس والبديهة، ولَما صار المخالف فيها معانداً، كالسفسطائية المنكرة للمحسوسات))(1).
ودمتم في رعاية الله

(1) أُصول الدين: 14.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال